تدوينة

«عشر دقائق تمارين ورسمة»: يوميات في الحجر الصحي

السبت 28 آذار 2020
رسم مايا عامر

الجمعة 6 آذار

بعد ثلاث سنوات من المزاح والمحاولات غير الجدية في زيارة أختي المقيمة في أميركا، قررنا وأخيرًا أن هذا هو الوقت الأنسب. أختي تكمل اختصاصها في الطب الباطني مع زوجها الطبيب كذلك وابنهما الذي لم يكمل عامه الأول بعد. كانت الصدفة أن زوجها كان عائدًا للأردن في إجازة، أما هي فلم تتمكن من ذلك واقترحَت أن نأتي أنا وأختي الأخرى لزيارتها والمساعدة في رعاية الطفل. لنتجنب تفاصيل إقناع الأهل وإجراءات الفيزا وحتى إقامتنا في أميركا لأسبوع وننتقل لتاريخ أكثر ارتباطًا بعنوان المقال. 

الأحد 15 آذار

كان ضمن مخططنا أن نبقى عند أختي مدة ثم نزور ولايات أخرى في الأيام القادمة بعد عودة زوجها، لنستغل وجودنا في أميركا. أتلانتا كانت محطتنا التالية، ثم نيويورك، ثم العودة لعمان في الحادي والعشرين من الشهر. أخذتنا الطائرة من فلوريدا في السادسة صباحًا إلى أتلانتا، وصلنا مطار أتلانتا بعد ساعة واتصلنا بالإنترنت، ليصلنا فوج من الرسائل أن حدود الأردن تغلق غدًا والرحلات تلغى. يصلنا بعدها خبر إلغاء رحلتنا من نيويورك لعمان، لسبب نجهله الآن. كانت ردة الفعل الأولى أن نحاول الاتصال بالسفارة الأردنية دون جدوى، كنا قد نسينا حينها أن الساعة السابعة صباحًا، وأن السفارة غالبًا لم تبدأ عملها بعد. نمضي الساعات الخمس القادمة في محاولات لعدم الانهيار والسيطرة على الموقف، نتصل مع شركات الطيران والحجوزات، ثم نحجز وأخيرًا تذكرة الرحلة المنتظرة، في اليوم نفسه، الساعة الثامنة مساء، بضعف سعر رحلتنا الأصلية.

الإثنين 16 آذار

بعد أن أمضينا نهارنا في المطار وليلنا في الطائرة، تصل رحلتنا إلى الدوحة للترانزيت في الخامسة مساء. لم أكن أتوقع أن عشرة أيام في أميركا ستعجلني أشتاق لسماع شخص أردني يتحدث معي بلغتي عما يحدث. الساعة التالية كانت في غرفة انتظار ملأى بالأردنيين المذعورين، يتبادلون وصفات علاج الكورونا بزيت الزيتون والليمون، ونكت الواتساب، ونظريات المؤامرة. نصل المطار في التاسعة والنصف ليلًا، بعد تبادل كل النكات والنظريات الممكنة مع ركاب الطائرة. كان المطار شبه الفارغ مخيبًا لآمال البعض في تصوير الفيديو الساخر القادم. 

يستقبلنا موظف الجوازات بكمامته ومعقم الأيدي، نذهب للحمام لثوانٍ لتخبرنا العاملة في التنظيف بسرّ أن موظفي الجمارك لا يفتشون وعلينا استغلال الموقف: “اشتروا دخان، الناس بتعبي كروزات وما حدا مدقق عليهم”. نتجاهل ذلك، نأخذ حقائبنا ونتوجه إلى حيث اصطف الناس في طابور محاط بعناصر الأمن، عبر باب جانبي صغير أتوقع أنه في العادة خاص بالموظفين. نقف في الخارج بانتظار الباص التالي، يساعدنا موظف “تكرم” بحقائبنا دون مقابل، نركب الباص وتبدأ رحلة انتظار أخرى، ساعتان في الباص مليئة بالتساؤلات ولا تخلوا من آخر مستجدات الواتساب، يركب معنا الباص عسكري في الجيش، يسأله راكب كل خمس دقائق إلى أين نحن ذاهبون ليجيب بـ”ما بعرف، بس تيجي الأوامر بنخبركم”. يلتفت الراكب للسائق ليجيب الآخر بشيء مشابه، يتحرك الباص عديم الوجهة تابعًا الباصات التي أمامه وسيارات الشرطة تحوطنا من الجانب. كنت دائمًا استاء ممن لا يأخذون يمين الشارع لفتح المجال لسيارات الإسعاف، لذا لم يكن مستغربًا أن المجال لم يُفتح لأسطول من حوالي عشر باصات وخمس سيارات شرطة، بل كان مشهد السائق الذي يوقف السيارة ليصور الباصات أمرًا عاديًا جدًا. 

الساعة 12 ونصف ليلًا نصل فندق الريجنسي في عمّان، كما أخبرنا العسكري قبل قليل: “حظّكو حلو إنتو بعمان، غيركم راح عالبحرة”. يقف الباص نصف ساعة قبل أمر فتح الباب. هذه النصف ساعة هي الأسوأ في مدة الانتظار، ليس لطولها، بل لأن نصف الركاب قرروا ترك مقاعدهم والوقوف في الممر بمسافة 10 سم بين الشخص والآخر، والكثير من التأفف والقليل من المزاح حتى “يزبطنا” العسكري المرافق.

ندخل الفندق بهدوء، يستقبلنا موظف الاستقبال على مكتبه هايجين وعلبة كمامات مفتوحة للجميع حيث اعتدنا أن يكون هذا الملبس. يأخذ الجوازات ويسجل الأسماء، يسألنا إن كنا نريد الحجر أنا وأختي معًا أو على انفراد، نفضل الموت سوية فيعطينا رقم غرفة واحدة، ثم تصلنا وجبة عشاء بعد قليل.

بعد 36 ساعة بين مطارات وباصات ودول، ودون استقرار لا على الأرض ولا في السماء، أقرر تجاهل كل ما حدث والتعامل معه على أنه كابوس مرعب حالما أرى السرير الأبيض لأنام فيه 12 ساعة متواصلة.

الثلاثاء 17 آذار

اليوم الأول في الحجر الصحي، استيقظُ مرة على صوت لم أعلم سببه حينها، لكني أفهم عندما تدق الساعة الواحدة ظهرًا مع خبطات عسكرية على الباب. كان ذلك الفطور، وهذا الغداء.

أتناول فطوري في الواحدة لأن نظام حياتي لم يتعدل بعد من فرق التوقيت، بعده بساعات قليلة الغداء، ثم في السابعة العشاء. ندرك حينها أن بقاءنا في الحجر سيعني خمسة كيلو إضافية على الأقل، لنتفق أنا وأختي أننا سنبدأ التمارين الرياضية غدًا؛ اتفاق مألوف جدا، لكن غدًا سنبدأ أكيد. 

نمضي النصف الأول من اليوم في مكالمات اطمئنان متفرقة من الأهل والأصدقاء تشعرني أن لدي سَبْق صحفي مهم، نمضي النصف الثاني في محاولة تمضية الوقت، نشاهد الأخبار قليلًا، ثم نبدأ فيلم على التلفاز نمل من منتصفه لكثرة الإعلانات. عند حوالي التاسعة مساء نفقد الأمل لنقوم باتصال مع أهلي يشعرني على غير العادة أنني من دول العالم الأول، استنجد بهم ليعطونا جهاز حاسوب محمول، يخبرنا أهلي أن الوقت متأخر وسيحضرونه غدًا.

حوالي الساعة العاشرة مساء يقرع الباب. ليست وجبة أخرى لكنه طبيب هذه المرة، برداء أزرق كامل وكمامة وقفازات، يسألنا إذا شعرنا بأي أعراض للمرض، حرارة، تعب، إرهاق. نجيب بالنفي، يعطينا الطبيب ثقته الكاملة ولا يفحصنا، ينصحنا فقط بتجنب الاختلاط وإخبار الأمن فورًا إذا شعرنا بأي شيء غير طبيعي. يعطينا الأمن ورقة تؤكد ما قاله الطبيب ويأمرنا بإغلاق الباب. كانت هذه المرة الأولى منذ بدء رحلتنا التي يتحدث معنا فيها طبيب، كنت سأطمئن أكثر لو كان مع الطبيب ميزان حرارة على الأقل، لا أعلم كم هي حرارتي الآن، يهيأ لي أنها منخفضة، وصحتي تبدو بخير.

سأمضي الليل بالتفكير ومحاولة إقناع عقلي أنه وقت النوم، سأفقد الأمل وأتناول حبة منوم في الثانية صباحًا لأنام قبل الثالثة بقليل وحتى الساعة 12 ظهرا من اليوم التالي.

الأربعاء 18 آذار

بدأ الملل يظهر علينا، يقال إن هناك أنواعًا من البشر تختلف كيفية تعاملهم مع حالة كهذه. اليوم جربنا أنا وأختي كل الأنواع، بدأنا النهار برغبة غريبة في التنظيف، أعدنا ترتيب حقائبنا، غسلنا ملابسنا القديمة، رتبنا الغرفة قليلًا، لم تغرب الشمس بعد، بدأنا نشاطنا التالي، تمارين رياضية خفيفة. لم يتجاوز التمرين 10 دقائق ما زال في اليوم الكثير من الوقت لنقتله. تحدثنا مع بعضنا حينًا وعلى الهاتف أحيانًا. أمي وأبي يتحدثان معنا يوميًا، ينسيان أثناء المكالمة أننا نبعد عنهم مسافة نصف ساعة وأننا في غرفة مغلقة فليس هناك تطورات تذكر. 

أجد في حقيبتي دفترًا صغيرًا وقلمًا واحدًا، أعد نفسي برسم أي شيء كل يوم حتى لا أنسى كيف أمسك القلم. تصل أجهزة الحاسوب اليوم، لم يواجه أهلي أي مشكلة في إيصالها. يحضر عسكري ويسلمنا الحقيبة، فيها جهازا حاسوب محمولان، وحبوب فيتامين سي وزيت سمك علينا أن نتناولها كل يوم بأمر من والدي، ومعقمات ومنظفات مع توصيات أمي على إبقاء الغرفة نظيفة.

نمضي الساعة القادمة على الجهاز في تقليب واجهة نتفلكس والحكم على الأفلام من أغلفتها، ثم يتأخر الوقت ولا نتابع شيئًا. آخذ حبة المنوم بوقت أبكر من البارحة، وأنام أفضل قليلًا.

الخميس 19 آذار

بدأت أفقد الإحساس بالوقت والأيام، كتابة المذكرات تساعدني في عد الأيام، أحرص على أن اتأكد من التاريخ وأن أدونه. الدق العسكري على الباب في تمام التاسعة صباحًا أو قبلها بقليل يعْلمني بأن الصباح قد حل. وما أن نسمع آخر دقة للعشاء في السابعة مساء يصبح الليل كله كتلة هلامية عديمة الوقت، وهذا هو أصعب وقت في اليوم. 

يزورنا اليوم طبيبان، يسألان عن أسمائنا الثلاثية وأعمارنا، والسؤال المعتاد: “هل تشعرون بحرارة أو أعراض؟”. ألاحظ اليوم ألا أحد أخبرنا بجدية ما هي الأعراض باستثناء الحرارة. ترفق وجبة الغداء اليوم بورقة من وزارة الصحة تعتذر عن الإزعاج الذي سببته لنا فترة الحجر وتعدنا بزيادتها إذا ما ظهر على أحدنا أية أعراض. 

اليوم نعود للتمارين الرياضية كما البارحة، لم أكن يومًا من محبي التمارين أو رواد النوادي الرياضية، إلا أن أكثر ما أفتقده في هذه العزلة هو أن أمشي مسافة طويلة بدون وجهة لأحرك جسدي وأخذ جرعة من الهواء النقي وضوء الشمس.

اليوم يأتي عمال الفندق لأخذ القمامة وإعطائنا أكياس جديدة. لا يدخل عمال التنظيف إلى الغرفة حتى لا نعرض حياتهم للخطر. هذه التفاصيل ووضع الطعام على الأرض حتى لا نلمس من يقدمه هما أكثر ما يذكرنا أننا في حجر صحي بسبب مرض، وليس في فندق للاستجمام. 

تأتيني رسالة اليوم من مديرة الموارد البشرية في عملي، تؤكد لي أن الشركة تعمل من المنزل وأنه آخر يوم في إجازتي ومتوقعٌ مني أن أعود للعمل يوم الأحد. أخبرها بتفاصيل الحجر والفندق فترد بإرسال الحاسوب المحمول التابع للشركة حتى أعود للعمل عليه. لم أكن أتوقع أن أعمل خلال فترة الحجر كاملة إلا أنني بدأت أملّ من وقت الفراغ وربما سيعيد الدوام الرسمي شيئًا من روتين حياتي. 

الجمعة 20 آذار

في عالم موازٍ، ننهي رحلتنا في أميركا اليوم، ونستقلّ طائرتنا مساءً بسلام، ونعود للمنزل كما كان مخططًا. لكن في هذا العالم يبدأ اليأس بالتسلل إلينا في اليوم الرابع من الحجر. أصر يوميًا على مراقبة الجو والشمس من النافذة، أنظر إلى الساعة والتاريخ، أحاول ألا أفقد إحساسي بالوقت والمكان. اليوم رأيت جارنا للمرة الأولى أثناء تسليمنا إحدى الوجبات. يضعها الموظف على الأرض يطرق الباب ويفرّ بسرعة كأننا كلنا مرضى معدون حتى يثبت عكس ذلك. رأيت أمام باب الجار وجبة واحدة، تخيلت كيف كان سيكون الوضع لو لم تكن أختي معي. يأخذ جارنا وجبته، يحيي العسكري الذي فر هاربًا، نغلق الأبواب ليعود كل منا لزنزانته، عفوًا، غرفته. 

اليوم يصل عدد الحالات في الأردن إلى 85، أتفاءل قليلًا كوننا لم نعلن عن أي وفيات بعد، لكن ما يقلقني أنه أعلن عن ثلاث حالات من العائدين من السفر. يرنّ هاتف الغرفة على غير عادته، تتحدث معنا طبيبة تسأل عن حالنا وأسمائنا. بعد بضع ساعات يأتي طبيب إلى الباب ليطلب جوازات السفر. أظن أنهم يحاولون معرفة من كان في الطائرة أو الباص مع الحالات المصابة. لا يخبروننا بنتائج ولا يعيدون جوازات السفر. 

في تمام الثامنة مساءً، يخرج نزلاء الفندق بتنظيم غير معتاد إلى حواف الشبابيك والشرفات يحيون الأمن والكوادر الطبية، في لفتة جميلة. نبقى عند النافذة خمس دقائق ثم يبدأ الجميع بالعودة لغرفهم. لأول مرة أشعر أن الفندق مليء بالبشر لهذه الدرجة، ولأول مرة أشعر أننا معًا في هذه المحنة.

السبت 21 آذار

عيد الأم، معركة الكرامة، أو اليوم الخامس. إن من أصعب الأمور في هذا الوضع هو أن تبقى إنسانًا منتجًا بشكل أو بآخر. فكرة إغلاق النوافذ والنوم حتى العصر مغرية جدًا، وأنا لم أكن يومًا ممن يحبون الروتين أو يضعون الخطط، لكن في ظرف استثنائي كهذا تحتاج لشيء من الروتين كي لا يتحول الحجر لزنزانة. يساعدنا عمال الفندق يوميًا في تأسيس الروتين، الفطور في التاسعة، الغداء في الواحدة، والعشاء في السابعة. وبين الوجبتين الأخيرتين، زيارة لعامل النظافة في الخامسة، نبدأ تماريننا بعدها غالبًا.

أما عن الخطط والإنجازات، فعملي في مجال إبداعي يجعل مزاجي العامل المسيطر الأكبر في كمية الإنجاز ووقته، لكن شيئًا واحدًا يحفزني للعمل دائمًا وهو موعد التسليم، اعتبرت مدة الحجر موعد التسليم، معرفة موعد النهاية هي ما يجعل للبقاء هنا معنىً. سجّلت بعقلي بضعة أمور لإنجازها قبل الخروج من هنا، لم تكن أمور جوهرية أو كبيرة؛ عادات لالتزم بها بعد الخروج من هنا، كالتمارين والتدريب على الرسم، أمور في مجال عملي كحضور دورة تصوير أونلاين تنتظر في مفضلتي منذ بداية العام، وإنهاء تصميم موقعي الشخصي. 14 يومًا كافية لتأسيس عادة أو إنهاء مشروع عالق، لا يهم كم تنجز منه في كل يوم، لكن المهم أن تنتهي عند موعد التسليم.

الأحد 22 آذار

اليوم أعود لدوامي، أمضي الساعة الأولى منه في تفريغ الإيميل ومعرفة ما فعله الفريق بغيابي، ثم يمضي يوم دوام عادي على السرير بملابس النوم. تغدو الاجتماعات أقل ثقلا حين تصبح كالمكالمات الهاتفية، والعمل ينتهي أسرع دون مقاطعات.

اليوم اكتشف عمال الفندق وعناصر الأمن سماعاتٍ أتوقع أنها من صالة الأفراح فيه. أتسائل أحيانًا عن الملل الذي يشعرون به فهم أيضًا معزولون معنا، كانت السماعة تسليتهم اليوم. في مشهد يشبه رواية 1984 لجورج أورويل، يصدح صوتُ عسكريٍ لا يعرّف بنفسه، لكن النبرة العسكرية لا يمكن أن تخطئها. يأمرنا بالتزام الغرف وعدم الاستهتار بالأوامر، مع الكثير من التشويش والـ”تِست تِست، الصوت واضح؟”. ينتهي الخطاب قبل أوانه، ثم ترفق ورقة مع الغداء بالتعليمات التي كان من المفترض أن تقال في السماعة: عدم الخروج من الغرف والاختلاط، لكن أكثر ما يلفتني هو عبارة “الأمور مبشرة بالخير طالما لم يتم تأكيد أي حالة، وستجري الأمور كما هو مخطط لها، وبالتالي لا داعي لتمديد مدة الحجر”. تُوقع الورقة باسم مندوب للقوات المسلحة. كانت هذه الورقة جرعة الاطمئنان التي كنا جميعًا نحتاجها بعد أن ازداد عدد الحالات في المملكة وأعلن عن حالة على الأقل من فنادق الحجر.

الإثنين 23 آذار

كل ما مر وقت أكثر في هذا الحجر تبدو الأيام متشابهة أكثر. الدوام يشغل حيزًا لا بأس به من يومي، أبدأ في العاشرة صباحًا وأنتهي في السادسة مساء، أفتقد بيئة العمل هنا فالسرير أصبح طاولة الاجتماعات والطعام ومكان الراحة. بعد أن أنهي عملي، أبدأ النشاطات التي تخصني. اليوم أنهيت نصف دورة التصوير، تعلمت أمور كان الأجدى أن أطبقها أولًا بأول. أملك كاميرتي هنا لكن لا شيء يمكن تصويره. المشهد من النافذة ورشة عمل متوقفة يبدو أنها لفندق آخر أو مجمع تجاري، ومدرسة بلا طلاب، وعمارات عمان المكدسة في الأفق.

أحاول متابعة الأخبار لمعرفة عداد الحالات المستمر بالتزايد ومتابعة قرارات الدولة في الحظر والعزل ومنع الحركة. لا أعلم ما يحدث في الخارج إذا لم أتابع الأخبار ومواقع التواصل التي تأكل من وقتي أكثر مما اعتدت عليه. فوالداي لا يخرجان منذ بدأت القصة كلها، وفي كل مكالمة نشدد عليهما ذلك أكثر، لذا فهم لا يملكون قصصًا من العالم الخارجي. كل معارفي إما في عطلة أو يعملون من المنزل، لا أعلم عن أولئك الذين يخرقون حظر التجول إلا عبر وسائل التواصل. هذه العزلة تبدو أحيانًا كبرج عاجي أنظر من علوه إلى باقي المدينة تقطّع بعضها على رغيف خبز، وكأني أفهم للمرة الأولى امتيازات المشاهير أو دول العالم الأول، وكيف يملكون رفاهية عدم متابعة الأخبار لأنها لا تعنيهم، والتنظير على غيرهم بـ”أكل الكيك”.

الثلاثاء 24 آذار

اليوم نكمل الأسبوع الأول في حجرنا. كان حجرًا مرفهًا أكثر مما تخيلت، لا أتصور كيف لشخص أن يشتكي منه. كان ينقصني فيه الشجر أكثر من البشر. فنظرًا إلى أنني بطبعي شخص انطوائي، لم يكن إمضاء أسبوع دون مشاوير أو حتى رؤية أحد شيئًا غريبًا عليّ. حاولت أن أجعل هذا الحجر مفيدًا قدر المستطاع، شاهدت الوثائقيات العالقة منذ مدة، وقاربت على إنهاء دورة أونلاين.

أنجز من عملي في العزل أكثر مما كنت أنجز في المكتب، أنهي عادة كل ما علي فعله حوالي الخامسة ثم أنتظر للسادسة كي ينتهي الدوام رسميًا، لا أظن أني سأمانع لو أصبح الدوام هكذا للأبد، ويبدو أن مجتمعات المستقبل ذاهبة في هذا الاتجاه. اكتسبت عادتين في الحجر أود لو أحافظ عليهما خارجه: 10 دقائق تمارين ورسمة يوميًا.

لأسبوع كامل كان لدي الرفاهية ألا أفكر في فاتورة كهرباء أو إطعام أطفال. كان هذا الوقت كله لي وأنا كنت أختار توزيعه على ما أحب وأحتاج. لو أن لكل شخص في حياته عزلة كهذه سنويًا على الأقل، ينسى فيها الفواتير والمسؤوليات الاجتماعية وحتى من يعيلهم ويتفرغ لنفسه، يفكر، يتأمل، يتعلم، يشغل نفسه بما يهمه هو، دون مؤثرات خارجية.

لست في موقع إعطاء نصائح، لكن إن كنت مضطرًا إلى هذه العزلة وجاء بك الملل إلى هذا المقال فاحرص على ألا تقع في دوامة الهلع من المرض. ستزداد الحالات تدريجيًا، هذا شيء طبيعي. وإذا التزمنا بالتعليمات ستتمكن الكوادر الطبية من السيطرة على هذه الحالات ثم تتماثل للشفاء لتقل تدريجيًا. عزلتك ليست سجنًا، هي أكبر من مجرد وقت فراغ، افعل فيها ولو شيئًا مفيدًا واحدًا.