ملك الفُول

تصوير: مؤمن خَيتي.

ملك الفُول

الخميس 14 أيلول 2017

نشر هذا التقرير بالانجليزية على موقع Roads and Kingdoms.

الفول المدمّس أكثر من مجرّد أكلة، إنّه طقسٌ من طقوس الطهي. إذ تُتبَّلُ حبات الفول بنكهة الثوم وعصير الليمون وزيت الزيتون، ثمّ تُزيّنُ بالبندورة المقطّعة والبقدونس. وعادةً ما يُقدّم كجزءٍ من سُفرة تضمُّ سواه الكثير، ثم يؤكل المزيج الفوّاح بالخبز الخارج لتوّه من الفرن.

في سنوات طفولتي في مدينة صيدا الساحليّة في جنوب لبنان كان الفول موجودًا في كل مكان، فقد كنّا نأكله على الفطور والغداء والعشاء وحتى على السُّحور. كنت أنا وإخوتي الخمسة نأكله أكثر من مرّةٍ في اليوم.

كان تكرار أكلنا للفول مرتبطًا بالتقاليد، فالمثل العربي يصف الفول بأنه «فطور الغني، وغدا الأمير، وعشا الفقير». يدلُّ هذا المثل على الحدّ الذي يخترقُ فيه حبُّ الفول الطبقاتِ والحدود في العالم العربيّ.

إلا أنّ للفول مكانةً خاصّةً عند عائلتي، فَفي سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات أدار جدّي المرحوم أحمد مصطفى حنقير مطعم فول «أبو عادل». كان واحدًا من أشهر مطاعم الفول في صيدا، وربما في كلّ جنوب لبنان. كان كلُّ الصيداويين من أغنياء أو فقراء، لاجئين فلسطينيين أو سياسيين لبنانيين، مسلمين أو مسيحيين يأتون أفواجًا إلى مطعم الفول كل صباحٍ قبل أن يفعلوا أيّ شيءٍ آخر.

صحن فول مزيّن بالبقدونس. تصوير: ناتالي نقاش.

كان أبو عادل ملكًا في مطعمه. ولم يكنِ المستهلكُ يومًا على حقّ. فإن تجرّأ أحدٌ على اقتراح كيفيةِ تحضيرِ صحنِ فوله فقد كان جدو يقول «كل على زوقي، مو على زوقك»، وأحيانًا كان يقول «ما تحكي، بس كُل». وإن لم يعجِب الزبائن أسلوبه الجافّ نوعًا ما فقد كان يدعوهم لأن يتفضّلوا ليأكلوا على الجانب الآخر من الشارع لدى منافسه «السوسي». كان الصيداويّون ينعتون جدي بالـ«سربست» وهي كلمة تركيّة تعني الصريح الجريء.

اسم جدي «أبو عادل» يستحضر لدى الكثيرين ذكرى ماضي صيدا المهيب وذكرى سوقها القديم ومقاهيها. كان ذلك قبل الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان سنة 1982، الذي احتلّ فيه الجيش صيدا بينما كان يتقدّم باتجاه بيروت. أدّى القتال العنيف داخل المدينة إلى تدمير أجزاء منها وإغلاق بعض المنشآت.

يقال أن «أبو عادل» أعدّ الفول وقدّمه وأكله تقريبًا في كل يومٍ من أيّام حياته منذ سنة 1918 –عندما كان في السادسة عشرة من عمره- حتى سنة 1980 التي سبقتْ وفاته بسنتين. كان يغلق مطعمه فقط في أول أيّام عيديّ الأضحى والفطر، وذلك لأداء صلاة العيد، وليس ليستريح.

كان طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت يأتون من العاصمة في عطلة نهاية الأسبوع ليأكلوا في مطعم جدو، الذي اشتُهر أيضًا لنظافته. ويقال أن أبو عادل كان يمازح الطلاب في لحظات فراغه قائلًا لهم أنهم لا يأكلون الفول بل يأكلون «مسامير الرُّكب»، وأنه طعامٌ سيقويّهم كالمواشي. كان الطلّاب يدفعون لأبو عادل بسخاء، ومكّنه هذا الدّخل الإضافيّ من إطعام أيتام الحيِّ والإنفاق على أبنائه الأربعة عشر.

أبو عادل وابنه في مطعم أبو عادل، صيدا القديمة، 1970. الصورة من عائلة حنقير.

كان رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري واحدًا من روّاد المطعم، وخلَفُه فؤاد السنيورة، حيث زار كلاهما المطعم عندما كانا ما يزالان طالبين في مدرسةٍ قريبة. فقد كان صيت جدو ممتدًّا في كل الأنحاء.

قبل أن يفتتح مطعمه في صيدا كان يعيش في حيفا، وأدار فيها أول مطعم فولٍ له. ويُقال أن فنانين مصريين أسطوريين مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ارتادوا مطعمه أثناء جولاتهم الفنّيّة في فلسطين.

لم ألتقِ بجدي مُطلقًا، فقد توفّي قبل ميلادي ولكنني عرفت عن إرثه من بائعي الفول الصيداويين. أقدم الفوّالين قالوا «كان جدك ملك الفول. كان معلم كل المعلمين».

وُلد جدّي في صيدا سنة 1902. مرضت أمه وتوفيت بعد ذلك بسنتين. وفي نفس الفترة تقريبًا غادر  والده ليقاتل مع الدولة العثمانيّة ضدّ الجيش البريطانيّ في اليمن، ولم يعُدْ إلا بعد ذلك بعقدٍ من الزمان.

عَرف أبو عادل في سنٍّ مبّكرة أنّه ينبغي عليه أن يدافع عن نفسه بنفسه، وبات الفول الجزء الأهمّ من قصة بقائه. تعلّم أساسيات إعداد الفول من عائلةٍ في صيدا شغّلته عندها عندما كان صبيًا.

بدأ جدّي يعتاش من الفول في فلسطين. هاجر إلى حيفا سنة 1918 لينضمّ إلى عمّته التي كانت قد استأجرت مبنىً مهجورًا في المدينة لإيواء الصيداويين الذين انتقلوا لحيفا باحثين عن عمل.

أول شريكٍ لجدّي في العمل كان حمارًا.

في نفس تلك السنة، انتزع البريطانيون حيفا من العثمانيين، وازدهرت حيفا تحت الانتداب البريطاني (بمُساعدة فرعٍ من الخطّ الحديدي الحجازيّ الذي افتُتِح في زمن الحكم التركي)، وباتت بمثابة المدخل إلى السعوديّة. كثيرًا ما كان الناس يسمّون حيفا باسم «أميركا القريبة»، وانتقل الكثير من اللبنانيين إليها سعيًا للفرص الاقتصادية.

كان أول شريك عملٍ لجدي: حمارًا. فقد كان أبو عادل يعدّ الفول أثناء الليل ثم يصبّه في آنية يدلّيها على أحد جانبي الحمار (كان الجانب الآخر محجوزًا للحمّص). ثم يمضي إلى أحياء تُوصل إليها طرقٌ غير معبّدة في حيفا وما حولها ليبيع الفول، ومن بينها قرىً مثل حواسة وبلد الشيخ.

اشتُهر أبو عادل في شبابه بجماله. كان له شاربٌ عظيمٌ ونادرًا ما كان يُرى بدون طربوشه، وكان الناس في الأحياء التي يزورها يسمّونه «بيّاع الفول». ومع الوقت صار لديه مجموعة من الزبائن المخلصين الذين كانوا يأتون إليه بزباديهم فيملؤها لهم بالفول.

باع جدّي الفول عن ظهر الحمار طوال عشرة سنوات حتى ادّخر ما يكفي من المال ليشتري أرضًا ليبني عليها بيتًا في حيفا. افتتح أخيرًا مطعم فول، سنة 1928، في شارع الملوك (المعروف أيضًا باسم شارع ستانتون) في حيفا.

وفي سنة 1948 طُرِدَ أبو عادل من بيته أثناء معركة حيفا ودُفعَ للخروج مع من خرجوا من الفلسطينيين، فنزح عائدًا إلى بلدته صيدا مع زوجته وأطفاله. وهناك بنى حياته من الصفر  مُفتتحًا في النهاية مطعم فولٍ آخر.

عندما عاد جدّي إلى لبنان ترك وراءه كل ما يملك في فلسطين، ولم يأخذ معه سوى حقيبتيْ سفر  ملأهما بالجنيهات الفلسطينية التي كان قد جمعها من عمله في كار الفول. وعندما بات من الواضح أن العائلة لن تعود إلى فلسطين، استخدم هذا المال لتأسيس مطعمٍ في صيدا.

كان أبو عادل يستيقظ مع شقشقة الفجر  ليبدأ نهار العمل، آخذًا معه كلَّ مرّةٍ اثنين أو ثلاثة من أولاده السّبعة. وكثيرًا ما كان أبي (الذي وُلد في صيدا سنة 1948 بعد أن هربت العائلة من فلسطين) بين الذاهبين معه.

كان كل ولدٍ يتحمّل مسؤوليّة واحدة من المهمّات بينما يذهب جدو إلى حسبة الخضار. أحدهم كان يُقطِّع البصل، ويدقّ الثوم في الهاون ويقطف النعناع عن سيقانه ويدقّه، بينما يُصفّي آخرٌ حبَّ الفول –حوالي 30 كيلو-  بعد أن يكون الفول قد طُبخَ طوال الليل في إناء نحاسيّ.   بينما يشتري الولد الثالث الملح والكاز من السوق.

كان أبو عادل يعتني بكل شيء بنفسه لدرجة أنّه كان يعدّ المخلّل بنفسه بدلًا من أن يشتريه.

كان أبي وأخوه نبيل يتوجهان إلى الشاطئ بعد أن يتمّ تفريغ الإناء النحاسيّ الذي طُبخَ فيه الفول. كانا ينظّفانه بالرمل والحجارة وعصير الليمون. وعلى حدِّ قول عمّي نبيل، فإنّ الجرّة لم تكن تُعتبر نظيفةً، في نظر أبو عادل، إلا إذا لمعت.

في تلك الأيام، كان الأولاد يخدمون على الطاولات تحت عين والدهم اليقظة بينما كان هو يعدّ الطعام (كان أبو عادل يعتني بكل شيء بنفسه لدرجة أنّه كان يعدّ المخلّل بنفسه بدلًا من أن يشتريه). وكان الأولاد في المساء يغسلون الأطباق والأواني ويمسحون الأرضيّة مع والدهم، وفي أغلب الأيام لم يكونوا يرجعون إلى البيت قبل الثامنة مساءً.

وحتى يتسلّوا بينما يعملون كان جدّي يشغّل تسجيلات القرآن على راديو كبير. كان أبو عادل رجلًا وَرِعًا، وحتى وفاته كان قد سجد في صلواته إلى الحد الذي ترك طبعة صلاة – زبيبة – على جبينه.

كلمة «مدمس» كلمةٌ قبطيّة الأصل وتعني «المدفون»، ولعل المقصود فيها هي حبّات الفول التي كانت تُطبَخ في الجرّة الكبيرة، أمّا بالعامّية فقد كان كلمة «المدمّس» تعني «المطبوخ». وفي الوقت الذي يردّ فيه البعض أصل الفول إلى مصر الفرعونيّة، فقد ذكر جيل مارك في «موسوعة الأكل اليهوديّ» أن أول مؤشرٍ على هذا الطبق هو حبوب فولٍ مُخبّأةٍ عُثر عليها في موقع أثريّ من العصر الحجريّ في مدينة الناصرة.

ورغم تنوِّع وصفات طبق الفول، إلا أن أساليب إعداده -على اختلافها- تتطلّب الكثير من العمل. حيث يجب أن تُنقعَ حبوب الفول ثم تكوّم في الإناء الكبير الذي يُطلق عليه اسم «القدرة». تُغلى وتُترك على نار هادئةٍ لثماني ساعاتٍ على الأقل، وعادةً ما تُترك على النار طوال الليل. في النهاية تأخذ الحبّات لونًا بُنيًّا وتكون طريّة بما يكفي لهرسها.

مَزّة الفول في مطعم أبو علي آغا وأولاده للفول، صيدا، لبنان. تصوير زهرة حنقير.

وصفات الفول البسيطة تضم حبّ الفول والثوم وزيت الزيتون وعصير الليمون والملح، وتُضاف إليها البندورة وأحيانًا تُتبّل بالكمّون. في مصر تُهرس حبات الفول بالكامل تقريبًا، بينما تُهرس في اليمن إلى الحد الذي يبدو عندها الطبق النهائيّ شبيهَا بالحساء.

أما في بلاد الشام، تُترك الحبّات صحيحةً تقريبًا، ولا تُهرسُ إلا قليلًا. التشابه ملحوظٌ بين وصفات الفول في بلاد الشّام، وتبرز من بينها الوصفة السوريّة.

«لو كان لي أن أختار طبقًا واحدًا يجمع شعوب بلاد الشام معًا لاخترت الفول المدمّس بكلِّ تأكيد» تقول لارا عريس الطباخة اللبنانية ومؤلفة كتاب «الحصاد الشّاميّ»، وتضيف «يجتمع خليطٌ بسيطٌ من النكهات لإعداد هذا الطبق، إلا أن النتيجة عميقةٌ وكأنّ لكلّ مكوّنٌ من مكوّناته صوتٌ خاص».

مأدبة الفول الصيداوية حافلةٌ بالألوان والإتقان: الخبز الخارج لتوّه من الفرن، وشرائح البندورة، والبصل الأحمر، ومخلل الخيار واللفت، والفجل، وأوراق النعناع، والزيتون، والبصل الأبيض، وطبعًا زيت الزيتون. تشكيلة المكوّنات هذه تجلب الطعم لحَبّ الفول ذي النكهة الخفيفة. عادةً ما يرافق الحمصُ الفولَ ولكن الفول هو من يتصدّر المشهد في هذه المزّة تحديدًا.

تشرّبت الكثير من الدول العربية والإفريقيّة هذا النوع من الطبخ، إلّا أن كل شعبٍ أضفى على الفول لمسته، وأضاف مكونات مختلفة إلى طبق الفول. فالنسخة السوريّة من الفول تضيف الطحينية واللّبن، بينما يضاف الفلفل الأخضر أحيانًا في اليمن مما يضفي على الفول نكهةً لاذعةً خفيفة. تظهر هذه التنويعات في مطاعم صيدا، فلكل طاهٍ لمسته في إعداد الفول، بإضافة الكمّون مثلًا، والشطّة، والكزبرة، والبقدونس وحتّى البيض.

سامر آغا يعدّ الفول في مطعم أبو علي آغا وأولاده للفول، صيدا، لبنان. تصوير عثمان حنقير.

«ملك الفول السوسي» هو أقدم مطعم فول في صيدا، تأسس سنة 1933، وكان منافس مطعم جدي لسنوات طويلة. يستخدم الطّهاة هناك خليطًا من النارنج وعصير الليمون لإضفاء مسحة من الحموضة على الفول.

الشهر الماضي، وفي ظهيرة يوم إثنين حارٍّ في صيدا، كان مطعم «ملك الفول السوسي» يعجّ بالروّاد. كان هنالك أربع عائلاتٍ تأكل في المطعم الصغير. ومقابل أربعة آلاف ليرة لبنانيّة (ما يعادل 2.70 دولار) يحصل ضيوف المطعم على صحن فول مملوء بسخاءٍ، ويرافقه الفلفل والمخلل والزيتون وتشكيلةٌ من الخضروات.

مالك المطعم، ذي الثلاث وسبعين عامًا، أبو فادي السوسي واحدٌ من أشهر ذوّاقي صيدا. يقول «ولدتُ بين صحن حمّص وصحن فول. كان الفول عنوان حياتي».

ورغم أن الكثيرين من طهاة الفول جاؤوا ورحلوا عن صيدا، فإنّ أيًّا منهم لم يكن مثل أبو عادل. يقول أبو فادي عنه إنه «تخانق مرّةً مع أبي على مونة زيت الزيتون»، ويضحك متذكّرًا: «ما كان حدا قده».

حسن سوسي «أبو فادي» يأكل في مطعم ملك الفول السوسي، صيدا، لبنان. تصوير زهرة حنقير.

يُقال أن الفول كان يجري كالحليب في صيدا في الخمسينيات والستينيات: لم يكن هنالك أسرةٌ لا تأكل الفول. الفول في لبنان كارٌ عائليّ، فوالد أبو فادي وابنه وأعمامه وأخوته، عملوا جميعًا في بيع الفول.

يقول أبو فادي: «ما عادوا الناس يمرّوا على المطعم زي زمان، وبطّلت المنافسة حامية مثل ما كانت أيام جدّك.  كم بتمنّى لو إنّا لسّاتنا نتنافس بهديك الطريقة. المنافسة اليوم بتيجي من أنواع ثانية من الأكل»، وخاصة مطاعم الوجبات السريعة.

في سنة 1980، مرض جدّو إلى الحد الذي ما عاد عنده قادرًا على العمل، وأُغلق حينها مطعم أبو عادل. يوجد اليوم بقالةٌ صغيرة مكانه، وكثيرًا ما يشير المارّة إلى البقّالة على أنّها «محل ما كان مطعم أبو عادل».

وبينما تعلّم أولاد أبو عادل شيئًا من حرفة إعداد الفول منه، إلا أن جدي لم يعلّمهم الصنعة كاملة، ربما حال كبرياؤه دون ذلك وكان يطمح لحياةٍ أفضل لأبنائه. وعندما أقعده المرض كان الأوان قد فات لضمان استمرار المطعم من بعده.

وعندما سألت والدي لماذا لم يُبذل جهدٌ مُشترك للمحافظة على مطعم العائلة، أجابني ببساطة: «كان صعب، ولا حد بيقدر يعمل الفول مثل أبي، ولا حتى نحنا».