بعد سبعة أشهر على الحادثة: هل غُرّر بأهالي ضحايا صوامع العقبة؟

والدة أحمد الشمالات، أحد ضحايا انفجار الصوامع في العقبة، وإلى جانبها عدد من قريباته في غور الصافي. تصوير دلال سلامة.

بعد سبعة أشهر على الحادثة: هل غُرّر بأهالي ضحايا صوامع العقبة؟

الإثنين 17 كانون الأول 2018

يوم 14 أيار الماضي، وقع انفجار في إحدى صوامع ميناء العقبة القديم، أثناء أعمال إزالة لهذه الصوامع، نجم عنه مقتل سبعة عمال. وأثبتت التحقيقات الأولية أن الانفجار سببه اختلال شروط السلامة العامة في الموقع. وبناء عليه، وبحسب ملف القضية، وجه المدعي العام تهمة التسبب بالإيذاء والتسبب بالوفاة من غير قصد لشركتين: الشركة العربية الدولية للإنشاءات والمقاولات، وهي شركة مملوكة للقوات المسلحة، كان أحيل إليها عطاء إزالة مباني الميناء القديم، ومؤسسة أبو غريب التجارية، التي كانت مقاولًا فرعيًا للشركة «العربية».

الشباب السبعة هم: عيد المحاسنة (29 سنة)، حمادة العشوش (26 سنة)، أحمد الشمالات (20 سنة)، خالد الزهران (24 سنة)، وأربعتهم من غور الصافي. الخامس، من معان، وهو محمد أبو تايه (26 سنة)، ومن العقبة فؤاد مطر (22 سنة)، وأخيرًا محمد حرفوش (33 سنة) من عمّان. وجميعهم كانوا موظفين لدى شركة أبو رصّاع، وهي شركة ثالثة، كانت «أبو غريب» قد أحالت إليها جزءًا من أعمال الإزالة.

عامل واحد من السبعة كان مشمولًا بالضمان الاجتماعي وفق الأصول، هو محمد حرفوش. لكن مؤسسة الضمان الاجتماعي أعلنت، أيام قليلة بعد الحادثة، أنها ستشمل الآخرين، الذين كانوا جميعهم معيلين وحيدين أو أساسيين لعائلاتهم، بالضمان بأثر رجعي، وتخصص رواتب لأهاليهم .

بعد سبعة أشهر من الحادثة، عائلة واحدة فقط استلمت رواتب. وليست هي عائلة حرفوش، كما سيتبادر إلى الذهن، فمعاملته ما تزال قابعة في مكتب ضمان العقبة، لم يبدأ البت فيها رسميًا، بسبب تعقيدات تتعلق بسحب رقمه الوطني، كما سيشرح هذا التقرير لاحقًا. العائلة الوحيدة التي استلمت رواتب الوفاة هي عائلة محمد أبو تايه.

والآن هناك حالة من الغليان تسود بين أهالي الضحايا الآخرين، الذي قالوا لحبر إنهم يشعرون بأنه غُرر بهم. وفجّر استياء هؤلاء مفاجأة مفادها أن الوعود التي أطلقها مسؤولو الضمان الاجتماعي في الإعلام عن تخصيص رواتب لأبنائهم، استخدمها خلف الأبواب المغلقة وسطاء الصلح العشائري لمساومة العائلات على تخفيض مبالغ تعويض الوفاة، التي تقرر أن تدفعها لهم شركة أبو غريب. خمس عائلات، هي عائلات شباب غور الصافي ومطر من العقبة، قالوا لحبر إنهم كانوا قد طالبوا بتعويض مقداره 150 ألف دينار. في حين عرضت الشركة 20 ألف دينار. وتقول هذه العائلات إن الوسطاء الذين كانوا خليطًا من وجهاء، ونواب ومسؤولين في سلطة مفوضية العقبة، أكدوا لهم في اجتماعات كانوا يستدعون إليها في مكتب رئيس المفوضية، ومكتب المحافظ، إنه لا يمكنهم الحصول على الاثنين؛ تعويض وفاة عالٍ، ورواتب ضمان. ووعدوهم إن قبلوا بمبلغ خمسين ألف دينار، فإنهم سيضمنون لأبنائهم رواتب وفاة عالية. يقول سالم، والد حمادة العشوش: «قالولنا 150 ألف، وُودْكم ضمان، لأ. بكفيكم خمسين ألف مع ضمان. بتوخذوا راتب 650 ما دامكم حيّين».

استجابت العائلات الخمس مباشرة، لكنهم رفضوا توقيع صك الصلح قبل الحصول على ضمانة رسمية مكتوبة. وبالفعل، سلم مكتب ضمان العقبة أهالي الضحايا الخمسة كتبًا رسمية فيها بيان برواتب الضحايا، وصل راتب السريان لبعضها 1100 دينار، وجاوز أدناها الـ 700 دينار. يقول سويلم المحاسنة، والد عيد من غور الصافي، إن رئيس مفوضية العقبة، ناصر الشريدة، قرأ بنفسه على مسامع الأهالي، في مكتبه، الرواتب المستحقة لأبنائهم: «إحنا اصطلحنا لما أخذنا الخمسين ألف مع رواتب الضمان. وكانت الناس موجودة، المختار والمتصرف والمحافظ، كله موجود على الحكي».

وقعت العائلات الصلح، بعد أن أكد لهم وسطاء الصلح أن معاملات الرواتب ستذهب إلى عمان، وتنجز في مدة أقصاها أسبوعان. لكن الأسبوعين استطالا إلى سبعة أشهر، من الوعود والتأجيل. ليصدم الأهالي أخيرًا بأن ضمان «عمان» لم توافق على تنسيبات «العقبة». وفوجئوا بأن الرواتب التي تقرر أن يحصلوا عليها هي أقل من نصف ما وعدوا به. على سبيل المثال، يقول محمود العشوش، شقيق حمادة إن الراتب الذي كان من المقرر استلامه بعد إجراء الحسبة المتعلقة بإصابة العمل هو 650 دينار تقريبًا، لكنهم فوجئوا بأن الراتب الذي وافق المقر الرئيسي في عمان على صرفه هو 330 دينارًا.

الوعود التي أطلقها مسؤولو الضمان الاجتماعي في الإعلام عن تخصيص رواتب لأبنائهم، استخدمها خلف الأبواب المغلقة وسطاء الصلح العشائري لمساومة العائلات على تخفيض مبالغ تعويض الوفاة

يقول المحامي أشرف الهويمل، وهو محامي محاسنة، والزهران والشمالات إن المشكلة سببها أن مؤسسة الضمان الاجتماعي غير مقتنعة بأن الرواتب الأخيرة التي ذكرت الشركة أنها تدفعها للشباب حقيقية. وهم يستندون في ذلك إلى رواتب سابقة كان هؤلاء الشباب يتلقونها في شركات أخرى، كانت شملتهم بالضمان الاجتماعي، ولم تكن تتجاوز في بعضها الحد الأدنى من الأجور. ووفقه، فإن المؤسسة ترى أن القفزة الكبيرة في الرواتب لست منطقية. لكن الهويمل يقول إن السبب في تردي الرواتب السابقة سببه ببساطة أن الكثير من الشركات في الأردن تتحايل على الضمان الاجتماعي، فتزوده برواتب أقل بكثير مما تدفع لموظفيها، وذلك كي تقلل من نسبة الاقتطاعات. وهذا يفسر تدني الرواتب السابقة.

يؤكد الناطق الإعلامي لمؤسسة الضمان الاجتماعي، موسى الصبيحي، ما قاله الهويمل، من أن سبب تأخير صرف الرواتب هو أن المؤسسة غير مقتنعة بالرواتب التي قيل إن الضحايا كانوا يتلقونها. ويؤكد أن القضية الآن هي في عهدة لجان التفتيش الداخلية في المؤسسة، التي تتحقق من صحة الرواتب التي قالت الشركة المشغلة للضحايا إنها كانت تدفعها لهم. الصبيحي الذي يؤكد أنه لا علاقة نهائيًا للمؤسسة بأي تفاوض تمّ على تعويض الوفاة، يقول إن هناك أنظمة تحكم عمل «الضمان»، وهو أمر ضروري، حتى يأخذ الضحايا حقوقهم من دون أن «يُظلموا أو يظلِموا (…) يجب أن تعطي بحق. هذا مش تبرع. هذه أموال مشتركين آخرين، فبدنا نعطي كل واحد بحقه».

يقول الصبيحي إنّ ما هو محسوم هو أن جميع الضحايا شُملوا بالضمان الاجتماعي، وتقرر لعائلاتهم جميعهم رواتب احتسبت على أساس أن الوفيات كانت بسبب إصابات عمل، وهذا يعني أن العائلات ستتقاضى ما نسبته 75% من الراتب الذي كان يتقاضاها هؤلاء العمال وقت الحادث. الخلاف الوحيد الآن هو على قيمة الراتب. والمجال مفتوح أمام أهالي الضحايا للاعتراض على قرار المؤسسة. وفي كل الأحوال فإن حقوق العائلات ستصرف بأثر رجعي.

يقول الهويمل إنّه قدم اعتراضًا للطعن في القرار، وهو ينتظر الآن أن يُبت فيه.

وكانت مؤسسة الضمان قد صرفت رواتب عائلة أبو تايه، الذي قال والده لحبر إنه استلم أواسط تشرين الثاني الماضي 3000 دينار عن ستة أشهر. واستغرب أبو تايه نفسه تأخر رواتب البقية لأنه، حسب قوله: «أنا قدمت المعاملة آخر الناس». الصبيحي علّق على ذلك بأن لجان التفتيش لم تجد مشكلة في معاملة أبو تايه. كما أن الأهل لم يعترضوا على قيمة الراتب، وهذا ما سرّع في صرف راتبه.

كان أبو تايه هو آخر من وقعوا صلحًا مع الشركة، فقد وقع الصلح يوم 1 كانون الأول الجاري، بعد أن ظل رافضًا طوال الشهور الماضية التعويض المعروض، لأنه كان، كما يقول مصرًا على تطبيق الأعراف العشائرية التي تنص على أن تعويض القتل العمد هو ثمن 80 ناقة «وضحى» أي بيضاء. والتي يبلغ ثمن الواحدة بحسبه 3000 دينار. وهذا يعني أن تعويض الوفاة يجب أن يكون 240 ألف دينار: «مستكثرينهن على الشب الضعيف. الجاهة اللي أجت بقولوا إحنا بنعطي 20 ألف دينار. وإحنا حاولنا معهم [الشركة] حتى وصلوه هذا الرقم [50 ألف]، ولا هم ما كانوا ودهم يعطوكم».

مثل العائلات الخمس الأخرى، يقول أبو تايه إنه تمّت مساومته بأن يأخذ راتب ضمان عالٍ، مقابل القبول بتعويض وفاة منخفض: «ما أصلحنا إلا منشان الراتب. قالوا رح يكون 600». ويقول إن وسطاء في الجاهة: «قالوا يجوز إذ ما قبلت يخفضوهن [التعويض المعروض]. وأنا زهقت، كل شوي أجمع الناس. وانصب خيام (…) قلت أصلح زي الناس».

أخذ أبو تايه، كما أكد لحبر، خمسين ألف دينار مثل البقية، وهو مبلغ ترفض عائلة محمد حرفوش القبول به. ويشرح محاميها محمود الحمري، كيفية احتساب تعويض الوفاة في إصابات العمل قانونيًا، والذي يكون في العادة قيمة الرواتب التي كان الشخص سيجنيها إلى أن يصل إلى سن التقاعد، وهي وفق قانون العمل الأردني 65 عامًا. يُضاف إلى ذلك، يقول الحمري إنه إضافة إلى التعويض المدني الذي يحق للعائلة الحصول عليه من دون مصالحة، فإن هناك أيضًا الحق في الدية الشرعية، وتبلغ 20 ألف دينار، وتقام من أجلها دعوى منفصلة في المحكمة الشرعية. بهذا المعنى، يقول الحمري، فإن مبلغ الخمسين ألف دينار المطروح كتعويض للمصالحة، ليس تعويضا عادلًا نهائيًا.

«جيبولي محمد»

يجلس والدا محمد حرفوش المسنان، في منزلهما في جبل النصر، المنزل الذي كان يعود إليه محمد حرفوش في إجازاته من العقبة، مرة كل شهر، منذ أن غادر إليها قبل 11 عامًا. تقول أمه إنها ما زلت غير مصدقة أنه مات بالفعل: «راحت أمي وراح أبوي، وراحوا أخواني وأعمامي وأخوالي. أنا انحرقت عليه قد هذول اللي عديتلك ياهم». وتضيف إنها لا تريد أن تصالح: «أنا ما بصلح بالمليارات. أنا بس بدّي محمد. جيبولي محمد».

يقول رفعت، شقيق محمد حرفوش، الذي يقيم مع والديه إن العائلة عندما ترفض مبلغ التعويض، فهذا ليس لأنها تريد التكسّب من موته. إنهم ببساطة يريدون حقّه الذي ينص عليه الشرع والقانون، بعيدًا عن كل المساومات، وعمليات التبخيس التي وجدت العائلة أنه كان عليها تحملها، فوق الفاجعة نفسها: «بفاوضوك على دم ابنك، ودم أخوك. بالأول عرضوا 20 ألف، وبعدين رفعوا لـ25، وبعدين لـ50. إحنا بنحكي شو بنصّ الشرع والقانون أعطوه. كان 100 ألف أو 100 دينار، وخلص».

يقول والد محمد إن المساومات التي بدأت مع لحظة الوفاة، وقادها وجهاء، كانت قاسية كثيرًا على الأسرة ومهينة. ولم تكن هذه الإهانة الوحيدة التي تلقتها العائلة، ففي حالة العطوات العشائرية، جرت العادة أن يتم التواصل مع العائلة التي منحت العطوة مع قرب انتهائها من أجل تجديدها. يقول أبو محمد إن الاستخفاف بهم بلغ حدًّا أن أربعة أشهر انقضت على انتهاء العطوة من دون أن يكلف أي شخص نفسه ليتحدث معهم: «ما أجوا إلا لما المحامي رنّ عليهم [الشيوخ] وطلب منهم ييجوا يجددوها». وهي معلومة يؤكدها الحمري، الذي يقول إنه أثارها في مرافعته أمام هيئة المحكمة. ويقول أيضًا إن التعامل باستهانة مع العائلة كان واحدًا من العوامل الذي جعلها ترفض الصلح إلى الآن.

والدا محمد حرفوش. تصوير دلال سلامة.

إضافة إلى التعقيدات المحيطة بمبلغ التعويض، ما زالت معاملة الضمان الاجتماعي الخاصة لمحمد موقوفة في مكتب الضمان الاجتماعي في العقبة، كما يقول محاميه، والسبب هو عجز والده عن تزويد المكتب بأوراق ثبوتية حديثة لازمة لبدء السير بالإجراءات. وسبب ذلك هو أن العائلة، في العام 2012، وأثناء إجراء الوالد معاملة روتينية، سحب منها الرقم الوطني. وقيل له وقتها إن قرار فك الارتباط ينطبق عليه.

يقول أبو محمد إنه حمل الجنسية الأردنية بموجب قرار وحدة الضفتين. وقد خدم 7 سنوات في الحرس الوطني في فلسطين، إلى أن وقعت حرب ال67، عندما عاد إلى الأردن، حيث سُرّح بعدها من الجيش.

غادر مقيمًا مع عائلته في سوريا، وعاد العام 2000 إلى الأردن. وطوال 12 سنة سارت أمور العائلة من دون أي عوائق، إلى أن سحب منه الرقم فجأة، من دون أي مقدمات تلك السنة، وانسحب تلقائيًا من زوجته، وست أبناء وبنات و17 حفيدًا. ورفضت العائلة منذ ذلك الوقت استلام جواز سفر مؤقت.

عندما جاء، نائب رئيس الوزراء حينها، جمال الصرايرة إلى منزل العائلة معزيًا، يقول أبو محمد، إنه «دخل عليه دخالة عشائرية»، ليساعدهم من أجل إعادة الرقم الوطني، الذي زلزل سحبه حياة الأسرة، وحرمهم من حقوقهم الأساسية في العمل والتعليم والعلاج والتنقل. لكن الحكومة رحلت بعدها بوقت قصير.

«المصيبة مصيبة غيره»

وزعت منار (26 سنة) أرملة عيد محاسنة جميع ملابسه ومتعلقاته، باستثناء قميص كحلي وبنطلون أسود، كانت هي «اللبسة» المفضلة التي تقول إنها كانت تحب رؤيته يرتديها. وهي ذات الملابس التي يرتديها في الصورة التي كبرتها له وعلقتها على جدار غرفة الجلوس في منزلهما في العقبة، حيث ما زالت تقيم مع ابنتهما آيات التي تبلغ الآن سنتين ونصف.

تزوج الاثنان قبل ست سنوات، وسكنا في الشقة المجاورة لمنزل أهلها في البلدة القديمة في العقبة. تقول منار إن عيد كان يذهب أحيانًا في إجازات إلى الغور ويغيب أسبوعًا، وهي لا تشعر أن غيبته هذه المرة مختلفة: «بحسه رايح على الغور وراجع. تلفونه راح بالحريق. بس رقم تلفونه مخزن معي. بتمنى أرن على الرقم وحدا يرد».

تقول منار إن عمر آيات كان أقل من سنتين عندما توفي أبوها ، لكنها تتصرف بطريقة تدل على أنها كانت واعية لوجوده، وتفتقده: «هذاك النهار أخذتها على المنتزه، وكان في زلمة بمرجح بأولاده. راحت عليه وصارت تنادي يابا يابا. الزلمة ما انتبه وما رد عليها. وأنا انخنقت، أخذتها وروحتها غصبن عنها لإني كنت مخنوقة». في اليوم ذاته، ذهبت إلى مصور، وكبّرت صورته وعلقتها لتكون أمام آيات طوال الوقت.

تعلق منار على الطريقة التي سارت بها إجراءات عقد الصلح، وكل المفاوضات على مبلغ التعويض ورواتب الضمان. وتقول إن أكثر ما استفزها هم الوجهاء الذين كانوا يضغطون على الأهالي ليسقطوا حقوقهم الشخصية، وتقول إنهم وجدوا الجرأة ليفعلوا ذلك: «لإنها مش مصيبتهم. هو بحكي هيك لإنه مو صاحب الشأن. لإنه المصيبة مصيبة غيره. لإن الواحد بحس بوجعه بس، بحسش بوجع غيره».

منار، أرملة عيد محاسنة، وابنتهما آيات. تصوير دلال سلامة.

تقول منار إنها كانت مجبرة على مراقبة ما يجري، لأنها بوصفها امرأة كانت مستبعدة، فالرجال فقط، في مواقف مثل هذه من يقودون المفاوضات: «كانت شغلة زلم. [كنت حاسة] إشي زي النار. مش قادرة أتصرف، مش قادرة أحكي».

وحتى عندما انتهى كل شيء، وحدّد مبلغ التعويض الذي استلمت منه العائلة 45 ألف دينار بعد خصم أتعاب المحامي، قول إنها ظلت أيضًا مستبعدة. لقد وزع المبلغ على الأطراف المختلفة بحسب القسمة الشرعية. واكتشفت منار أنها تملك إرادة التصرف فقط بحصتها. أما نصيب ابنتها قد سجل في مؤسسة رعاية أموال الأيتام، تحت وصاية جدها والد والدها. وهي أم الطفلة، لا تملك صرف دينار منه من دون إذنه.

تقول منار إنها تشعر أنها كاد تنفجر، وهي مليئة بالرعب من المستقبل. فقد خرجت من الصف الأول الثانوي، ولا تملك مؤهلات للعمل، وتسكن بأجرة مقدارها 130 دينارًا، غير فواتير المياه والكهرباء، التي تصل في الصيف إلى 70 دينارًا. وراتب الوفاة الذي ستخصصه الضمان، والذي لن يتعدى كما هو واضح من إصرار مؤسسة الضمان بضع مئات، سيتقاسمه أيضًا الورثة الشرعيون. وهي لهذا حاولت باستماتة منذ أشهر أن تستخدم نصيب ابنتها في شراء شقة صغيرة: «أسجلها باسمها وتستر عليّ وعليها». لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، لأنها ليس صاحبة الوصاية على نقود ابنتها.

«براكية فوق البيت»

قبل ثلاث سنوات ونصف، تزوج فؤاد من ابنة عمته، إسراء الأقرع (24 سنة)، وأنجبا محمد، الذي كان عمره 11 شهرًا عندما توفي والده. بعد زواج فؤاد بسنة تقريبًا، جعله والداه يعود مع زوجته وطفلهما الرضيع للسكن معهما في منزلهما في البلدة القديمة في العقبة، حتى يوفرا عليه الـ150 دينارًا التي كان يدفعها أجرة شقة. ولأن بيتهما مكون من غرفة وصالة صغيرة، فقد عمّر فؤاد ووالده فوقه براكية بالأخشاب والزينكو، ومشمعات البلاستيك، وركّبا إليها سلما خشبيا من أرض الصالة. سكن الوالدان في البراكية، في حين سكن فؤاد وأسرته في الأسفل. وكان هذا حلًا مؤقتًا، كما تقول إسراء فقد كان المخطط أنه عندما سيكون هناك نقود كافية ستهدم البراكية لتبنى غرفة من الإسمنت.

كان فؤاد مطر وحيد والديه. وبسبب التاريخ المرضي الطويل لوالده مع مرض القلب، واضطراره إلى التوقف عن العمل في الحدادة، صار فؤاد منذ مراهقته معيلًا رئيسيًا لوالديه. فخرج من المدرسة، وتنقل بين أعمال مختلفة، مثل محلات بيع الملابس، والجبصين بورد، والدهان، وأخيرًا الحدادة. تقول أمه: «كانت الرواتب قليلة، إشي 200 إشي 300، لحد ما الله رزقه بهاي الشغلة».

«هاي الشغلة» كانت وظيفة الصوامع، التي تقول أمه إن أصدقاء له دلوه عليها، وكان يقال إن يوميتها 35 دينارًا. لكنها ليست متأكدة، لأن اليوم الذي توفي فيه كان يومه الأول في العمل.

يقول والد فؤاد إنه يشعر بالقهر بسبب كم الضغوطات الرسمية التي مورست على الأهالي لإسقاط حقوقهم الشخصية، لدرجة أنه كان يشعر أحيانًا أنه كانت تتم مخاطبته كما: «لو إني المجرم». يقول إنه استجاب لأنهم كانوا من دون أي مصدر دخل، وكانوا بحاجة ماسة للمال. ومع أنهم استجابوا، وقبلوا بصفقة التعويض، إلا أن الرواتب لم تصرف بعد: «كل ما نراجع الضمان يقولك ما إجاش الكتاب ما إجاش الكتاب. شو هذا الضمان اللي المتوفى يقعد 7 أشهر ما يصرفوله ضمان. بس لإنا مساكين. لو واحد من الناس الواصلين كان زمان أنهوه».

والد فؤاد مطر. تصوير دلال سلامة.

قبل شهرين تقريبًا، عادت إسراء مع ابنها إلى منزل أهلها في العقبة: «خالي بعد وفاة فؤاد تعب كثير، وتزحلق مرتين على الدرج. حكيت ما بدي أتقلد خطيته. خليه يرجع تحت وياخذ راحته». وهي تزورهما مرة أو مرتين في الأسبوع: «لما بروح على دار أهله بحسه زي اللي طالع وبستناه». وهو الأمر ذاته الذي تقوله أمه: «بكل مكان بشوفه، كل حاجة في البيت بتذكره فيها. رح يظل الألم لآخر الحياة».

إسراء، أرملة فؤاد مطر، وابنهما محمد. تصوير دلال سلامة.

«طول نهاره ماشي قدامي»

استلم أهل حمادة العشوش من التعويض 45 ألف دينار، بعد أن خصم المحامي الخمسة آلاف دينار أتعابه. تقول أمه إنهم تبرعوا بعشرة آلاف دينار «في الجوامع عن روحه»، وساعدوا بقسم من المبلغ أبناء لهم متزوجين. ثم هدّوا منزلهم الذي كان آيلا للسقوط، وعمروا مكانه بيتا، يقف الآن «على العظم» بعد أن انتهت النقود. عندما التقتهم حبر، كان الوالدان يجلسان في العراء خارج المنزل الهيكل. سالم المشلول كان يجلس على كرسي بلاستيكي، في حضنه بشكير يستخدمه لهش الذباب، وتجفيف دموعه التي تنهمر في كل مرة يذكر فيها أحد اسم حمادة. يستذكر سالم بحسرة العمل الجديد في العقبة الذي قضى على ابنه الأصغر. ويتذكر أنه كان لحمادة وظيفة، كانت تبقيه إلى جانبه. وذلك عندما عمل خمس سنوات عامل نظافة في شركة البوتاس: «كان معاشه 190، وكنّا مكيفين عليه».

أمر آخر يتحسر عليه سالم، هو أنهم لم يسمعوا لابنه الأكبر محمود الذي يعمل في البوتاس، والذي رفض توقيع الصلح قبل نزول رواتب الضمان.

إلى جانب سالم، تجلس أم حمادة، التي تقول إنها ترى حمادة: «طول نهاره ماشي قدامي. هذا العيّل كان دايما بجنبي أنا. والله ما كان بجنب حدا. كان دايما يركض وراي». وتقول وإنها منذ وفاته لم تخرج من بوابة البيت إلا إلى بيوت العزاء: «عشان أصيح عليه بس».

والدا حمادة العشوش. تصوير دلال سلامة.

يقيم الاثنان حاليًا مع ابنة عمرها 23 سنة، وابن عمره 24، والاثنان عاطلان عن العمل. وتقول أم حمادة إن مصدر الدخل الوحيد هو راتب 100 دينار، من وزارة التنمية، فيتدخل سالم ويصحح لها: «107».

عندما وقعت الحادثة، يقول سالم إن جمال الصرايرة، جاء للتعزية، وقدم باسم الحكومة خمسة آلاف دينار. وقدم أيضًا وعدًا بأن يتم توظيف أحد أبنائه العاطلين عن العمل، لكن الوعد لم ينفذ.

«كان مغرّب ويلدّ عليّا»

ينحدر محمد أبو تايه أصلًا من من الجفر، لكنه ولد عاش حياته القصيرة في الأزرق، حيث وصل والده قبل خمسين عامًا ليخدم في القوات المسلحة، وبقي فيها بعد أن تزوج من ابنة عم له كان مقيما في المنطقة، وأنجب منها تسعة، كان محمد هو ما قبل الأخير بينهم. ترك محمد المدرسة في الصف العاشر، وتعلم الحدادة، ثم التحق بالجيش العام 2013، وحدثت بعض الإشكالات التي ترمج على إثرها، بعدها بثلاث سنوات. وبقي في المنزل سنة تقريبًا من دون عمل، كان وضعه النفسي أثناءها متعبًا جدًا، لدرجة أن والده، كما يقول، كان يضطر إلى النوم في ذات الغرفة التي ينام فيها.

بعد السنة، يقول والده إن مزاجه تحسن، وعاد إلى العمل في الحدادة. ثم خطب، وبدأ بتجديد شقة صغيرة أعطاها له، فغير السيراميك والأبواب والنوافذ، واشترى الأجهزة الأساسية. ثم غادر إلى العقبة قبل أربعة شهور من وفاته، ليجمع تكاليف زواجه الذي كان مقررًا بعد رمضان، تلك السنة: «كان يتصل بأخوه ويقول ما هي كويسة العقبة. الأزرق أحسن. العقبة حَشِر. كان يخلص شغل بالليل، وما يلحق (…) وين ودو يروح؟».

تقول أمه إنه كان طيب النفس: «كان يمدّ [يعطي] وما كان يحكي. جتني وحدة على العزا وحلفت طول رمضان كل خبزي من محمد صايل».

والدا محمد أبو تايه. تصوير دلال سلامة.

ومثل بقية الأمهات، تقول أم محمد إنها لا تصدق بعد أنه مات وتقول إنها تراه كل ما التفتت في أرجاء المنزل: «صدقيني عدنه ما هو ميت. هون كان ينام. ويقعد هناك على حجر بجنب المضافة على الشارع (…) لما أنام ييجي كل ليلة جمعة. هيك ييجيني حلم زي الملَك، والله أحسه قاعد عند راسي. مرتين أحلم فيه كان مغرب ويظل يلد عليّا. بقولوا هذا الشهيد».

«ولا دقيقة بغيب عن العين»

آخر مرة تحدثت فيها أم خالد الزهران معه، كان صبيحة الانفجار. تقول إنه قال لها: «هينا قاعدين بنشطب. عشان بس استلم الراتب نطلع على الكرك نجيب أغراض رمضان».

كان خالد هو آخر ما بقي لأمه من أولادها في البيت، بعد أن زوّجت جميع أخوته وأخواته، لكنها اضطرت في مفارقة مأساوية، قبل سنتين إلى أن تتحمل مسؤولية أطفال ضرتها، التي توفيت في حادث تدهور حافلة، أثناء عودتها من العمرة: «ولا دقيقة بغيب عن العين، ولا دقيقة ولا ثانية. لغاية الصبح اطلعت على صورته. وهو قاعد بحكي معاي».

تقارن العائلة بين الاهتمام الرسمي والشعبي بحادثة سيول البحر الميت، وحادثة صوامع العقبة، وتتساءل ميساء، أخت خالد: «هناك الكل شد على ظهرهم. الكل راح عزى. يعني معقول ما سمعوا الشباب بالعقبة، بس بالبحر الميت على السريع؟ اللي طيارات واللي زوارق، وغواصين؟».

عائلة خالد الزهران. تصوير دلال سلامة.

في منزلهم في غور الصافي، ما تزال عائلة خالد تسترجع التفاصيل المريرة للأيام التي قضوها على قارعة الطريق في ساحة مستشفى الأمير هاشم في العقبة، حيث رقد أبناؤهم لأيام، قبل أن يتوفوا واحدًا بعد الآخر. يقول جمعة والد خالد إنهم كانوا محترقين لدرجة: «غسيل ما عرفنا نغسلهم (…) وقاعدين بساومونا على ميتين؟».

«لو ظل قدامي وإجره مكسورة؟»

تخضع أم أحمد الشمالات، منذ سنتين، للعلاج من سرطان الثدي في مستشفى البشير. أنجبت عشرة أبناء وبنات، وكان أحمد هو السابع بينهم. والده عاطل عن العمل، لإصابته بدسك وخلع في الظهر. وتعيش العائلة على راتب المعونة الوطنية. كما أن أربعة من أخوته عاطلون عن العمل. وعندما التقت حبر العائلة، كان والده نزيل المستشفى. لهذا تقول الأم إن العائلة ما زالت تنتظر تنفيذ الوعد الذي قطعه جمال الصرايرة، الذي جاء مندوبًا عن الحكومة للتعزية، ووعد بأن يوظف من كل عائلة ابنًا بدلا من الذي توفي: «ما صار إشي. ما ناس اتصل ولا ناس إجى علينا».

والدة أحمد الشمالات، وقريباته. تصوير دلال سلامة.

تقول العائلة إن اضطرارهم إلى الاستمرار في الشكوى من تقصير الحكومة في أداء التزاماتها المادية يؤذيهم بشدة. وتعلق خالة أحمد: «الواحد مهو مبسوط بالمصاري لما أجن. هاي أرواح اللي راحت». لكن القضية، كما تقول أن هؤلاء تركوا خلفهم عائلات يجب مساعدتها على أن تجد كفافها على الأقل. ويبدو أن حالة التذبذب، وعدم الاستقرار التي جعلت الحكومة الأهالي يعيشون فيها طوال الشهور الماضية، هو أمر يصعّب على العائلات استيعاب حقيقة وفاة أولادهم. تقول أم أحمد إن زوجها يستيقظ أحيانا بالليل ويبدأ بالمناداة: «يا أحمد يا أحمد يا أحمد على طول حسّه». وهي نفسها يظل يخطر لها فكرة، هي لو أنه لم يمت، بل كان مصابًا فقط: «لو ظل قدامي وإجره مكسورة؟».