رحيل أسماء مدانات: سيرةٌ اختلط فيها العام بالخاص بالشخصي

الإثنين 12 شباط 2018

في التاسع من هذا الشهر، رحلت أسماء المدانات المولودة عام 1934 في قرية أدِر بمدينة الكرك.

أسماء واحدة من سيدات زمنٍ، مرّ على بلدنا، كان فيه الانتماء السياسي يشكّل حياة متكاملة لصاحبه. وكانت هي واحدة من أبرز نماذجه. واليوم، تبدو مسيرة عمرها البالغة 84 عامًا، مزيجًا منسجمًا من أمور شتى تشمل: المسؤولية تجاه الأسرة والنضال والعمل التطوعي والمبادرات والعمل المنتج والعلاقات الاجتماعية التي شهدت عند أسماء تنوعًا شديدًا. حينها كان المناضل يفهم حياته بصورة متكاملة يختلط فيها العام بالخاص بالشخصي، ولم يكن قد ظهر للاستخدام مفهوم “العمل العام” الدارج حاليًا، والذي بالمحصلة يعني العمل في أوقات الفراغ، لقد كان العمل السياسي -حينها- عامًا وخاصًا وشخصيًا.

ظلّت أسماء حتى سنواتها الأخيرة تقول إنها «تعلّمت الحياة» في قرية «أدر» من الناس العاديين، فهي درست الصفوف الأولى في مدرسة القرية، وعندما لم تكن هناك صفوف أعلى في المدرسة، ظلت والدتها تصرّ عليها أن تذهب إلى المدرسة ولو للصف ذاته، كي تبقى على صلة بالتعليم. وفي زمن لاحق درست صفّين أو ثلاثة في الكرك، ثم أكملت بعض الصفوف الأخرى في قرية الحصن، ولكنها لم تكمل دراستها الثانوية.

قصة الأمهات والشقيقات مع التعليم تستحق أن نتأملها اليوم، بل يمكن كتابة سيَرٍ لمئات الأمهات اللواتي لعبن دورًا كفاحيًا في سبيل تعليم أولادهن. فقد كان الدارج أن يلتحق ابن الفلاح بأبيه وبلا نقاش، وكان هذا منطقيًا، ولكن الأمهات كن الأكثر إدراكًا لمتطلبات الانتقال بالمجتمع نحو مرحلة جديدة.

تبتسم أسماء كطفلة وهي تتذكر أنه ذات يوم، زارهم في مدرسة القرية، المرحوم حمد الفرحان، وكان حينها مفتشًا في وزارة المعارف (وزارة التربية والتعليم)، وكانت جميع التلميذات حافيات بلا أحذية، وقد أجريْن للمفتش الضيف استقبالًا احتفاليًا وقابلَنه بالأغاني والتصفيق، ولهذا فإنه، عند موعد مغادرته، وقف أمامهنّ وشكرهن على «الحفاوة» التي استقبلنَه بها.

كانت كلمة «حفاوة» لافتةً لانتباه واستغراب التلميذات الصغيرات، ذلك أنهن اعتقدن بأنها تتعلق بـ«حفاوة أقدامهن»، أي حفاؤها وخلوّها من الأحذية، لقد استغربن أن يشكرهنّ على أنهن حافيات.

وتتذكر أسماء أيضًا أنها كانت وزميلاتها يكنسن حواف الشارع المؤدي إلى المدرسة لكي لا تتأذى أقدامهن، وأنه كان من تقاليد المدرسة في حالة كانت هناك بعض الحافيات، فعلى جميع الطالبات (بمن فيهنّ من تملك حذاء) أن يحضرن للمدرسة حافيات أيضًا.

وعندما سألتها هل عملت كفلّاحة في الأرض؟ أجابت: «لم أكن فلاحة. لكني كنت «لقّاطة»». واللقاطات هن الفتيات اللواتي كنّ يذهبن لحقول القمح بعد الحصاد ويلتقطن السنابل التي وقعت من أيدي الحصادين، ويجمعنها في البيوت، ويستخرجن الحبوب منها للاستخدام. وفي الواقع، كانت تقاليد الفلاحة في الأردن أن يترك الحصادون عمدًا أحيانًا بعض تلك السنابل، في سياق نظام تكافل اجتماعي فلاحي غير مكتوب. غير أن أسماء تقول إن ذلك كان يوفر لهن قمحًا نظيفًا، يمكنهنّ من الحصول على خبز متقن.

«أسما أخت عيسى»، هكذا عرفتها الأوساط السياسية والأجهزة الأمنية، والمقصود هو عيسى المدانات المناضل المعروف. ولم يكن لقب «أخت عيسى» ينتقص من مكانتها، فالأخت، بعد إذن جماعات الجندر والنسوية المعاصرة، في الثقافة الأردنية ترى نفسها في الأخ، مثلما ترى الأم نفسها في الابن، وهو ما يثير مشاعر الفخر العميقة الفعلية.

تزوجت أسماء من ضابط في القوات المسلحة، لكنه توفي بعد سنوات قليلة، بعد أن أنجبت منه بُنيّتين هما الآن طبيبتان اختصاصيّتان معروفتان. حينها، كانت ظروف البلد السياسية تسمح بأن يتزوج ضابط في الجيش من فتاة حزبية وشقيقة حزبي معروف وملاحق، بل إنه خطبها من شقيقها الذي كان مفصولًا من عمله في عمان، منتقلًا إلى العمل في قرية الحصن شمالًا.

روى السيد إبراهيم الحصري، وهو أحد قادة الحزب الشيوعي في مطلع الخمسينات، أنه ذات يوم كان يزور عيسى في الحصن زيارة حزبية، عام 1951، عندما جاءه عدد من رجال الكرك يخطبون أخته (أسما) لقريب لهم، فرحب بهم عيسى وقال لهم: «ينبغي أن أستشير أختي». هنا انتفض الرجال واقفين غاضبين

وقال رئيسهم: «ومنذ متى يا عيسى نستشير البنت؟». يقول الحصري، إن عيسى استوعبهم وهدّأ خواطرهم وشرح لهم «مبدأه الجديد» في استشارة البنت.

في الواقع لعل في هذا القصة ما يشير إلى الدور غير السياسي لحزبيي ذلك الزمن، وخاصة في ميدان الاستنارة الاجتماعية.

لم تستطعْ أسماء ولا ابنتها الدكتورة وفاء، عندما التقيتهما، أن تتذكرا كل الأعمال والأنشطة التي كانت تقوم بها، فالمبادرة كانت جزءًا من شخصيتها، وعندما نُفيت من عمان إلى الكرك في مطلع الستينيات بسبب نشاطها لإطلاق سراح المعتقلين، وكان على باقي الأسرة أن تُنفى قسرًا معها، بادرت فورًا إلى الدعوة لإنشاء اتحاد نسائي، ولكنها كانت قد اصطحبت معها ماكنة الخياطة التي كان العمل عليها يسهم في دخل الأسرة في عمّان، ثم تعلّمت صنعة الكوافيرة في الكرك، وعندما عادت إلى عمان واصلت العمل في ميادين مختلفة تتذكر منها التدريس في المدارس ورياض الأطفال، وافتتاح وإنشاء مراكز لمحو الأمية، ولا تزال أسرتها تحتفظ ببعض الصور لها أثناء عملها ونشاطها في أحياء عمان وفي مخيم البقعة.

وقد ذكرت أسماء، حين التقيتها، أنه كان للمنفيّة باعتبارها سجينة مخصصات من الحكومة، هي خمسة قروش وقطعة صابون تستلمها عند توقيع إثبات الوجود، غير أن مرافقات المنفيّة لم تكن لهن مخصصات.

عاشت أسماء حياتها في خضم السياسة، ولكني عندما سألتها هل كنت تعتبرين نفسك «سياسية»؟ قالت مباشرة: لا. لقد اقتنعنا بالمبادئ التي حملها أخونا عيسى، وكان علينا بصفتنا أسرة مناضل أن نحمل معه القضية بدون تذمر أو شكوى بل بفخر واعتزاز. وهي تتذكر أن والدتها هي من بثت هذه الروح في الأسرة.

تعلق أسماء على نفسها: «أنا بطبيعتي أتدخل بكل شي»، وهي ربما لم تكن تعلم أن هذا التدخل سوف يشكل سيرة حياة استثنائية.