رأي

الزموا النظام وأنتم تنتحرون

الخميس 12 أيار 2016

منذ تلويح الشبان الخمسة بالانتحار ظهر الأربعاء الماضي، استؤنف الجدل الذي يظهر في كل مرة يلوّح بها أحدهم بالانتحار؛ أصواتٌ قليلة متعاطفة «تتفهم» حجم البؤس، وأصوات أخرى تسخر من «محاولة استعراضية» للفت النظر، وكأن التلويح بحد ذاته تهمة يجب محاسبتهم عليه، أو أن عدم تنفيذهم للانتحار مؤشر على صبيانيتهم، وأن عليهم أن ينتحروا فعلًا لنصدّقهم.

النقاش حول مدى جدّية مطالبهم بتوفير وظائف لهم ومدى تمثيلها لهمّ جماعيّ، أو اعتبارها شكلًا من أشكال الاحتجاجات المطلبية الفردية، أمر مهم، وقد تناوله العديدون، لكن ما استوقفني في هذه الحادثة، وفي كل محاولة انتحار نسمع عنها، هو طريقة التصرّف مع محاولي الانتحار أو الملوحين به.

يصعد خمسة شبان إلى سطح عمارة مرتفعة على دوار الداخلية، ويجلسون على السور، أرجلهم للأسفل، يشاهدون تجمهر الناس الذين ربحوا عرضًا مشوقًا مجانيًا منتصف النهار. قد يصل لآذانهم تصفيق البعض أو شتائم من آخرين، ويفكرون بالإجراءات التي سوف يتخذها الأمن بحقهم؛ من محاولات ثنيهم عن الانتحار إلى ما هو أبعد من ذلك، كل ذلك يختصره البعض بالقول أن ما يحدث لا يعدو كونه استعراضًا عابرًا بحثًا عن الخلاص الفردي.

في حالة هؤلاء الشبان الخمسة، اتبعت الدولة طريقتها المعتادة في الرد على هذه المطالب، فأحيل الشبان لمحافظ العاصمة، الذي أطلق سراحهم فورًا، مع توقيعهم على تعهدٍ بحفظ الأمن والنظام.

هل يشكل المحافظ جهة صاحبة اختصاص للتعامل مع تلك الحالات؟ هل تقييم حالتهم النفسية والأسباب التي دفعتهم للقيام بذلك أمر يقع ضمن اختصاصاته ومؤهلاته؟ هل عُرض أولئك الشبان على جهة ذات تخصص نفسي واجتماعي لمتابعتها؟ هل إطلاق سراحهم فورًا ليواجهوا مجتمعًا ساخرًا مشككًا بما فعلوه، دون أن تقرر ذلك جهة مختصة، هو التصرف السليم؟

لماذا يؤمن المجتمع بدور الطبيب النفسي إذا كانت مؤسسات الدولة الرسمية لا تؤمن به؟

في تقرير نشره حبر مطلع عام 2016، يؤكد الناطق الإعلامي باسم الأمن العام المقدم عامر السرطاوي أن الأجهزة الأمنية تجري تحقيقاتها بحق الأشخاص المقبوض عليهم يحاولون الانتحار أو يلوحون به، وتودعها للمدعي العام دون تهمة، والذي يقرر بدوره إحالة الحالات للجهات المعنية، فبينما يتم تحويل حالات قليلة للحاكم الإداري، يتم تحويل الأحداث لحماية الأسرة.

في التقرير ذاته، تساءل رئيس جميعة الأطباء النفسيين الدكتور محمد الحباشنة، رحمه الله، مستهجنًا، «كيف تتم إحالتهم؟ من يقوم بتقييم حالتهم النفسية عند الجهات الأمنية أو القضائية، من الذي يقرر إن كانوا بحاجة دعم نفسي أم لا؟».

كما شكى مدير عام المركز الوطني للصحة النفسية د.نائل العدوان من قلة الاهتمام المجتمعي بالصحة النفسية، وقلة ثقة الناس بأهمية وأثر الدور الذي يلعبه الطبيب النفسي، ومن اللجوء لأساليب غير علمية لعلاج أشخاص يعانون من أزمات نفسية.

لكن، لماذا يؤمن المجتمع بدور الطبيب النفسي إذا كانت مؤسسات الدولة الرسمية لا تؤمن به؟ ما هي الرسالة التي يوجهها لنا المحافظ وهو يقرر إخلاء سبيل محاول الانتحار أو توقيعه على التعهد بعد تقييمه للأمر، وكأن الإشكالية أمنية فقط؟ ولماذا يطلب مدير المركز الوطني من المواطنين تعديل سلوكهم وثقافتهم قبل أن تبدأ الدولة بنفسها؟

من جديد أذكر ما قاله الراحل الدكتور الحباشنة، بأن الدولة بسلوكها الخاطئ المرتكز على إيجاد حلول فردية لبعض المحاولات، تساهم في خلق جمهور الساخرين المشككين، وليست محاولة الانتحار بحد ذاتها ما يخلقه. كيف لا، والدولة هي أول من صرّح، بحزم، بأن الملوّحين بالانتحار «يطالبون بتأمين وظائف لهم تساعدهم على التماشي مع أوضاع الحياة الصعبة»، في إشارة إلى أن المحاولة الجماعية لا علاقة لها بباقي المجتمع، ولذا لا داعي للتعاطف مع هؤلاء الشباب.

تلك التصريحات الصادرة، بشكل متكرر، من مؤسسات الدولة حول مطالب الملوّحين أو المهددين بالانتحار، تحمل معها محاولة لحرمان أولئك المشاغبين من تعاطفنا، فكل المحاولات تنتهي بتحقيق مطالب الأشخاص الفردية، ليعيشوا بعدها بسعادة وهناء، فيما لم ينل باقي المجتمع من هذا المشهد إلّا أزمة سير على دوار الداخلية، وإزعاج السلطات ورجال الأمن الذين لديهم ما هو أهم من التعامل مع شخص يحاول لفت النظر لمشكلته الشخصية.

في عام 2011، أذكر أنني كنت أقف على دوار الداخلية خلال محاولات الأجهزة الأمنية ثني فتاة عن الانتحار، قيل لاحقًا أنها كانت تعاني من مشاكل عائلية. أذكر أنني كنت شاهدة على احتفال فئة من الأردنيين بتلويح فتاة بالانتحار؛ تصفيق وتصفير وزغاريد ونكات وضحك وشتائم، لقد صفق الجمع في الأسفل للفتاة كي تنفذ انتحارها. تصرّف لا يمكن فهمه إلّا على أنه دليل على الجفاف الذي نشعر به تجاه أزمات بعضنا.

مقدار سوء النية الذي نحمله تجاه أولئك «المدللين»، الذين قالوا، ولو كذبًا، أن لا قدرة لديهم على تحمل هموم الحياة، ومقدار قسوتنا على أنفسنا والآخرين المتأزمين، وحجم قلة ثقتنا بأهمية الطب النفسي أو التنمية الاجتماعية، جميعها مسؤوليات مؤسسات الدولة، يجب أن تُساءل عنها قبل أن نُساءل كمجتمع عن ثقافتنا وسلوكيتنا وطرق تعبيرنا عن احتجاجاتنا، وقبل أن نوقع على تعهدات بأن نحفظ النظام في المرة القادمة عندما نلوّح بالانتحار احتجاجًا.