نهاية جدلية لـ«سكن كريم»: بيع ما تبقى من شقق بأقل من الكلفة

جزء من مباني مشروع سكن كريم في الزرقاء. تصوير دلال سلامة.

نهاية جدلية لـ«سكن كريم»: بيع ما تبقى من شقق بأقل من الكلفة

الخميس 30 آب 2018

اشترى خالد خمايسة عام 2010 شقته في إسكان المستندة، جنوب عمان، ضمن مبادرة «سكن كريم». وكان السعر النقدي للشقة البالغة مساحتها 111 مترًا مربّعًا 28 ألف دينار تقريبًا، لكنه سيكون قد دفع بعد اكتمال سداد القرض البنكي المقسط على 20 سنة مع الفوائد، 45 ألف دينار تقريبًا. يشعر خمايسة بالغضب، لأن شققًا مطابقة لمواصفات شقته في الإسكان نفسه ضمن المبادرة التي أطلقها الملك عبدالله، قبل 10 سنوات لتوفير مساكن لذوي الدخل المحدود، بيعت، قبل عامين لموظفين في وزارة التربية، بـ«15» ألف دينار تقريبًا، تُسدد على عشر سنوات، بدفعات متساوية، ومن دون فوائد. وزيادة على ذلك، تلقى المشترون ممن دفعوا نقدًا خصمًا مقداره 20 دينارًا عن كل متر مربع.

تفاوت الأسعار سببه أن الحكومة، بعد أن فشلت في تسويق آلاف الشقق ضمن المبادرة التي تعثرت، وأحاطتها منذ البداية شبهات فساد، قررت في عام 2014 تصفية ملفها بمنح ما تبقى من شقق، وعددها 3155 شقة، لصندوق إسكان العاملين في وزارة التربية بأقل من سعر التكلفة، على أن تتحمل الخزينة كلفتها البالغة 60 مليون دينار، وفق تصريح وزير الأشغال آنذاك، سامي هلسة. وتتم حاليًا، كما قال لحبر أمين عام وزارة التربية للشؤون الإدارية، سامي السلايطة، إجراءات توزيع الدفعة الأخيرة من هذه الشقق، وعددها 288 شقة على موظفي الوزارة.

يسود بين المشترين الأوائل إحساس عميق بالغبن. ليس فقط لأنه ليس من العدالة، كما يرون، أن يحصل الساكنون الجدد على شققهم بنصف الثمن الذي اشتراها به المنتفعون الأوائل، (ومن بينهم موظفون في وزارة التربية نفسها)، هناك أيضًا أن الأسعار الجديدة، كما يقولون، خفّضت القيمة السوقية لشققهم.

ما سبق هو المشهد الختامي لمبادرة الإسكان الطموحة «سكن كريم لعيش كريم»، التي أطلقها الملك عبدالله في شباط 2008، بالتعاون مع بنوك وشركات قطاع خاص. وكان من المقرر أن تنفذ على خمس سنوات، تبنى خلالها 100 ألف شقة، تباع بأسعار مدعومة، وأقساط ميسّرة لأصحاب الدخول المحدودة. لكن ما بُنيَ فعليا كان 8448 شقة فقط، أي حوالي 8% مما كان مقررًا.حدث هذا رغم أن الحكومة قدمت، كما ذكر وزير الأشغال السابق محمد طالب عبيدات، الأرض والبنية التحتية مجانًا، ودعمت فوائد القروض البنكية. وكانت، كما أورد تقرير نيابي، قد قدمت ضمن المبادرة، إضافة إلى مسار الشقق الجاهزة، آليتين أخريين لدعم إسكان أبناء المحافظات التي لم تصلها المبادرة، الأولى: منح قطع أراض بمساحات تتراوح بين 250-320 مترًا مربعا، مع خمسة آلاف دينار منحة. والثانية: توفير قروض ميسرة لمن يملكون أراض داخل التنظيم، للبناء عليها. وقد كلّفت الشقق، كما صرح عبيدات، 315 مليون دينار، منها 242 قيمة البناء، و73 مليون دينار، كلفة الأرض، والبنية التحتية والخدمات العامة.

ما حدث وقتها هو أنه منذ الأشهر الأولى لاستلام أوائل المنتفعين شققهم في مشاريع الإسكان التي توزعت على محافظات عمان، والزرقاء، وإربد، ومادبا، والعقبة، توالت الشكاوى من ارتفاع الأسعار النهائية للشقق، وسوء البنية التحتية، وفقر الخدمات في معظم المناطق التي اختيرت لإقامة المساكن فيها. والأهم، كانت هناك شكاوى من تدني جودة التشطيبات، بما لا يتناسب مع أسعار الشقق.

مؤسسة الإسكان والتطوير الحضري، قالت لحبر إن «تنفيذ المشاريع تمّ حسب الأصول وكودات البناء الوطنية، كما تمّ الاستعانة بالجمعية العلمية الوطنية للقيام بأعمال ضبط الجودة». لكن الحقيقة أن الوزير عبيدات أقرّ في لقاء صحفي قبل عامين، بصحة الشكاوى، عندما قال إن الشقق عانت من: «مشاكل فنية تمثلت بحاجتها للصيانة، فضلًا عن ظهور مشكلات إنشائية ناجمة عن أن بعض المستثمرين لم يكونوا متخصصين بالبناء (…) فكانوا يحضرون مقاولين من الباطن، لغايات استكمال المشاريع».

وقتها أُلزم المستثمرون بعقد صيانة مجاني للشقق مدته عام. وقد أكّدت «مؤسسة الإسكان» أنها «تعاملت مع طلبات الصيانة المقدمة من المستفيدين، حيث كان يتم إجراء صيانة الشقق خلال فترة الصيانة المحددة بالعقد».

لكن جميع من قوبلوا، من المنتفعين، في إطار هذا التقرير لفتوا إلى أن المشاكل الناجمة عن تردي جودة التنفيذ استمر ظهورها ما بعد هذه المدة. يقول خمايسة إن التشطيبات في الشقق ومن بينها شقته «رديئة جدا؛ أطقم الحمامات، المواسير الداخلية سهل تنكسر، وبتعمل رطوبة وكثير صعب صيانتها» أمّا نوعية البلاط والسيراميك فـ«ما بتحطهن لخمّ جاج». في حين يقول محمد إسماعيل من الإسكان نفسه، إنه أنفق خمسة آلاف دينار لعلاج مشاكل الرطوبة والتشققات والعفن في شقته. وهي مشاكل يقول إنها ظهرت في وقت قياسي لا يتناسب أبدًا مع عمر البناء: «سكنّا بيوت عمرها 20 سنة، وما كان فيها [عيوب فنية]. بس اللي كان قاعد بالأجار انجبر يخسر فوق حَقّ الشقة عشان يسكن». ويستذكر إسماعيل حادثة إخلاء واحدة من عمارات الإسكان في نيسان العام الماضي بسبب تشققات عميقة طالت الطوابق الثلاث الأولى من العمارة المكونة من أربع طوابق. ويقول إن الجهات المعنية،  جاءت بعدها وأجرت أعمال صيانة وتدعيم للأساسات.

ولا تقتصر الشكاوى من عدم تناسب جودة البناء مع الأسعار على إسكان المستندة. ففي إسكان مدينة الملك عبدالله بن عبد العزيز في الزرقاء، أحد مشاريع المبادرة، قادنا عدي يونس إلى شقته، وأرانا الشقوق في أماكن مختلفة من الشقة. كما قال إن المياه كانت تتسرب إلى شقته من الطابق العلوي. وإضافة إلى ذلك، كان هناك مشاكل في البلاط الذي لم يكن ثابتًا، ويصدر صوتا عند المشي عليه. يؤكد ذلك تيسير البحيري، عضو الهيئة الإدارية في جمعية مدينة الشرق الخيرية، العاملة في الإسكان، الذي يقول إن الرطوبة هي المشكلة الذي يعاني منها معظم السكان، والسبب هو رداءة نوعية مواسير المياه المستخدمة، وتدني حرفية عملية التمديد نفسها، ما أدى إلى انتشار مشكلة تهريب المياه تحت البلاط. وهي مشكلة عانى منها هو شخصيا في شقته، ما اضطره إلى تغيير المواسير جميعها، «واضطريت ألبّس الحيطان الداخلية ببلاط جدران».

وفق البحيري، كان هناك أيضًا في الكثير من الشقق مشاكل في التمديدات الكهربائية، ومن بينها الشقة التي اتخذتها الجمعية مقرًا لها. فقد اكتشفوا أن أسلاك الكهرباء أجريت لها عمليات توصيل، أي أن فني الكهرباء كان يستخدم أكثر من قطعة يصلها ببعضها لتمديد السلك الواحد. وهذا يخالف أبسط إجراءات السلامة العامة، لأنه يرفع احتمالية حدوث تماس كهربائي: «صار وانحرقوا 3 شقق من الإسكان. والدفاع المدني حكوا تماس كهربائي».

ويشير البحيري، في سياق آخر، إلى الشقق غير المباعة في الإسكان، والتي يقول إن جميعها تقريبًا تعرّضت للنهب. فخلعت الأبواب، وفك اللصوص كل ما يمكن أن يُحمل من أدوات صحية، و«أباريز» كهرباء، ومصابيح، ومفاصل أبواب. وقادنا إلى واحدة من هذه الشقق، حيث رأينا أنه تمّ سحب حتى أسلاك الكهرباء النحاسية من الجدران.

يقول أحد المنتفعين من مشروع سكن كريم أن الشقق الفارغة قد تم نهبها

بعد فترة قصيرة من العيش في الشقق، ظهرت، بحسب السكان، العديد من مشاكل التشطيب

ليست  الشكاوى من سوء التنفيذ، هي وحدها ما ألقى بظلاله على شقق المشروع، كان هناك أيضا اتهامات بالفساد طالت أطرافًا عدة من القائمين على تنفيذ المبادرة من مسؤولين حكوميين، على رأسهم سهل المجالي، وزير الأشغال، إبان إطلاق المبادرة. وبسبب ذلك، أحيل، عام 2011، ملف المشروع إلى هيئة مكافحة الفساد التي أدانت المجالي بـ«استثمار الوظيفة» و«الإخلال بواجبات الوظيفة»، و«المساس بالمال العام». لكن لجنة تحقيق نيابية، أوصت عام 2012 بعدم إحالة الملف إلى النائب العام. وهي توصية صوّت النواب تأييدًا لها، وإن كان تقرير هذه اللجنة قد لفت إلى أن المبادرة أُطلقت من دون دراسة حقيقية للإمكانيات المتاحة، ما أدى إلى «التزام الحكومة بالمبادرة من دون توفر الموارد المالية والبشرية اللازمة». وخلص إلى أن المجالي، مع رئيس الوزراء آنذاك، نادر الذهبي، وباقي أعضاء مجلس الوزراء في الحكومة التي زامنت إطلاق المبادرة يتحملون: «مسؤولية أدبية وسياسية، وذلك للتسرع لاتخاذ بعض الإجراءات الإدارية. إلا أن المخالفات لا ترتقي بأي حال من الأحوال إلى مستوى الجريمة التي يعاقب عليها القانون».

هذه الأسباب، وغيرها ساهمت في انفضاض الناس عن شقق المشروع. وبعد الحماس المحموم الذي أعقب الإعلان الملكي، وتمثل في تلقي الحكومة في الشهرين التاليين لإطلاق المبادرة 200 ألف طلب، تنافس أصحابها على 20550 شقة أعلنت الحكومة أنها ستبنيها في المرحلة الأولى، العام 2008، سادت حالة من العزوف، بل وحدثت استنكافات بالجملة من قبل من حصلوا على شقق.

جزء من إسكان المستندة التابع لمشروع سكن كريم جنوب عمّان. تصوير دلال سلامة

دفع ذلك الحكومة إلى تقديم المزيد من التسهيلات، فخفضت في آذار 2010 أسعار الشقق بنسبة 15%. وهو أمر استدعى منها أن تضخ في المبادرة دعمًا إضافيًا قيمته 32 مليون دينار حسبما ذكر تقرير لجنة التحقيق السابق الذكر. كما رفعت نسبة مساهمتها في دعم فوائد القروض، وجمّدت محور توزيع الأراضي والمنح المالية، لتحريك الطلب على الشقق.

لكن التسهيلات الجديدة لم تنجح في حل معضلة التسويق. وفي آب 2014، أي بعد أكثر من ست سنوات على انطلاق المبادرة، كان ما يزال هناك 3155 شقة غير مباعة، بما نسبته 37% من كامل المشروع. في ذلك الشهر، أصدر مجلس الوزراء، كما يقول السلايطة، قراره بمنح «التربية» هذه الشقق، وذلك بطلب من وزير التربية آنذاك، الدكتور محمد الذنيبات، الذي كان وقتها نائبًا لرئيس الوزراء، وهذا: «كنوع من الحوافز» للعاملين في الوزارة.

قرار مجلس الوزراء السابق اشترط على وزارة التربية تسويق الشقق خلال مدة لا تزيد على سنة. يذهب بعدها ما تبقى منها إلى وزارة التنمية لتوزيعها على «الأسر العفيفة»، وإلى مديرية الدرك. لكن الذي حدث، وفق السلايطة هو أن رئاسة الوزراء أصدرت، في شباط 2015، أي بعد ستة أشهر من قرارها الأول، قرارًا بتخصيص 625 شقة لوزارة التنمية. وتركت البقية في عهدة «التربية» التي ستنهي قريبًا إجراءات توزيع الدفعة الأخيرة من الشقق، والبالغة 288 شقة، كما تقدم.

وعن أسعار هذه الشقق، قال السلايطة إن شقة مساحتها 88 مترًا، بيعت بـ12 ألف دينار، وأضيف مبلغ 150 دينار ثمنًا لكل متر زيادة للشقق الأوسع مساحة. وحصل من اشتروا نقدًا على خصم 20 دينارًا على كل متر مربع. وقد ألزم المنتفعون بدفع أربعة دنانير شهريًا لصندوق تكافل، تخصص إيراداته لإعفاء ورثة المنتفع من التسديد في حالة وفاته.

أما بالنسبة لشقق وزارة التنمية، فيقول مساعد الأمين العام لإدارة والتطوير، في وزارة التنمية، المهندس عصام الشريدة، إن الوزارة وزعت على الأسر العفيفة مجانًا 89 شقة من بين الـ625 التي خُصّصت لها، وتقع في محافظات عمان، ومادبا والزرقاء. وكان شرط الانتفاع أن يكون المنتفع من سكان اللواء نفسه الذي تقع فيه الشقق.

حاليًا، يقول الشريدة إن لدى الوزارة توجهًا نحو تسويق قسم من هذه الشقق لموظفيها، لكن ليس بالطريقة التي سوّقت فيها الشقق في مراحل المبادرة الأولى، لأنها ستكون بهذه الطريقة، عالية الكلفة على الموظفين، خصوصًا بعد تقادم البناء، بحسب الشريدة، الذي يلفت إلى مخاطبات تجري بين الوزارة ومؤسسة الإسكان والتطوير الحضري، لمعاملة موظفي «التنمية» معاملة موظفي وزارة التربية والتعليم. أو حتى احتساب الشقة بعشرة آلاف دينار. وهي مخاطبات لم تتلق الوزارة، كما يقول الشريدة، ردًّا عليها بعد.

هذا في وقت يقول المشترون الأوائل، إن هذا التفاوت في أسعار البيع  ليس من العدل،. ويعلق البحيري محتجًا: «ليش؟ مش إنت معك رقم وطني وأنا معي رقم وطني؟ إنت أردني وأنا أردني؟».