العائلة التي فقدت أبناءها في البحر الميت لتنقذ أبناء الآخرين

من اليمين إلى اليسار: المصابان وائل وعمر العلي، وشقيقاهما ياسر وعوض اللذين توفيا أثناء محاولة الإخوة الأربعة إنقاذ الأطفال في حادثة البحر الميت الشهر الماضي.

العائلة التي فقدت أبناءها في البحر الميت لتنقذ أبناء الآخرين

الأحد 11 تشرين الثاني 2018

عندما وقعت فاجعة سيول البحر الميت، كانت عائلة العلي في رحلة في المكان. 33 فردًا بين رجال ونساء وأطفال، هم محمد العلي، أبناؤه الخمسة، وزوجاتهم وأبناؤهم. وصلوا الساعة 11:30 صباحًا، قبل فيضان السيل بثلاث ساعات تقريبًا. نزلوا على حد السيل، أنزلوا ذبيحةً وعدّة الشواء. وانهمك الكبار في تجهيز الذبيحة، في حين ذهب الأطفال والشباب للسباحة في بركة أعلى السيل. كانت هذه رحلة قاموا بمثلها إلى المكان ذاته عدة مرات خلال السنوات الماضية. ولم يكن في ذلك اليوم ما يشي بأنه سيكون استثناء. كانت النشرات الجوية قد حذرت من تشكل سيول في المنطقة، لكنهم لم يعلموا بها. يقول محمد إن الجو كان حارًا، تحول بعدها إلى مغبر، ثم نزل مطر، لكنه كان «خفيف، بس كسر الغبرة».

قرابة الساعة 2:30، سمعت العائلة من مكان مرتفع عن السيل صوتًا يصيح «السيل السيل. اطلعوا فوق، اطلعوا فوق». كان هذا رائد، أحد أبناء محمد، الذي كان يسبح مع أبناء أخوته في البركة أعلى السيل، ويقول إنه انتبه معهم إلى صوت هدير مياه قادم من بعيد، ورأى المياه نفسها تندفع بسرعة هائلة. ترك الجميع ما بأيديهم وصعدوا إلى المرتفع. وبعدها بأقل من خمس دقائق، اندفعت مياه السيل إلى المكان الذي كانوا يجلسون فيه، وجرفت الأواني وجرار الغاز والبُسُط. وانتبهوا بهلع إلى أن المياه الطينية التي كانت تندفع بسرعة هائلة محملة بالصخور، كانت تجرف معها أطفالًا، هم تلامذة مدرسة فيكتوريا الذين عندما وصلت العائلة إلى المكان، كانت حافلتهم الفارغة متوقفة على المرتفع، وصفّ أبناء العائلة سياراتهم إلى جانبها.

إلى هنا، كان يمكن لأبناء عائلة العلي أن يكونوا مجرد شهود على المأساة. لكن، حدث بعدها ما جعلهم أطرافًا في الفاجعة، عندما قرر رجال العائلة النزول لإنقاذ الأطفال. هذه المبادرة انتهت بوفاة الأخوين ياسر (43 سنة) وعوض (35 سنة)، وإصابات بليغة لشقيقيهما عمر (44 سنة) ووائل (39 سنة)، اللذين يرقدان الآن في مستشفى البشير. أصيب وائل بكسور في الصدر، وظل لأسابيع لا يعلم بوفاة شقيقيه، إذ أخبرته العائلة أنهما في العناية المركزة، قبل أن تخبره بالحقيقة صباح اليوم. أما وضع عمر فهو الأسوأ. تقول زوجته إنه ما يزال في غيبوبة في قسم العناية المركزة. رئتاه متضررتان بشدة من امتلائهما بالماء والطين، وقد فتح له الأطباء فتحه في العنق ليستطيع التنفس، وهو يعيش الآن على آلة التنفس الصناعي.

إلى اليمين: محمد العلي (يمين وسط) يجلس في بيته في القويسمة مع ابنه رائد (يسار وسط)، وحفيداه حسام (يمين) وقصي (يسار). إلى اليسار: وحيدة، زوجة عمر، وسميرة، زوجة وائل، وهيام، زوجة عوض، وحمدة، زوجة ياسر (من اليمين إلى اليسار) وبعض أبنائهن في بيت حماهن. تصوير دلال سلامة.

يقول محمد إن ابنيه وائل وعمر كانا يجيدان السباحة، لهذا دخلا الماء، وبدآ بسحب الأطفال في حين وقف عوض وياسر، على طرف السيل يتناولونهم. «اللي بسبحوا صاروا يناولوا للي ما بسبحوا». تمكن الاثنان من سحب أربعة أطفال وشابة. لكن موجة هائلة أعلى من الأولى اندفعت وسحبت معها، ليس فقط عمر ووائل اللذين كانا في الماء، بل جرفت أيضًا من كانوا على طرف السيل، وهم عوض وياسر، والأطفال الأربعة والشابة، الذين كانوا بعيدين من الماء قرابة المتر، وهي مسافة يقول ابن ياسر، حسام (22 سنة) إن الجميع كان يعتقد أنها مسافة آمنة. «ما قدروا يوقفوا بالمي، خلص، ظلّت ساحبيتهم. نزلوا قدامي. نزل أبوي قدامي». يكمل حسام أن الشباب اندفعوا إلى الماء وتمكنوا من سحب عمر. في حين ظل وائل محصورًا بين صخرتين أكثر من ساعتين، قبل أن يخرجه رجال الدفاع المدني.

بحلول الظلام كان مصير ثلاثة من الأشقاء قد انجلى: وفاة ياسر، الذي عثروا على جثته بعد أربع ساعات، وإصابات بليغة لعمر ووائل. لكن مصير عوض ظل مجهولًا. بقيت العائلة في المكان إلى الثانية بعد منتصف الليل، كما يقول محمد، ثم غادروا وعادوا فجرًا مع 15 رجلًا من أقاربهم، ساعدوا رجال الدفاع المدني في البحث عن عوض، الذي عثروا على جثته عصر الجمعة. «أولادي أربعة؛ اثنين ماتوا، واثنين تحت لطف الله».

تقول أرملة ياسر، التي كانت وقت إجراء اللقاء مع زوجات أشقاء زوجها، وأطفالهن، في منزل والد زوجها في القويسمة، «كانوا الأولاد زي السمك في المي. وكانوا بنادوا: الحقيني يا ماما.. الحقيني يا ماما. شافوهم زُلمنا قاموا نزلوا في المية. ما قدروا ما ينزلوا».

الرجال الذين توفوا أو أصيبوا في محاولتهم إنقاذ الأطفال، كانو المعيلين الوحيدين لأسرهم، وتركوا هم أنفسهم خلفهم أطفالًا، تقول أمهاتهم إنهن لا يعرفن كيف سيتدبرن أمرهم. ترك ياسر سبعة أبناء. وترك عوض ثلاثة، وزوجةً حامل في شهرها الخامس. ولدى عمر ست أبناء، ولدى وائل أربعة.

ثلاثة من الأشقاء، وهم عمر ووائل وياسر، يعملون في جمع الخردة والخبز الناشف على سيارات بيك أب يمتلكونها. وهذا يعني كما تقول العائلة، إن جميعهم من دون رواتب ثابتة، ولا ضمان اجتماعي، وكانوا يسيّرون أمور أسرهم شهرًا بشهر. أما عوض، فهو الموظف الوحيد، وهو الوحيد المنتسب للضمان الاجتماعي، إذ كان عامل نظافة في أمانة عمان، لقرابة 13 عامًا. لكنه توفي وفي ذمته قرض زراعي، اقترضه قبل قرابة الخمس شهور، وبقي منه أربعة آلاف ونصف. تقول زوجته «كان يشتغل ويسدّ القرض من معاشه. هسّا هو راح».

مريم، ابنة وائل المصاب، في بيت جدها محمد العلي. تصوير دلال سلامة.

تقول زوجة وائل إن «الحمل ثقيل. كل وحدة برقبتها ستة سبعة». فالأمر لا يقف عند الصدمة النفسية التي يقاسيها أطفالهن الذين شاهدوا بأعينهم آباءهم يغرقون، بل هنّ يحملن إضافة إلى ذلك همّ إطعام هؤلاء الأطفال. «زلامنا كانوا بشتغلوا بطعموا الأولاد، هسّا ما في حدا. اللي مات واللي تضرر. هسّا ما في حدا. بس الله».

يقول محمد إن مسؤولين كبار زاروا بيت عزاء ابنيه، وإن ذوي الضحايا استُقبلوا في رئاسة الوزراء والديوان الملكي. لكن الأمر اقتصر في هذه الاجتماعات على تأكيد المسؤولين أن التحقيقات مستمرة، وأن المتسبب بالضرر سوف ينال عقابه، وأن ذوي الضحايا سيأخذون حقوقهم. لكن بعد قرابة العشرين يومًا على الحادثة، لم يتساءل أحد كيف يدبر ذوو هؤلاء الضحايا أمورهم. ولم تقدم أي جهة أي نوع من الدعم للعائلات التي تركوها خلفهم. «ولا أي حدا قدم أي إشي للولاد والنسوان (…) بس بقولولنا اصبروا.. اصبروا. وهينا بنستنى برحمة الله».