بعد شهر من انفجار الصوامع: «كإنه إحنا بنشحد»

الأربعاء 13 حزيران 2018
أثناء عطوة الاعتراف المندوبة عن مالك الشركة التي كان يعمل لديها الضحايا، والتي عقدت مساء الإثنين ٢١ أيّار في غور الصافي.

«فلوس الدنيا كلها ما بتسوى إظفر واحد من الأولاد»، هذا ما قاله سويلم المحاسنة، والد عيد (28 سنة) أحد الضحايا السبعة الذين توفّوا في انفجار صوامع العقبة الذي وقع يوم 14 أيار/ مايو الماضي، أثناء أعمال إزالة مباني ميناء العقبة القديم تمهيدًا لتسليمه للشركة الإماراتية التي اشترته. 

سويلم الذي التقته حبر في بلدة غور الصافي، إحدى أشد مناطق المملكة فقرًا، مع والديْ أحمد الشمالات (26 سنة)، وحمادة العشوش (22 سنة)، اللذين توفيا أيضًا في الانفجار، كان يعلق على زيارة نائب رئيس الوزراء في الحكومة السابقة، جمال الصرايرة، الذي زار عائلات الضحايا بعد عشرة أيام من الحادث في أول تواصل حكومي معهم، وأوصل لكل عائلة خمسة آلاف دينار، قيل إنها لتغطية تكاليف بيوت العزاء، التي كانت قد أغلقت قبل الزيارة بأيام.

يقول الأهالي إن الصرايرة وعدهم في تلك الزيارة أنه سيتم تأمين وظيفة لفرد من كل عائلة فقدت ابنًا، لتعويض الدخل الذي خسرته هذه العائلات بعد وفاة معيلٍ أساسي في كلِّ منها. لكن بعد عشرين يومًا من هذه الزيارة، يقول محمود، شقيق حمادة: «هذاك يوم وهذا يوم. ما حدا حكى معانا. وإحنا ما بنعرف مع مين نتصل».

اتصلنا عدة مرات بمكتب الصرايرة في رئاسة الوزراء، ومكتب الناطق الإعلامي باسم الحكومة محمد المومني من أجل الحصول على إجابات، لكن أحدًا لم يرد على الاتصالات.

بعد شهر من الحادثة، لم يتغير شيء؛ فما زال الأهالي عاجزين عن فهم ما حدث، وليس لديهم أي معلومات ولو أولية عن ملابسات الحادث وأسبابه، كما أنه ليس هناك تصوّر لطبيعة الحقوق المستحقة لأبنائهم، في وقت يعبّر محاميهم أشرف الهويمل عن شكوكه في أن هناك محاولات لـ«التنصل من الحقوق». وبحسبه فإن ما يؤكد ذلك هو الوساطات التي تعمل جاهدة من أجل إنهاء القضية بالصلح، مقابل تعويضات لا تكاد تصل إلى عُشر مبالغ التعويض المستحقة قانونًيا.

وفق الهويمل، فإنه لم تتوفر معلومات إضافية عما أُعلن بعد الحادثة مباشرة من تحقيقات أولية مفادها وجود انتهاكات لشروط السلامة العامة في الموقع، والتي وجّه المدعي العام على إثرها الاتهام إلى المقاول الرئيسي لمشروع الإزالة، وهي الشركة العربية، المملوكة للقوات المسلحة، والمقاول الفرعي شركة أبو غريب. لكن، بعد شهر من الحادثة، لم يتم توقيف أي شخص.

يقول الهويمل إن مشتكيًا جديدًا انضم الآن إلى القضية، إضافة إلى ذوي الضحايا، هو شركة أبو رصاع، وهي المتعهد الذي تعاقد مباشرة مع العمال. ويحق له الشكوى بسبب إخلال المقاولين الرئيسي والفرعي بالتزاماتهما القانونية تجاه تأمين شروط السلامة العامة في الموقع قبل تسليمه له ولعماله.  

لكن، وفق الناطق الإعلامي لمؤسسة الضمان الاجتماعي موسى الصبيحي فإن شركة أبو رصاع تتحمل مع ذلك المسؤولية في ما يتعلق بعدم إشراك العمال بالضمان الاجتماعي، فالمكلف قانونيًا بذلك هو صاحب العمل الذي يتعاقد معه العمال مباشرة، ويستلمون منه أجورهم.

الصبيحي قال إن إجراءات شمول الضحايا بالضمان الاجتماعي، ما زالت قيد الدراسة. فما زالت المؤسسة تجري تحقيقاتها في ما يتعلق بطبيعة عملهم، وتاريخ التحاقهم، ومقدار ما كانوا يتلقونه من أجور.

يقول الصبيحي إن المؤسسة تشارك حاليًّا الجهات المعنية في التحقق من مدى التزام صاحب العمل المسؤول بإجراءات السلامة العامة في الموقع، وسيترتب عليه عقوبات في حال ثبوت مخالفته لهذه الإجراءات.

وفيما يقول الصبيحي إن التحقيقات بما يتعلق بانتهاك شروط السلامة العامة في موقع الحادثة ما زالت جارية، يقول الناطق الإعلامي في سلطة العقبة الاقتصادية عبد المهدي القطامين إن أعمال الإزالة في موقع الانفجار، وهو الموقع الأخير المتبقي للإزالة في الميناء، ما زالت مستمرة كالمعتاد. وبحسبه فإنه لا مشكلة في أن يستمر العمل في الموقع الذي لم تحسم التحقيقات بعد أمر شروط السلامة العامة فيه لأن «التحقيق ليس له علاقة بالمكان. التحقيق مجرد الشهود والحضور بوخذوا أقوالهم. بس المكان ما عليه إشي (…) مو شرط تنتهي التحقيقات حتى يعيدوا الشغل، التحقيقات شغالة وهم بشتغلوا».

أضاف القطامين أن قضية الصوامع بشكل عام انتهت بالنسبة لسلطة العقبة الاقتصادية بعد تحويل ملفها إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، التي تحقق فيها حاليًا.

يستغرب الهويمل تأخر إحالة القضية إلى المحكمة، رغم مرور شهر على الحادثة. ويقول إن التحقيق في هذه القضية طال أكثر من المعتاد، مع أن المشتكى عليهم اعترفوا بالتسبب في الحادث، وطلبوا وقتًا لتسوية الأمر مع عائلات الضحايا، وهي تسويات، يقول هويمل إنها تجري الآن من خلال وسطاء من الوجهاء، يحاولون إنهاء الأمر بصورة مجحفة بحق الأهالي. ففي وقت تصل فيه مبالغ التعويض في حوادث مشابهة إلى مئات آلاف الدنانير، بسبب فداحة الأضرار النفسية والمادية التي تعرض لها ذوو الضحايا، فإن المبالغ التي يعرضها الوسطاء لا تتجاوز عُشر هذا المبلغ.

ويستغرب الهويمل تغير الخطاب بعد «عطوة الاعتراف»، فالوجهاء الذين «دقوا على صدورهم» من أجل إتمام العطوة متعهدين بحصول ذوي الضحايا على كامل حقوقهم القانونية، أصبحوا لا يردّون على هواتفهم. بل إن بعضهم يتعامل «كإنه إحنا بنشحد». فعندما اتصل أحدهم عارضًا مبلغًا زهيدًا لإنهاء القضية، يقول الهويمل إن ردّ هذا الوجيه على الرفض كان: «والله هذا اللي عارضينه الجماعة. ما بدكم اختاروا القضاء».

المشكلة بحسب الهويمل هي أنه لا يستطيع رفع أي قضية تعويض إلا بعد انتهاء التحقيق وإحالة القضية إلى المحكمة، وهو تحقيق يقول إنه «ما تقدم ولو درجة».

بعد  شهر على الحادثة، ليس من الصعب عند لقاء أهالي الضحايا ملاحظة أن الحزن على أبنائهم «اللي راحوا حرق»، يتحوّل الآن إلى غضب، ومرارة عالية الصوت وهم يرون كيف يستهين بهم الجميع، وعلى رأسهم سلطة العقبة الاقتصادية التي قالوا إنه لم يزرهم منها مسؤول، ولا حتى تحدث معهم هاتفيًّا.

ويحذر الهويمل أن خطابًا من هذا النوع يستهين بفاجعة هذه العائلات في المنطقة التي يعاني معظم سكانها من الفقر المدقع والتهميش لن تقتصر ردّة الفعل عليه من عائلات الضحايا فقط، بل ستشمل الغور بأكمله، لأنه يمكن أن يكون الشرارة التي ستشعل كل الغضب المكبوت في صدور أبناء المنطقة، بحسب وصفه.