فصول من مقاومة يوميّة: كيف تستعيد نساء الأرجنتين السيادة على أجسادهنّ؟ (1)

امرأة ترتدي منديلًا أخضر احتجاجًا على تجريم الإجهاض في القانون خلال مظاهرة في بوينوس آيرس في اليوم العالمي للمرأة 8 آذار 2018. تصوير مانويل كورتينا، جيتي إيمجز.

فصول من مقاومة يوميّة: كيف تستعيد نساء الأرجنتين السيادة على أجسادهنّ؟ (1)

الأربعاء 28 تشرين الثاني 2018

هذا هو الجزء الأول من مقال من جزئين سينشر ثانيهما الأربعاء المقبل.

«هُزمنا الليلة في مجلس الشيوخ ولكنّنا انتصرنا في الشارع». هكذا لخّصت المتظاهرات المحتشدات خارج مقر البرلمان الأرجنتيني في العاصمة بوينس آيرس نتائج التصويت النهائي على مشروع قانون الوقف الطوعي للحمل. في جلسة استمرت اثنتين وعشرين ساعة بدأت صباح 8 آب/أغسطس 2018 وانتهت بعد منتصف الليل، رفض مجلس الشيوخ الأرجنتيني مشروع القانون الذي تقدّمت به الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى الإجهاض القانوني والآمن والمجّاني بتصويت ثمانية وثلاثين عضوًا ضد مشروع القانون وواحد وثلاثين عضوًا لصالحه بينما امتنع سيناتور واحد عن التصويت وتغيّب آخر عن الجلسة.

«من الآن فصاعدًا ستقع مسؤولية كل وفاة أو اعتقال بسبب الإجهاض، على عاتق السلطة التنفيذية وأعضاء مجلس الشيوخ الأربعين الذين امتنعوا عن التصويت أو صوّتوا ضد حقّنا في الحياة وفي الصحة وضد الاعتراف بكرامتنا». ذكرت الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى الإجهاض في بيانٍ نشر على صفحتها الرسمية. «هؤلاء لم يكترثوا بالمنسيات، اللواتي يتعرّضن للخطر أثناء الإجهاض أو اللواتي يعتقلن أو يحكم عليهن بالعيش بسرّية مدى الحياة».

نضالٌ مضنٍ ودامٍ تخوضه النساء الأرجنتينيات ضد السرّية وتجريم الاختيار وضد نخبة سياسية ودينية وقضائيّة مفوّضة بالتحكم بحياة النساء واتّخاذ قراراتهنّ المصيرية نيابة عنهن. يحاول هذا المقال في قسميه رسم أبرز ملامح هذا النضال المتواصل الذي لا يسعى إلى إحداث تغيير قانوني فحسب بل يهدف كذلك إلى تحدّي منظومة قيم الحداثة الاستعمارية المؤسِّسة لضبط ومراقبة أجساد النساء والمختلفات والمتمرّدات. يتناول المقال في قسمه الأوّل الحراك الجماهيري منقطع النظير الذي شاركت فيه قطاعات واسعة من الشعب الأرجنتيني خلال الأشهر الماضية تحت مظلة الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى الإجهاض القانوني والآمن والمجّاني للدفع نحو إلغاء تجريم الإجهاض. أثمر هذا الحراك عن تحويل المطالبة بإلغاء تجريم الإجهاض إلى قضيّة وطنية وخلق حالة من التضامن النسوي العارم في أميركا اللاتينية والعالم. سنتعرّف في هذا القسم إلى مشروع قانون الوقف الطوعي للحمل الذي وصل إلى النقاش البرلماني في مجلس النواب ومن ثم مجلس الشيوخ للمرّة الأولى بعد ستّ محاولات لطرح مشاريع مشابهة من قبل الحملة الوطنية، كان أولها في العام 2007. سنلاحظ في قراءتنا للحراك وخطاباته التي ولدت من رحمه تداخل أسئلة الطّبقة والسّلطة والجندر كما سيتّضح لنا الدور الكبير الذي يؤدّيه «زواج المصلحة» بين الدولة والكنيسة برعاية رأس المال في الحؤول دون ترجمة الانتصار في الشارع إلى انتصار في التشريع. أما في القسم الثاني فسنلقي نظرةً تاريخية على أبرز المحطّات التي مرّ بها النضال النسوي لإلغاء تجريم الإجهاض منذ سبعينيات القرن الماضي والتحوّلات الجذريّة التي طرأت على هذا الحراك. لا يمكن مراجعة هذه المراحل المختلفة بمعزل عن الظرف السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الأرجنتين خاصّة وأنّ الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 19 كانون الأول/ديسمبر 2001 احتجاجًا على آثار السياسات النيوليبرالية الطاحنة ساهمت في إنتاج شكل جديد من النضال النسوي. ساعدت هذه النسوية «الشعبية» على إخراج قضايا العدالة الإنجابية من المؤسسات غير الحكومية إلى الشارع، ومهّدت لإنشاء الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى الإجهاض وتوسيعها لتضم مئات الجمعيات والنقابات والحركات الاجتماعية والشخصيات المدافعة عن حق النساء بالاختيار والرافضة لتدخّلات الكنيسة الكاثوليكية والتيار الإنجيلي الصاعد.

مشروع قانون الوقف الطوعي للحمل

يضمن مشروع القانون لكل امرأة أو شخص قادر على الحمل الحق في اتّخاذ قرار الإجهاض الطوعي، بعد موافقة خطّية وبدون أي إذن قضائي مسبق، خلال الأسابيع الأربعة عشرة الأولى من الحمل ويلزم الخدمات الصحية المختصة بتوفير إجراء إنهاء الحمل بعد فترة أقصاها خمسة أيام على طلب الإجهاض. يتيح مشروع القانون في مادّته الثالثة الإجهاضَ الطوعيَ دون أي تقييد زمني في حال جاء الحمل نتيجة اغتصاب/اعتداء جنسي (وتكفي شهادة المرأة المشفوعة بالقسم أمام الطبيب المختص بأنها تعرضت لاعتداء جنسي) أو في حال تشكيل استمراره خطرًا على حياة المرأة أو صحتها الجسدية أو النفسية أو الاجتماعية أو في حال معاناة الجنين من تشوّه بالغ الخطورة يهدد إمكانية حياته خارج رحم والدته. يكفل مشروع القانون حق جميع النساء والأشخاص القادرين على الحمل في الوصول إلى إجهاض قانوني ومجاني وآمن برعاية أجهزة الصحة الحكومية والعامة كما ينهي بشكل واضح تجريم ممارسة الإجهاض الذي تفرضه المواد 85 و86 و88 من قانون العقوبات الأرجنتيني المعدل في العام 1921، والذي يسمح بالإجهاض في حالتين فقط: إذا كان الحمل ناتجًا عن اغتصاب أو إذا شكّل الحمل خطرًا على حياة المرأة وكان الإجهاض الطريقة الوحيدة لتفادي هذا الخطر.

الفقيرات يمتن لكي يحتفظ الأثرياء بالسر

ولأن قانون العقوبات الحالي يعتبر الإجهاض القصدي جريمة قد تصل عقوبتها القصوى إلى السجن أربع سنوات، تضطر مئات آلاف النساء والفتيات الأرجنتينيات سنويًا إلى ممارسة الإجهاض بالخفاء، إما ذاتيًّا أو في «عيادات» سرّيّة غالبًا ما تفشل في توفير أدنى شروط الأمان وتنتهك كرامة النساء وتهمل صحّتهن النفسية والجسدية.

يصعب الحصول على معطيات دقيقة بخصوص عدد النساء اللواتي يلجأن إلى الإجهاض أو عدد الوفيات الناجمة عن الإجهاض غير الآمن بسبب السرية القسرية التي تكتنف الإجراء غير أن وزارة الصحة الأرجنتينية قدرت أن عدد النساء والفتيات اللواتي توفّين نتيجة الإجهاض غير الآمن بلغ 3040 بين الأعوام 1983 و2016. وتعد النساء والفتيات الفقيرات من سكان الأحياء الشعبية والأرياف أكثر عرضةً لمخاطر الإجهاض غير الآمن بسبب عجزهن عن تأمين تكاليف الإجهاض الآمن الباهظة أو استخدامهن وسائل بدائية للقيام بالإجهاض. وقد رأينا مؤخّرًا مثالًا مأساويًا للوسائل البدائية والطرق غير الآمنة التي تلجأ إليها بعض النساء وذلك في حي بيلغرانو في مدينة سان مارتين. بعد أقل من أسبوع على رفض مجلس الشيوخ مشروع قانون الوقف الطوعي للحمل توفيت إليزابيث (اسم مستعار) نتيجة التهابات قاتلة سببتها محاولة إجهاض فاشلة أجرتها في منزلها بتناول كمية كبيرة من البقدونس.

في أميركا اللاتينية هنالك عقد ضمني أشبه بزواج مصلحة أبرمته الكنيسة مع الدولة ومؤسساتها البرجوازية يتعامل الطرفان بموجبه مع النساء وحقوقهن كورقة تفاوض

«المتضرّرات الأساسيات من تجريم الإجهاض هنّ النساء الفقيرات اللواتي لا يمكنهنّ دفع تكاليف العيادات الخاصة على عكس نساء الطبقة الوسطى» تقول المؤرخة وعالمة الاجتماع النسوية دورا بارانكوس موضحةً البعد الطبقي لتجريم الإجهاض. «تجريم الإجهاض هو بمثابة حكم بالإعدام يفرضه القانون على النساء الفقيرات اللواتي قد يمتن خلال محاولة إجهاض تفتقر إلى شروط السلامة المناسبة». هنالك من يرى أن الأثرياء معنيّون بديمومة تجريم الإجهاض لأنهم مستفيدون من الوضع القائم ولا مصلحة لهم في تغييره.

«يدافع الأثرياء عن عدم قانونية الإجهاض لكي يبقوه في الخفاء ويتجنّبوا العار»، يقول الطبيب الأرجنتيني رينيه فابالورو. «يغضبني أن الفتيات الفقيرات يمتن لكي تتمكن الثريات من الإجهاض خلسةً وأن مصحات الإجهاض تكدّس الثروات من خلال تخليصها النساء الثريات من «العار» بينما تفقد بنات الضواحي الفقيرة حياتهن. لن يرفع الإجهاض القانوني عدد حالات الإجهاض أو ينقصه لكنه بالتأكيد سيقلل من وفيات الأمّهات، أما ما تبقّى فلنتركه للتربية لا للقوانين».

«أخرجوا مسابحكم من مبايضنا»

«تربية جنسية لكي نقرر، ووسائل منع حمل لكي لا نجهض، وإجهاض قانوني لكي لا نموت». هذا هو الشعار الذي حملته أوشحة المتظاهرات الخضراء منذ انطلاق الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى إجهاض قانوني وآمن ومجاني في 28 أيار/مايو 2005 وطيلة الأشهر التسعة الماضية التي صعّدت خلالها النساء نضالهن لتمرير مشروع القانون بموازاة جلسات تداوله في البرلمان. لم تكن هذه المرة الأولى التي تطرح فيها الحملة الوطنية مشروع قانون لإلغاء تجريم الإجهاض، فقد سبقت المشروعَ الذي طُرح في 6 آذار/مارس من هذا العام ستُ محاولات ابتداءً من 28 أيار 2007 ولكن أيًّا من المشاريع السابقة لم يصل إلى مرحلة النقاش في مجلس النوّاب.

أدّى الزخم الشعبي غير المسبوق الذي واكب طرح مشروع القانون هذا العام واتّساع رقعة وتأثير الحراك الاجتماعي النسوي إلى تحويل نقاش إلغاء تجريم الإجهاض إلى قضية وطنية والضغط على النخبة السياسية لوضع القضية تحت المجهر والتعامل معها كأولوية سياسية.

في 8 آذار 2018 أي بعد يومين من تقديم مشروع القانون خرجت أكثر من مليون متظاهرة (ومتظاهر) في مسيرة تاريخية من ساحة البرلمان إلى ساحة مايو في بوينس آيرس في أكبر تظاهرة يشهدها يوم المرأة العالمي في الأرجنتين. هتفت المتظاهرات اللواتي شكّلن سيلًا بشريًا أخضر دعمًا لتشريع الإجهاض ورفضًا لسياسات التقشف التي تطبقها إدارة ماوريسيو ماكري خضوعًا لإملاءات صندوق النقد الدولي ومطالبةً بوقف العنف الذكوري وعنف الشرطة وعسكرة الحيز العام وإنهاء سياسات الدولة العنصرية والاستعمارية ضد بنات وأبناء شعب المابوتشي وإدانةً للتمييز الممنهج ضد السود والمهاجرين الأفارقة.

لم تكن التظاهرة تاريخية من حيث عدد المشاركات والمشاركين فقط، بل كذلك من حيث أفقيّتها والرسائل النسوية التقاطعية التي حملتها وغياب أي قيادة تلقي الخطابات وتوجّه الحراك وتغيّب أو تهمّش الأصوات المتنوّعة التي علت يومها. وكان من الملفت الدور الذي لعبته طالبات المدارس الثانوية بالتنظيم وصياغة الشعارات وتقديم خطاب نسوي جذري وتشجيع أمّهاتهن وجدّاتهن على الانضمام إلى التظاهرة. برزت من بين اللافتات التي رفعتها الطالبات خلال المسيرة: «الثريات يجهضن والفقيرات يمتن»، «لا ورود ولا حلويات، كفّوا عن قتل الفتيات»، «النسوية غيّرت حياتي ولن أدع الذكورية تحرمني إياها»، «من تزرع التمرّد تحصد الحرية»، و«لا أحد يولد ذكوريًّا».

مثّلت تظاهرة الثامن من آذار مقدّمة لحراك قاعدي مكثّف انصب في حشد وتجنيد المزيد من الدعم الشعبي لمشروع القانون والضغط على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ للإصغاء إلى صوت الشارع لا لأوامر الكنيسة الكاثوليكية والتيارات الدينية واليمينية المحافظة. «أخرجوا مسابحكم من مبايضنا» قالت النساء لرجال الدين منادياتٍ باحترام حقّهنّ بالسيادة الكاملة وغير المشروطة على أجسادهنّ ومصائرهنّ ومشاعرهنّ. سيادةٌ ترفض إجبار النّساء على مواصلة حمل غير مرغوب به بالمبدئية ذاتها التي ترفض بها التشكيك بحق النساء الفقيرات في الأمومة أو الدعوات السلطوية لتحديد النسل. «الأمومة خيار وحق وليست فرضًا» قالت ناشطات حركة (#NiUnaMenos) «ولا امرأة أقل» في بيان أصدرنه في 3 حزيران/يونيو 2018 في الذكرى السنوية الثالثة لانطلاق الحركة المناهضة لكافة أشكال العنف والاستغلال والإقصاء ضد النساء والمثليات ومزدوجات الميول الجنسي والمتحولات وعابرات الجنس والأشخاص غير المعياريّين. وأضاف البيان أن النساء لسن آلاتٍ للإنجاب ويحق لهنّ الاستمتاع بالجنس والحب والنشوة دون أن يجبرن على إعادة إنتاج النظام الأبوي والرأسمالي الذي يقمعهنّ ويحدد أدوارهنّ الاجتماعية سلفًا ويفرض آليات ضبط ورقابة على أجسادهنّ وجنسانياتهنّ.

أميركا اللاتينية تتشح بالأخضر

في 14 حزيران/يونيو 2018 صادق مجلس النواب على مشروع قانون الوقف الطوعي للحمل في جلسة ماراثونية شهدها المجلس الأدنى من البرلمان الأرجنتيني ناقش خلالها النواب موضوعًا كان يعتبر قبل زمن ليس ببعيد من المحرّمات. صوّت 129 نائبًا لصالح مشروع القانون و125 ضده بينما احتفلت عشرات آلاف المعتصمات خارج مبنى البرلمان تحت الأمطار الغزيرة وشاركهن الآلاف في كافة أنحاء أميركا اللاتينية والكاريبي ذلك الانتصار، أو «نصف الانتصار» كما قلن.

تشهد معظم حكومات أميركا الجنوبية في السنوات الأخيرة انعطافًا حادًّا نحو اليمين يتمثّل بصعود اليمين الشعبوي المحافظ إلى السّلطة وتغوّل الصناعات الاستخراجية بإشراف الشركات متعددة الجنسية وتسارع وتيرة تطبيق السياسات النيوليبرالية وتشديد حملات الملاحقة والقمع التي تستهدف الحركات الاجتماعية والنسوية والمدافعات والمدافعين البيئيين.

وسط هذا المدّ السلطويّ، برز حراك نساء الأرجنتين أو «ثورة البنات» كما سمّتها الكاتبة لوسيانا بيكر بسبب المشاركة الواسعة لطالبات الثانويات، كتيّار مقاوم وأعاد الأمل للحركات الاجتماعية في أميركا اللاتينية بإمكانيّة خلق حيّز بديل للكفاح وممارسة السياسة من الأسفل.

أجساد النساء أرضًا لمعارك الكنيسة

في قارّة لم يتحرّر سكانها تمامًا من هيمنة الكنيسة الكاثوليكية الاستعمارية وتدخّلاتها الرجعية والمحافظة في حياتهم، هنالك عقد ضمني أشبه بزواج مصلحة أبرمته الكنيسة مع الدولة ومؤسساتها البرجوازية يتعامل الطرفان بموجبه مع النساء وحقوقهن كورقة تفاوض. تعرض الدولة استعدادها لانتهاك حقوق النساء وضبط أجسادهنّ مقابل نيل رضا الكنيسة أو تغاضيها عن بعض سياسات الدولة «المثيرة للجدل». تعتبر الكنيسة أجساد النساء والأجساد المتمرّدة على الغيريّة البحتة ساحة حرب لفرض منظومتها القيمية القمعية والإقصائية وللمحافظة على ما تبقى من رأسمالها الرمزي والاجتماعي. فقدت الكنيسة الكاثوليكية جزءًا كبيرًا من رأسمالها الاجتماعي في أميركا اللاتينية بسبب تواطؤ قيادتها مع الديكتاتوريات العسكرية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وتوفيرها الغطاء الديني والأخلاقي لجرائم الإبادة السياسية والاختفاء القسري واختطاف الرضّع وسياسات الإفقار والاستغلال التي تبنتها الحكومات العسكرية (١). تتجسّد هذه الخسائر في سن قوانين تشرع زواج المثليين في الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا والأوروغواي رغم معارضة الكنيسة الشرسة لها، مما يشير إلى أنّ الكنيسة خسرت جولاتٍ عديدةً في معركتها لتكريس منظومة قيمية محافظة. من هنا وعلى ضوء هذه الخسائر المتعاقبة تأتي أهمية المحافظة على تجريم الإجهاض ومركزيها في «الحرب المقدسة» التي تشنها الكنيسة ضد النساء.

لماذا الدفاع عن تجريم الإجهاض

تؤكّد المعطيات أن تجريم الإجهاض ومهما بلغت صرامته وشدّته لا يؤدّي إلى الحد من الممارسة أو حتّى التقليل منها، مما يعني أن تجريم الإجهاض لن ينقذ «حياة» الجنين كما تزعم التيارات الدينية واليمينية المحافظة. إذن، لمَ كل هذا التعنّت في الإبقاء على تجريم الإجهاض والدفاع عن قانون عقوبات شُرّع قبل حوالي مئة عام؟ لمَ التشبّث بمواد قانونية غير قابلة للتطبيق؟ لماذا أطل البابا فرانسيس، «بابا الفقراء» ووجه الفاتيكان «التقدمي» علينا بعد يومين من تصويت مجلس النواب الأرجنتيني لصالح مشروع قانون إلغاء تجريم الإجهاض ليساوي بين الإجهاض وجرائم التطهير العرقي وتحسين النسل التي ارتكبتها ألمانيا النازية؟ لماذا قادت الحركات الدينية المحافظة في الأرجنتين حملة شعواء من التحريض والتهديد بالقتل والترهيب ضد الناشطات والفنانات والنواب المدافعين عن الحق بالاختيار وضد عائلاتهم، مستمدةً «شرعيّتها» من كلمة البابا؟ تتكوّن الإجابة على هذه الأسئلة من شطرين.

أوّلًا، لأن ذريعة الدفاع عن «حق الجنين في الحياة» التي يستخدمها اليمين الديني لتبرير تجريم الإجهاض ليست إلا غطاءً يحاول السلطويون والمحافظون بواسطته تغليف كراهيتهم للنساء وسعيهم لاختزال دورهنّ بالإنجاب والتكاثر وتربية الأطفال. لو كانت قداسة الحياة وسلامة الأطفال تعني للكنيسة قيد أنملة لما كانت لتتواطأ مع اختطاف العسكر الأرجنتيني الأطفال الرّضّع من أمّهاتهم المعتقلات وتسليمهم إلى عائلات أخرى. لو كانت الكنيسة تكترث بقداسة الحياة لما عارضت محاسبة القادة والضباط المسؤولين عن جرائم «الحرب القذرة»(٢) بحجة حماية الاستقرار والسلم الأهلي والمصالحة. ولو كانت الكنيسة الكاثوليكية وعلى رأسها الفاتيكان مهتمة بسلامة الأطفال لما كانت لتصمت وتتستّر على رجال الدين المتورّطين باعتداءات جنسية ضد الأطفال، خاصة وأن التحرش والاعتداءات الجنسية على الأطفال ليست حدثًا عابرًا في كنائس الروم الكاثوليك.

ذريعة الدفاع عن «حق الجنين في الحياة» التي يستخدمها اليمين الديني لتبرير تجريم الإجهاض ليست إلا غطاءً يحاول السلطويون والمحافظون بواسطته تغليف كراهيتهم للنساء وسعيهم لاختزال دورهنّ بالإنجاب والتكاثر وتربية الأطفال

وثانيًا، لأن اليمين الديني يريد باستماتته في المحافظة على تجريم الإجهاض أن يبعث بالرسالة التالية للنساء: «لا يهمنا إن متّن خلال محاولتكنّ الإجهاض ولا يهمنا أن تفقدن أجنّتكن كذلك، المهم أن تبقين غير معرّفات أو محميّات، المهم أن تبقى أجسادكنّ خاضعة لرقابتنا وأن نجبركن على اللجوء إلى السرية والصمت والظلام لخروجكنّ عن النص المعد لكن. تردن حرية الاختيار؟ حسنًا، فلتدفعن الثمن بحياتكن وبكرامتكن وبألمكنّ. فلتعشن مع الندبة الأبدية التي ستتركها ممارستكنّ الإجهاض في الشوارع الخلفية، وحيداتٍ ونازفاتٍ ومهزومات».

وتلتقي هنا مصلحة السلطة الدينية في إخضاع النساء مع حاجة النظام الرأسمالي للمحافظة على معيارية العائلة كوحدة منتجة ومع وصاية النظام الأبوي على أجساد النساء والفقيرات والملوّنات والأجساد المتمردة. توفر هذه الوصاية ذات الرّؤوس الثلاثة صك «التفويض الذكوري»، كما تسمّيه ريتا سيغاتو في مقدمة كتابها «الحرب على النساء»، نتحدّث هنا عن تفويض مفتوح تُمنح بموجبه أجهزة القمع والهيمنة المختلفة وممثّلوها صلاحية استخدام العنف السافر والمبطن والعشوائي والبنيوي ضد النساء، بما في ذلك العنف الكامن في القوانين والإجراءات السلطوية المصمّمة للضبط ومراقبة الجسد والجنسانية والدور الاجتماعي.

يمكننا التأكّد من متانة هذا العقد طويل الأمد بين الدولة الوطنية والكنيسة في أميركا اللاتينية إذا نظرنا إلى خارطة القارّة التي تكاد العدالة الإنجابية لا تُرى فيها. الدولتان الوحيدتان اللتان تعترفان بالحق في الإجهاض القانوني في أميركا اللاتينية والكاريبي هما كوبا منذ العام 1965 والأوروغواي منذ العام 2012، بالإضافة إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو والتي ألغت تجريم الإجهاض بشكل مستقل عن باقي ولايات المكسيك في العام 2007 وبورتو ريكو وجمهورية غيانا التعاونية الصغيرة. تجرّم معظم دول أميركا اللاتينية والكاريبي الإجهاض إلّا في حالات استثنائية كالاغتصاب وخطر الحمل على حياة الأم فيما تجرّمه قوانين العقوبات في السلفادور وهاييتي والدومينيكان وهندوراس ونيكارغوا بشكل مطلق.

استراحة قصيرة

وفي الأرجنتين نجح التحالف اليميني المحافظ بإسقاط مشروع قانون الوقف الطوعي للحمل هذا العام ولكن يبدو أن الشّارع قال كلمته ولن يقبل العودة إلى الخلف.

«هذه الليلة ليست إلا استراحة قصيرة» قال المخرج الأرجنتيني فرناندو سولاناس (82 عامًا) بعد دقائق من رفض مجلس الشيوخ مشروع القانون. «سيمر القانون فلا أحد يقدر على إيقاف هذه الموجة التي يقودها الجيل الجديد».

شددت المناضلة النسوية نيلي ميلينسكي على هذه الفكرة في المؤتمر الصحفي الذي عقدته الحملة الوطنية للحق في الوصول إلى إجهاض قانوني وآمن ومجاني. «إذا لم يرد أعضاء مجلس الشيوخ دخول التاريخ من أوسع أبوابه فهذه مشكلتهم أما نحن فقد دخلناه. إن لم يمر هذا القانون اليوم فسيمر في السنة القادمة لأننا سنواصل نضالنا».

ليس عزاءً

قد تبدو كلمات سولاناس وميلينسكي أو تأكيد الناشطات والمتظاهرات بأن القانون سيمر عاجلًا أم آجلًا محاولةً للبحث عن عزاء ما بعد الهزيمة ولكن النسويات اللواتي يخضن النضال منذ بدايته يدركن بأن الدعم الشعبي الجارف الذي حققته مطالبهنّ ليس بالأمر البديهي. هناك، خارج مبنى البرلمان، وفي الساحة نفسها التي توافدت إليها عشرات آلاف المتظاهرات عشية التصويت على مشروع القانون، وقفت خمسون امرأةً قبل ثمانية وعشرين عامًا. حاولت الناشطات حينها توزيع مناشير حول الصحة الإنجابية وأهمية التربية الجنسية في المدارس وتحدّثن عن ضرورة خوض نقاش عام حول قانونية الإجهاض. خمسون امرأة تعرّضن لوابل من الشتائم من المارّة ومن مئات الرجال والنساء الذين وصفوهم بقاتلات الأطفال والمخرّبات ومرتكبات الفواحش. لا، هذا ليس مشهدًا متخيّلًا بل صورة موثّقة من يوميات الناشطات النسويات اللواتي تجرّأن على المساس بالمحرمات والحديث عن الإجهاض بشكل علني في بداية تسعينيات القرن الماضي، في وقت كانت تعتبر فيه مجرد المطالبة بالوصول إلى وسائل منع الحمل مثيرة للجدل. لذلك تصرّ المتظاهرات على أنهن انتصرن.

هذا التغيير الجذري في التعامل مع حقوق النساء والعدالة الإنجابية والتعددية الجندرية وفي مساءلة وانتقاد دور الكنيسة وسلطتها الأخلاقية هو انتصار بحد ذاته.

نضال تراكمي

كيف حصل هذا التغيير؟ كيف تحوّلت قضية المطالبة بالعدالة الإنجابية من حملة توعية تقودها بعض نسويات الطبقة الوسطى إلى حراك شعبي يضم النساء العاملات والمزارعات والنقابيات والناشطات في حركات احتلال المصانع وإدارتها ذاتيًا؟ ما هي التحدّيات التي رافقت ولادة هذا الحراك النسوي التقاطعي في العقدين الأخيرين وكيف نجح في استقطاب فئات محافظة اجتماعيًا؟ ما هي التكتيكات التي استخدمتها الكنيسة والتيارات الدينية واليمينية لمكافحة تمرّد النساء وماذا كان دور الحكومة «التقدّمية» بقيادة الرئيسة السابقة كريستينا فرنانديس دي كيرشنر منها؟ ولماذا نجح الأرجنتينيون والأرجنتينيات في تمرير قوانين تقدمية والأولى من نوعها في أميركا اللاتينية كقانون تشريع زواج المثليين وقانون الهوية الجندرية بينما لا يزال الاعتراف القانوني بالحق في الوصول إلى الإجهاض بعيدًا عن متناولهم؟

سنناقش هذه الأسئلة ونحاول الاشتباك مع الإشكاليات التي تطرحها في القسم الثاني من هذا المقال. سنستعرض في القسم الثاني أبرز المحطات التاريخية التي مرّ بها الحراك النسوي المطالب بإلغاء تجريم الإجهاض في الأرجنتين خلال العقود الأربعة الأخيرة، كما سنتعرّض إلى التحوّلات الكبيرة التي طرأت عليه بعد الانتفاضة الجماهيرية في العام 2001 ردًّا على الأزمة الاقتصادية الخانقة. سنركّز كذلك على «النسوية الشعبية» كما عرّفتها الباحثة غراسييلا دي ماركو ودورها في إخراج النضال النسوي من المؤسسات الحقوقية ومكاتب الجمعيات غير الحكومية إلى الشوارع والمصانع ولجان الأحياء والتعاونيات ومساهمتها في خلق وعي نسوي وثوري معاش. تستعين المراجعة التاريخية بكتاب «قصة عصيان» للناشطة والمحاضرة الكويرية مابيل بيلوتشي وكتاب «الإجهاض كحق للنساء» من إعداد روت سوربيغن وكلاوديا أنسورينا، ونسعى من خلالها إلى وضع التظاهرات النسوية الحاشدة التي تشهدها الأرجنتين في الأعوام الأخيرة ضمن سياق التنظيم النسوي التراكمي من جهة، والنضالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الأرجنتين، والتي تحضر النساء المتمرّدات في صلبها، من جهة أخرى.

(Revolución en la plaza, en la casa y en la cama) «ثورة في الميدان وفي البيت وفي السرير» هتفت المتظاهرات خارج مبنى البرلمان في بوينس آيرس. هذا ليس مجرد هتاف حماسي أو شعار يُخطّ على يافطة. إنّه فعل يومي تمارسه الثائرات الأرجنتينيات، وستمكننا المراجعة التاريخية من فهم هذا الفعل وجذوره وآثاره بشكل أعمق وأشمل.

  • الهوامش

    1-ارتكبت الديكتاتورية العسكرية وميليشياتها سلسلةً من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية بين الأعوام 1976 و1983، ويعتبر الأرجنتينيون اختطاف الأطفال الرضّع أبشع تلك الجرائم. اختطاف الأطفال كان ممنهجًا حيث وثّقت مجموعة «جدات ساحة مايو» اختطاف 500 طفل من حديثي الولادة أو ممن ولدوا في معسكرات التركيز أثناء احتجاز أمّهاتهم. سلّم الأطفال المختطفون إلى عائلات مقرّبة من الديكتاتورية في الأرجنتين وخارجها. تمكنت مجموعة جدات ساحة مايو من الكشف عن هوية 128 حفيدًا مختطفًا منذ تأسيسها وإعادتهم إلى عائلاتهم الحقيقي. للمزيد يمكن قراءة مقالة كيري بايستروم وبريندا وِرث: «الأطفال المسروقون وحقوق الهويّة الخطاب: الأرجنتين من 1983-2012». 

    2-  الحرب القذرة، أو «عملية إعادة التنظيم الاجتماعي» هي حملة الإبادة السياسية وإرهاب الدولة التي شنتها الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين بين الأعوام 1976 و1983 واستهدفت بشكل أساسي الفئات المحسوبة على اليسار والتي وصفتها السلطة بالطبقات المخرّبة.

  • random

    أولا شخصنة قضية الإجهاض و تحويلها إلى مجرد “مداقرة” بالكنيسة الكاثوليكية يساهم في جعل هذا المقال مجرد تجسيد آخر للصورة النمطية للنسويات (باعتبارهم يبحثن فقط عن أي انتصار ضد المجتمع الذكوري القذر بغض النظر عن ماهية هذا الانتصار و عن أخلاقية موقف النسويات). استعراض التاريخ المظلم للكنيسة الكاثوليكية في الأرجنتين لا ينفي حقيقة كون الإجهاض هو جريمة قتل. المرأة حرة في جسدها ولكن الجنين هو جسد آخر و روح أخرى لا يحق للمرأة إزهاقها لمجرد رغبتها في ذلك. بدلا من الرد على هذه الحجة (لعدم وجود رد مقنع عليها) اختار المقال الطريق الأسهل و هو مهاجمة من يستخدم هذه الحجة (الكنيسة) من باب “اللي بيقدرش على الحمار بيتشاطر عالبردعة”.
    ثانيا أنصح كاتبة المقال بمراجعة أشمل لتاريخ أمريكا اللاتينية لعلها تقرأ عن قيادة الرهبان و الراهبات في جواتيمالا للمقاومة الشعبية ضد أذناب الإمبريالية الأمريكية أو عن القس أريستيد في هاييتي و غيرهم.
    ثالثا المقال هو تجسيد لروح ال”يسارية” في القرن الحادي و العشرين (أو من يمكن أن يطلق عليهم wanna be lefties). هذه اليسارية حولت اهتمامها من النضال ضد الاستغلال الرأسمالي و مناصرة الشعوب المظلومة إلى قضايا الجندرية و بيئية لا تستند إلى أساس عميق (كما تم التوضيح في بداية المقال بالنسبة لقضية الإجهاض) و كأن ظلم شعوب الجنوب و الاستغلال الرأسمالي انتهيا من هذا العالم. أبرز تجليات هذا اليسار أحزاب الخضر التي تتصدر صفوف المدافعين عن حقوق المثليين (إلى درجة مطالبتهم بأن يشمل مفهوم الأسرة الذي يدرس للأطفال الأسر المكونة من والدين أو والدتين و أطفالهم) وفي نفس الوقت تقف في صف إسرائيل في جرائمها بحق الفلسطينيين (الخطاب الذي يستخدم مفردات الجندرية و يصور الصراع العربي الإسرائيلي على أنه صراع بين مجموعات رجعية ظلامية و بين دولة ليبرالية على الطريقة الغربية ليس استثناء و هو الخطاب الذي تبني عليه هذه المجموعات).
    أخيرا لست بحاجة إلى إظهار تناقض بعض الليبراليين الذين ينتفضون غضبا عند الحكم بالإعدام على مجرم أيا كان و بالمقابل ينتفضون غضبا أيضا ولكن لإعطاء النساء حق إعدام أجنة لم ترتكب جرما.