لاجئون الاردن africa refugees jordan

أفارقة في الأردن: لاجئون من الدرجة الثانية

أفارقة في الأردن: لاجئون من الدرجة الثانية

الأحد 10 كانون الثاني 2016

في حي واحد، قرب الدوار الثاني، بين شارعي البحتري ومعن بن زائدة (أو ما يعرف شعبيًا بحارة الفلبينية)، تجلس أم أيمن الصومالية برفقة ابنة بلدها «أم محمد» على عتبة بيتها المتهالك، يمرّ من أمامهما السوداني عبد القاسم برفقة الكينية جودي متوجهين للبحث عن عمل ليوم أو اثنين، وعلى مقربة منهم  يجلس الأرتيري إدريس في مقهى أثيوبي، قاضيًا بعض الوقت في التحدث مع الموجودين بودٍ وهدوء بعيدًا عن الصراع بين أرتيريا مع جارتها اللدود أثيوبيا، وهو الصراع الذي دفع به للجوء إلى الأردن.

أولئك القادمون إلى الأردن على خلفية نزاعات مختلفة، تجمعهم  بطاقة بلاستيكية ممنوحة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تعطيهم صفة «لاجئ»، قد تحمل معها وطنًا ثالثًا أو مساعدات مادية، أو لا هذا ولا تلك.

أصدرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تقريرًا في عام 2014، تحدثت فيه عن وجود 44 جنسية لجوء في الأردن؛ منها السودانية بمقدار 3000 لاجئ، والصومالية  بنحو 500 شخص، يبلغ عمر نصفهم تقريبًا أقل من 18 عامًا، بحسب التقرير الذي تحدث عن تركيز الاهتمام باللاجئين السوريين، في وقت يجب فيه «عدم نسيان اللاجئين الآخرين في المملكة».

فعلى الجهة الأخرى من التغطية المهتمة بأخبار اللاجئين السوريين والعراقيين في الأردن، يقبع الآلاف من جنسيات أخرى يشكون الإهمال وقلة الدعم أو انعدامه في كثير من الأحيان.

الاعتراف بطالبي اللجوء لا يعني بالضرورة تقديم مساعدات مادية لهم، بحسب مسؤول الاتصال والتواصل في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أحمد الحواري، الذي يوضح الفرق بين حصول الشخص على اعتراف به كـ«لاجئ» وبين حصوله على الدعم المادي.

«الاعتراف بشخص ما كلاجئ يعني مسؤولية المفوضية بحمايته القانونية والسياسية، وبالتوازي مع ذلك يتم دراسة مدى استحقاق طالب اللجوء للدعم المادي»، يقول حواري، موضحًا أن معايير تقديم الدعم المادي للاجئين تراعي «اللاجئ الأكثر احتياجًا، أي من يقع تحت خط الفقر المدقع وليس الفقير فحسب».

يشرح الحواري مسؤوليات المفوضية تجاه اللاجئ، والتي تنقسم لمساعدته في الاندماج المحلي -وهو ما لا يحصل في الأردن كونه دولة مضيفة غير موقّع على اتفاقية اللجوء لعام 1951- والمساعدة في التوطين  لبلد ثالث، وهو الأمر المناط حدوثه بتلك الدول الملتزمة في اتفاقية اللجوء.

تحدد كل دولة «الحصص السنوية» التي تستوعبها لإعادة التوطين، وهي أعداد اللاجئين التي تلتزم بإعادة توطينهم فيها، وتقوم المفوضية بتسجيل اللاجئين لدى تلك الدول بحسب الأعداد، مع تقديم عناية خاصة لأولئك الذين يعانون من ظروف صحية صعبة لتسريع معاملتهم لدى تلك الدول، بينما يبقى القرار وسرعة إنجازه رهنًا بتلك الدولة، بحسب ما يشرح حواري.

لا ينفي حواري قلة الاهتمام باللاجئين غير السوريين في الأردن من قبل «العالم»، متهمًا الإعلام بالدرجة الأولى في تهميش تلك الفئة، بالإضافة للمنظمات الدولية التي تساهم في تقديم المساعدات.

ما هي خيارات لاجئة صومالية لديها ابن متوحد؟

تعيش سعدية محمود حسني في عمّان منذ تسعة أعوام، قادمة من مقديشو برفقة ابنها الأكبر أيمن هربًا من عنف دائر في بلدها أفقدها أمها وابنها، بينما قضت المجاعة على شقيقتها، تاركة ورائها ابنتين هناك وباقي عائلتها، لتبقى وحدها في الأردن رفقة ثلاثة أبناء أحدهم مصاب بالتوحد.

حصلت أم أيمن على صفة اللجوء من المفوضية في 2008، ما ضمن لها مساعدات شهرية مستمرة منذ ذلك الحين مقدارها 195 دينارًا،  تدفع منها شهريا 120  دينارًا إيجارًا للبيت المكوّن من غرفتين، تعجّ كلاهما بأثاث مهترئ، بعضه التقطته من القمامة وبعضه الآخر من الجيران، إلى جانب ما كانت  تقدمه المفوضية من مساعدات «قليلة» في مجالات الصحة والتعليم.

تتعدد هموم أم أيمن في الأردن، فابنها أيمن ذو السنوات العشر لا يذهب إلى المدرسة منذ ثلاثة أعوام، إثر تعرّضه لاعتداءات عدة في المدرسة الحكومية المجاورة. لجأت الوالدة للمفوضية طالبة المساعدة في قضية ابنها، فحصلت على «النصيحة» بعدم إرساله على تلك المدرسة مجددًا، دون مساعدتها بإيجاد البديل، ليصبح مجموع ما درسه أيمن منذ كان في السادسة في عمره هو سبعة شهور.

يوّضح الحواري أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونسف» هي المسؤولة عن معظم قضايا التعليم للاجئين في الأردن، بما يخصّ الرسوم المدرسية أو الكتب وغيرها، وذلك بالشراكة مع المفوضية.

رغبة أيمن في إتمام دراسته والتي عبّر عنها لحبر بكلمات قليلة قبل أن ينفجر باكيًا، قد تكون أقل هموم والدته، وهي تعيش خوفًا كل لحظة على ابنها الثاني الفاقد لإدراك الخطر بسبب توحده. حيث لم يتوقف حسن ذو الأعوام السبعة عن الحركة والصراخ طوال اللقاء مع والدته، مرّة يحاول الخروج للشارع  وأخرى العبث بالأثاث، ما يُشكل سببًا إضافيا للوالدة يمنعها من العمل، إضافة إلى كون عملها مخالفًا لقانون العمل الأردني الذي يضع عوائق أمام عمل اللاجئين في الأردن.

«حتى لو رحت أشتغل مخالف في التنظيف، أو لو طلعت أشحد، ممكن حسن يطلع عالشارع ويضيع، أكثر من مرة أنا جبته من مخفر زهران بعد ما يمسكوه الشرطة ضايع، روحي اسألي عننا، معروفين أنا وحسن هناك»، تقول الأم.

حالة حسن لم تكن عائقًا أمام والدته عن العمل فحسب، بل كانت سببًا في تغيير العائلة للعديد من المنازل؛ كون الطفل يقوم بتخريب بعض القطع، بالإضافة للصراخ طوال الليل، ما يدفع المؤجر إلى مطالبتهم بالمغادرة. كما لم تنجح محاولة الوالدة في تخفيف قيمة إيجار المنزل عبر السماح لفتاة صومالية بالسكن معهم مقابل تقاسم الإيجار؛ مجددًا كانت إعاقة حسن السبب، حيث رحلت الفتاة بعد أن قام بتخريب أوراقها الثبوتية وممتلكاتها.

أما حسين، الفتى الهادئ عكس توأمه، فيجلس منتظرًا مدرسة حكومية تتسع له ليلتحق بأبناء جيله الذين بلغوا الصف الثاني الآن، لعدم وجود متسع له في المدرسة الحكومية القريبة لهم، ولكون المدارس الأبعد تتطلب أجور نقل ومواصلات، وهو الأمر الذي لا تستطيع العائلة توفيره لقلة الدعم المادي.

تعتقد أم أيمن أن الحلّ الوحيد لها ولعائلتها هو إعادة التوطين في بلد ثالث، تتمكن فيه من العمل والبحث عن حياة أفضل، إلا أن هذا الباب أغلق أمامها إثر تلقيها رفضًا لطلبها في إعادة التوطين عام 2009 من قبل الدولة التي طلبت التوطين فيها، اعتصمت على إثره أمام المفوضية، لينتهي بها المطاف في المركز الأمني موقّعة على تعهد بقيمة 10 ألاف دينار بعدم الاحتجاج ثانيةً، بحسب ما أكدت لحبر.

يؤكد حواري على حق السلطات الأردنية في تنفيذ قوانينها فيما يتعلق بالاعتصامات، ومسؤولية الدول  الملزمة بإعادة التوطين بحسب إتفاقية جنيف 1951 عن رفض وقبول اللاجئين.

موانع النوم لتلك السيدة كثيرة، أبرزها حسن الذي تخشى عليه أثناء نومها من مغادرة المنزل، فتعاونت الجارات معها في تحمل مسؤوليته لساعتين يوميًا كي تتمكن هي من النوم.

تحلم أم أيمن بمن يساعدها في ثمن تذاكر سفر لتعود للصومال كحلٍ آخير، «بالصومال ما في أمان، بس برجع على بلدي بدل ما أزت حالي هون».

 

كيف يعيش لاجئ عشريني  ممنوع من العمل ولا يتلقى دعمًا ماديًا؟

الشاب عبد القاسم خليل (29 عامًا) من إقليم دارفور، تُختصر أوراقه الثبوتية بجنسيته السودانية وبطاقة الاعتراف به كلاجئ، وشهادة الثانوية العامة التي لا تفيده بشيء حاليًا، في ظل انعدام فرص العمل أو التعليم في الأردن.

جاء عبد القاسم إلى الأردن عام 2013، بعد أن قضى عشر سنوات في معسكر مغلق في إقليم دارفور، مستكملًا رحلة اللجوء التي بدأها بالنزوح الداخلي من قريته بسبب أعمال القتل والحرق الذي قامت بها ميليشيا الجنجويد، ما اضطرّهم  للتوجه لمخيمات أقامتها المنظمات الدولية، ليعيش في معسكرات يصفها بـ«السجون الكبيرة» منذ 2003 وحتى العام 2013.

خلال تلك السنوات، تطوع عبد القاسم في تدريس الأطفال، لكن هجومًا من قبل ميليشات الجنجويد على المعسكر -على مرأى القوات الحكومية والاتحاد الإفريقي- غيّر من قراره: «حصل قتل وحرق واغتصاب وكانوا الحكومة والاتحاد الافريقي شايفين لكن لا أحد يحمينا، فنزحنا للميادين العامة في المدينة وبعدها ناس رجعت على المعسكر بس أنا قررت أسافر».

اختار عبد القاسم الأردن أملًا في الحصول على مساعدة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حيث قدِم بالطائرة معتقدًا بأن إعادة توطينه في بلد ثالث ستكون سريعة، وأن إقامته في الأردن عابرة.

الاعتراف به كلاجئ كان بعد عام من قدومه إلى الأردن، أي في 2014، لكن ذلك لم يعنِ استحقاقه للدعم، حيث زارته لجنة من المفوضية بداية 2015 لرؤية منزله وتقييم الحالة، وبعد إجابته بالنفي حول سؤال حصوله على دعم آخر من أي جهة أخرى، جاء قرار المفوضية بعدم استحقاقه للمساعدة، قبل أن يطعن بالقرار ويتلقى وعودًا بإعادة النظر في وضعه، هذا كان قبل ستة شهور، وإلى الآن لم يحصل شيء في هذا المجال.

يشرح الحواري بأن اللاجئين عمومًا بحاجة  للمساعدة المادية، لكن المفوضية خلال تقديمها للمعونات المادية تبحث «عن الأشد حاجة للدعم»  لخلق التوازن بين اللاجئين، وذلك عبر اتباع «معادلة رياضية» تراعي جميع احتياجات اللاجئ للعيش.

يعيش عبد القاسم برفقة ستة من الشبان السودانيين في منزل قرب الدوّار الثاني، حيث يتقاسمون جميعهم الأجرة البالغة 180 دينارًا، لكن ترحيل الحكومة الأردنية 800 لاجئ سوداني لبلادهم في شهر كانون الأول الماضي غيّر من حساباتهم، إذ تم تسفير خمسة من الشبان الذين كانوا يعيشون برفقته، فبقي هو وصديقه عاجزيْن عن دفع الأجرة وحدهما، ليضطرّا للبحث عن سكن آخر يقدران على دفع إيجاره.

«السؤال الذي يتبادر بذهن اللاجئ، أن المكتوب على بطاقة اللجوء (حامل الوثيقة غير مسموح له بالعمل)، إذا ما في دعم مادي ماذا يفعل؟ ينجبر أن يخالف القانون». يقول عبد القاسم في مستهل روايته لمغامراته في الهرب من فرق التفتيش التابعة لوزارة العمل كلما وجد عملًا. حيث يعيش في خوف دائم من فرق التفتيش، إضافة إلى كون العمل في معظم الوقت غير منتظم، فقد يعمل يومًا، ويتوقف عن العمل أسابيع.

وتنص وثيقة المفوضية السامية على أنها «لا تخوّل حاملها الحصول على تصريح عمل أو إقامة في الأردن، وأن إصدار تصاريح العمل والإقامة يقع ضمن سلطة الحكومة الأردنية»، إلا أنّ عبد القاسم يؤكد «استحالة» حصولهم على تصاريح، بالإضافة لمعيقات عدة يواجهونا لاستكمال شروط الحصول على عمل.

من جهته يوضح أمين عام وزارة العمل حمادة أبو نجمة عدم وجود أي نصوص قانونية تمنع عمل اللاجئين، لكن القانون يحدد ما هي المهن المسموح العمل بها لغير الأردنيين ضمن شروط محددة، ويتم منح تصاريح العمل على أساسها «دون أن تشكّل الجنسية أو اعتراف اللجوء فرقًا». وتتراوح رسوم تصاريح العمل بين 180-700 دينار بحسب المهنة المُقدم لها، بحسب أبو نجمة.

يذكر عبد القاسم عمله مرّة في أحد مشاريع البناء، حيث جاءت «شرطة الوافدين»، وهرب العاملون وهم في معظمهم من الجنسية المصرية والسودانية، فتوجه هو برفقة آخرين للسلم الخارجي الذي لا يزال تحت البناء، ونزلوا من الطابق الثالث باستخدام السقّالات. «والله يومها كنا عايشين خوف كثير».

مجمل الدعم الذي تلقّاه عبد القاسم إلى الآن 75 دينارًا لمرة واحدة في كانون أول 2015 كمساعدة من المفوضية للاجئين في فصل الشتاء، «أنا تحت مظلة المفوضية، لازم يكون في مساعدة منظمة شهريًا حتى ما أكون عبء على الدولة المستضيفة وأخالف القانون، كثير سودانيين بعرفهم انسجنوا لأنه خالفوا القانون وبعدين جهات من المفوضية طلعتهم».

أما الرعاية الصحية، فيصفها عبد القاسم بأنها «رعاية صورية» بحسب تجربته، فعندما شعر بأمراض في المعدة، حيث ذهب للمركز الصحي طلبًا للعلاج، ليتفاجأ بأدوية مسكنة تُعطى له بدون فحص طبي من أي جهة، «حكولي إذا ما طبت ارجع، وطبعًا ما طبت ورجعت برضه أعطوني مسكنات، كل الي بروحوا بعطوهم مسكنات وما بعرفوا شو المرض».

من جهته، أكد الحواري أن المفوضية تتشارك مع جمعية العون الصحي في تقديم الرعاية الطبية للاجئين، والتي وصلت في العام الماضي لنحو 30 مليون دولار لمختلف الجنسيات.

يرغب عبد القاسم بإعادة التوطين في دولة ثالثة كي يستقر ويتابع حياته العلمية والمهنية، إلا أن طلبه لإعادة التوطين ما زال تحت الدراسة بحسب ما أوضحت المفوضية له سابقًا.

أما سيناريو العودة للسودان فيراه عبد القاسم ممكّنا في حالة واحدة: «على السودان ممكن أرجع بطريقة وحدة، زي ما صار» قاصدًا قرار التسفير الحكومي، كونه رافضًا تمامًا لعودته الطوعية إلى هناك: «ممكن انقتل أو اعتقل وكل إشي وارد، المشاكل هناك معقدة لا يمكن وصفها لكن ما يحصل شيء عرقي ونحن الضحايا».

 

تعقيدات اللجوء والعمل في المنازل معًا

كانت الكينية جودي كامي في زيارة لمنزل صديقتها عندما هاجم مسلّحون عائلتها وقتلوهم جميعًا، وعندما عادت إلى المنزل فوجئت بمشهد عائلتها المقتولين، فهربت، دون أن تعرف شيئًا سوى أن ذلك حصل لنزاع حصل بين مسلحين كَنَسيّين، كان والدها جزءا منه بسبب خلاف على النقود.

هربت جودي في نفس اليوم إلى بيت صديقتها خوفًا من أن تتلقى المصير ذاته، وساعدتها صديقتها في العثور على وسيط يحضرها للأردن بهدف العمل، وفعلًا تم ذلك عام 2014 حيث عملت كخادمة في منزل كبير تقوم بجميع أعماله، لكن ذلك قد يكون هينًا إذا ما قورن بالاعتداء الجنسي الذي تعرضت له من قبل سيدة المنزل. تقول جودي أنها حاولت ثنيْ السيدة عن الاعتداء عليها مذكرةً إياها بحرمته دينيًا، لكن الأخيرة لم تستجب، ما اضطرّها للاتصال مع وسيطها طالبة الانتقال لمنزل آخر، لكنه رفض لوجود عقد مع صاحب المنزل الذي بات كفيلًا.

بعد ثلاثة أشهر ونصف هربت جودي من المنزل، ووجدت فتيات كينيّات يؤوينها حاليًا كمساعدة لها لحين تصويب وضعها، وهي على علم بأنها مهددة بإلقاء القبض عليها وترحيلها لكينيا لمخالفتها عقد العمل مع كفيلها حسب تعليمات استقدام عاملات المنازل. حاولت الشابة الكينيّة إنهاء الخلاف مع الكفيل حتى تتمكن من البحث عن عمل آخر دون مخالفة القانون، لكن وسيطها أخبرها بأن الكفيل يطلب 1000 دينار، وهو المبلغ الذي لا تملك منه شيئًا، ما استدعاها للتسجيل في المفوضية أملًا في الحصول على الحماية.

حصلت جودي على الاعتراف بها كلاجئة، ما يعني بالنسبة لها توفير الحماية من العودة لكينيا، لكن ذلك الاعتراف لم يحمل معه أيضًا أي أشكال الدعم المادي أو إعادة التوطين أو غيره، فلا تزال تعيش بمساعدة صديقاتها في المأكل والمشرب والسكن. «كما رأيتم هناك مشاكل بين المفوضية واللاجئين السودانيين، لذا هم لديهم مشاكل في الأردن ولا يستطيعون مساعدتي».

جودي التي لا تجيد العربية،ترغب في الذهاب إلى أي مكان خارج الأردن، «لا يوجد لدي أي خطة، لا عمل، ولا نقود، كفيلي مشكلة، بلدي مشكلة، المفوضية لا تعطيني أي شي، لذا لا يوجد لدي أي رؤيا».

 

رحلة اللجوء مرتين

بلغة عربية صعبة الفهم، تحدّثنا السيدة الصومالية، ذات الثلاثين عامًا هُدان الشيخ، عن قصة لجوءها للأردن، بعد رحلة لجوء من مقديشو لليمن فعمان.

رحلت هدان عام 1997 من مقديشو لليمن بعد مقتل عائلتها في الصومال، فخرجت وحدها وهي في الخامسة عشر من عمرها مع جيرانها الذين هربوا، وعبر الساحل ومضيق باب المندب وصلت اليمن بعد رحلة بحرية استغرفت أربعة أيام، حيث تزوجت من رجل صومالي وأنجبت ابنها محمد في 2002، والذي تظهر تقاريره الطبية مرضه بالضمور العقلي، ثم أنجبت مهدي عام 2004.

عاشت هدان في اليمن لمدة 15 عامًا، عملت خلالها بالتنظيف لتوفير الطعام والشراب، بالرغم من أنها كانت حاصلة على صفة لاجئة في اليمن، في الوقت الذي يحمل به ولداها محمد ومهدي الجنسية اليمنية.

بعد أحداث العنف في 2013، التي صاحبت الثورة اليمنية، قدمت هدان لعمان، لتحصل وأبنائها على 160 دينارًا شهريًا، تدفع منه 90 دينار إيجار منزل رفضت زيارتنا له كي لا ينزعج جيرانها.الإيجار يبلغ 120 دينارًا، لكنها وجدت فتاة تشاركها السكن مقابل 30 دينار شهريا.

إعاقة محمد لا يوجد لها علاج بحسب ما تؤكد والدته، بينما يلتزم أخوه مهدي ابن الصف الخامس بدراسته في إحدى المدارس الحكومية بجبل عمّان، لكنه لا يفلت من بعض الاعتداءات من قبل «العيال» بعد انتهاء الدوام، مختصرًا التعريف عن نفسه بجملة واحدة قالها لحبر: «عمري 12 سنة، بدرس بصف خامس بالعبدلية، وبس أروح بضربوني العيال وبعدين برجع عالبيت وبس»، تلك الاعتداءات تعزوه والدته لأصله «الصومالي».

لم تتلقَ هدان إلى الآن رفضًا أو موافقةً لإعادة توطينها بالخارج، لكنها تنتظر ذلك بشدة بالأخص أنها ترفض العودة للصومال، «أنا تعبت جدًا، ولا أعود للصومال، الحياة هناك مش تمام، والموضوع كبير جدًا».

 

الأريتيريون يسألون عن «العدل» في مساعدات المفوضية

«إحنا من أقدم اللاجئين، إحنا من شقينا البحر». هكذا يصف اللاجئ الأرتيري إدريس إدريس تاريخ حركة اللجوء الأرتيرية لكل دول العالم، وبهذا يرى حقهم في الحصول على الأقل على دعم أسوة بغيرهم من اللاجئين في الأردن أو العثور على حلول جذرية كإعادة التوطين في الخارج.

قد لا يتحدث الأرتيريون طويلًا عن قصص لجوئهم وأسبابها، نظرًا لقدم بعضها وتعقيده، لكنهم يركزون في رواياتهم على سوء أوضاعهم المعيشيّة، متهمين المفوضية بممارسة «التمييز» ضدهم، بحسب ما قال بعضهم لحبر.

وفي منزل اللاجئ الأرتيري تسقاي بايري في وسط شارع البحتري، اجتمع إدريس وتسقاي وأبنائه يتحدثون عن حياتهم في الأردن، يسألون عن تأخر النظر في ملفاتهم بإعادة التوطين في الخارج، «هناك إعادة توطين لكل اللاجئين، لكن نحن الأرتيريين لأ، مع أنه الأرتيري معروف في الخارج وما عليه مشاكل، من الستينيات ونحن لاجئين». يقول إدريس.

لجأ إدريس عندما كان طفلاً مع عائلته للسودان، حصل خلالها على صفة لاجئ، إلا أن «الخطورات السياسية والأمنية» دفعته للمجيء وحده للأردن طلبًا للعلاج كونها «الأقرب والأسهل ماديًا»، بحسب ما قال لحبر، ثم في الأردن نال على اعتراف به كلاجئ للمرة الثانية.

أما تسقاي، فدخل الأردن عام 2013 قادمًا من العراق التي لجأ إليها من أرتيريا، وعاش عدة سنوات بحال «أفضل» من التي يعيشها حاليًا في الأردن، لكن الحرب العراقية والتي قُتل فيها ابنه يوسف دفعته للقدوم للأردن كغيره من العراقيين الذين لجؤوا.

وبالرغم من اعتراف المفوضية بكلّ من تسقاي وإدريس كلاجئين، إلاّ أنهما لا يتلقيان أي دعم مادي منها.

يقدّر تسقاي الديون المترتبة عليه منذ قدومه الأردن بـ 1500 دينار، بينما لجأ إدريس إلى مخالفة قانون العمل الأردني  لغياب الدعم المادي، إذ عمل بـ«أشغال هامشية» أدت به للسجن عام 2014 بعد إلقاء «شرطة الوافدين» القبض عليه.

بعد تدخل المفوضية لإخراج إدريس من السجن، وتوقيعه على تعهد بعدم العمل في الأردن وإلا فقد يواجه خطر التسفير، يعود إدريس «للعمل الهامشي» كحل بديهي في ظل انقطاع الدعم المادي نهائيًا، «شو أعمل يعني؟. أسرق؟ أكيد رح أرجع أشتغل».

أما تسقاي فلم يكن بعيدًا عن تجربة الهرب من «شرطة الوافدين»، وهو الذي يعمل على «عرباية» تنقل الخضار في وسط البلد، لكن مطاردات فرق التفتيش على العمالة الوافدة في الفترة الماضية أغلقت مكان رزقهم، «قبل أسبوع كل العرب اللي كانوا عن الحسيني هربوا والشرطة سكرت الموقع».

يوضح إدريس أن المفوضية جاءت لزيارتهم مرتين أو ثلاث، كانت نتيجتها رفض تقديم مساعدات لهم، تحت حجة تلقيهم لمساعدات من جهات أخرى، «ماذا نتلقى مساعدات من منظمات أخرى؟ بطّانية؟ لكن ماذا بخصوص الدعم الشتوي الذي أقرته لكل اللاجئين بالأردن إلا الأرتيري؟ التمييز واضح».

يخشى تسقاي من الاحتجاج أمام المفوضية. «إذا اعتصمنا شفتوا شو عملوا مع السودانيين، إحنا بس بدنا إعادة توطين في الخارج»، كما يطالب إدريس بإحقاق «العدل» في التعامل مع اللاجئين من قبل المفوضية، «الأردن كمان دولة ما بتتحمل، مشكلتنا مش معها، مشكلتنا مع المفوضية، لازم يكونوا عادلين، اللاجئ لاجئ بالقانون، كان عربي أو إفريقي أو غيره».

 

من مقديشو لجيبوتي فصنعاء ثم عمّان، وحلم التوطين في أمريكا

«السوريين والعراقيين مش أحسن مننا، كل جيرانا سوريين أولادهم إذا مرضوا في عناية فيهم بالمستشفيات بس إحنا إذا رحنا يحكولنا الصوماليين لا لا.. وإحنا لاجئين زيهم». تقول عائشة اللاجئة الصومالية، والتي مرّت رحلة لجوءها بعدة مراحل، حيث قدمت إلى الأردن في 2012 من اليمن، التي لجأت لها من الصومال عام 1997 مرورًا بجيبوتي، بعد مقتل والدها في مقديشو وتفرّق عائلتها، فلجأت وحدها إلى صنعاء، حيث تزوجت وعملت كممرضة وأنجبت ابنتيها، ومات زوجها.

لم تحصل عائشة على الاعتراف بها كلاجئة في اليمن، لكنها حصلت عليه في عمان عام 2013، عندما  جاءت بهدف علاج ابنتها رويدا المريضة بوجود فتحة قلبية، ثم تمكنت من إدخال الفتاتين للمدرسة على نفقة المفوضية، التي تكفلت أيضا بعلاج الفتاة بالمستشفى الطلياني دوائيا حتى تحسنت حالتها، قبل أن تعود للانتكاس بسبب إصابتها بالربو.

لمست عائشة تغييرًا على حال اللاجئين الصوماليين بعد وفود السوريين للأردن، فعلاج ابنتها الذي كان متوفرًا في السابق تراجع بعد اللجوء السوري. تذكر الأم ليلة ارتفاع حرارة رويدا حتى وصلت للأربعين، عندما توجهت للمركز الطبي ففوجئت بقولهم «المفوضية مش سامحة بعلاج الصوماليين حاليًا»، دون أن تعرف عائشة بشكل رسمي السبب وراء ذلك الرفض، لكنها تعزو ذلك لقدوم اللاجئين السوريين.

ينفي الحواري ممارسة المفوضية لأي تمييز بحق اللاجئين على أساس الجنسية، مشيرًا إلى أن اللاجئين من أبناء الجنسية السورية هم الأقل حصولًا على دعم من المفوضية السامية، كونهم يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي، ومساعدات الحكومة الأردنية فيما يتعلق بالتعليم، «ما يعني أن المساعدات المالية التي يحصل عليها اللاجئون الآخرون من المفوضية أعلى مما يحصل عليه أبناء الجنسية السورية».

تحلم ابنتا عائشة بالذهاب لأمريكا باعتباره بلدا جميلًا يوفر لهم مستقبلًا أفضل، انتقل لهن هذا الشعور عبر الهاتف من تجربة صديقاتهن الصوماليات اللواتي سبقنهن لأمريكا، واللواتي أخبرنهن عمّا رأينه هناك من «شناتي ومدارس جميلة وألوان»، فبتن يحلمن بالحصول على الموافقة التي لم تصل لغاية الآن من المفوضية بإعادة التوطين، فيما تشاركهم عائشة حلمهم للبحث عن حياة أفضل، رافضة مطلقا العودة للصومال لانعدام الأمان فيها.

 

هذه عينة من اللاجئين الأفارقة الذين قابلتهم حبر، وتلخّص هذه العيّنة العديد من الإشكاليات التي يتعرض لها اللاجئون في الأردن، سواء تلك المتعلقة بقلة المساعدات المادية أو انعدامها، بالإضافة للنظرة التمييزية اتجاهم من قبل بعض فئات المجتمع على أساس العِرق، كل هذا في ظل عدم وضوح ما يحمل المستقبل لهم، فهم يرفضون العودة للبلاد التي هربوا من الموت فيها، ولا مواعيد مؤكدة لتوطينهم في دول ثالثة غير الأردن.

*ساعدت في إجراء المقابلات لميس عسّاف