تشفير «براعم»: المحتوى التربوي لمن يدفع فقط

الأحد 03 نيسان 2016

في العام 2010 رزقت بطفلتي الأولى. لم يكن لدي قبل ذلك أي فكرة عن عالم الصغار، وبدا لي حينها أن رعاية طفل وتنشئته، رغم فرادة وجمال التجربة، هي المهمة الأصعب في الحياة.

مع دخول ابنتي عامها الأول بدأت رحلة البحث عن قنوات تلفزيونية مناسبة لها. الواقع كان مريرًا؛ كمية العنف في القنوات التلفزيونية الخاصة بالأطفال كانت مهولة، إضافة إلى الرسائل غير الأخلاقية التي تبثها بعض البرامج كالغش، والكذب، والتحايل والخيانة. كما كانت تصلني مقاطع فيديو لمحتوى جنسي على إحدى القنوات العربية لا يتناسب مع عمر الأطفال. بعض القنوات الأخرى كانت تعمد إلى الأغاني والموسيقى الصاخبة الخالية من الذوق، عدا عن السفافة في الطرح والأفكار.

كان ملاذي الوحيد حينها الفقرات الصباحية على قناة MBC 3. تعرض القناة في الفقرات الصباحية برامج كـBarney وTomas وDora. غالبية البرامج الصباحية حينها كانت ناطقة بالإنجليزية، وكانت تقدم مضمونًا جيدًا للأطفال، إذ أنها تعليميّة تعزّز المهارات اللغوية، وتتضمن رسائل تربوية جيدة كأفكار المشاركة والمحبة واحترام العائلة واحترام الأشخاص المختلفين. لكن بعد الفترة الصباحية كانت البرامج تتحوّل إلى النقيض تمامًا.

شاركت حينها إحدى صديقاتي صعوبة الحصول على مضمون عربيّ مناسب للأطفال، فأخبرتني عن قناة قطريّة حديثة العهد اسمها براعم.

كانت القناة الوحيدة التعليمية والتربوية التي تركز على القيم الإنسانية الشاملة.

بدأت بمتابعة القناة قبل ابنتي، وذهلت حينها بمضمون القناة؛ كانت القناة الوحيدة التعليمية والتربوية التي تركز على القيم الإنسانية الشاملة. أكثر ما لفت انتباهي حينها مسلسل كرتوني يتناول يوميات فتاة جميلة مصابة بمتلازمة داون. لا أذكر أنني تابعت خلال طفولتي أي برنامج تلفزيوني يتحدث عن الإعاقة، شعرت أخيرًا أنني وجدت واحة الأمان أمام شاشة التلفزيون، من اليوم وصاعدًا لن أقلق من برامج الأطفال التلفزيونية.

«تيلا وتولا»، و«ساحة المرح»، و«حكايات العم مصلح»، و«الأوفياء يحمون كوكب الأرض»، و«كوني»، وغيرها الكثير من البرامج المميّزة، أدّت إلى تعلق ابنتي بالقناة وكذلك أنا، ومن بعدها تعلق ابني البالغ من العمر اليوم عامين ونصف. إلى أن جاء الأول من نيسان 2016، عندما قررت شبكة BeIN المالك الجديد للقناة تشفيرها، وجعلها مقتصرة على من يستطيع أو يريد الدفع.

هكذا وبكل بساطة بعد سبع سنوات من إطلاق القناة، وتعلّق ملايين الأطفال العرب وأهاليهم بها، ترجح كفة المال على كفة التربية والإيمان بتنشئة الأجيال.

لا أعرف حقيقة، إن كان لدى القناة أو مالكها القديم مشاكل مادية دفعته لاتخاذ القرار، لكن ما أعلمه جيدًا أن بعض الأنظمة العربية في السنوات الأخيرة دفعت مليارات الدولارات لتمويل الحروب في المنطقة، والتي ذهب ضحيتها ملايين الأطفال العرب بين قتلى، وجرحى وأيتام ولاجئين ومحرومين من التعليم وضحايا للزواج المبكر وعمل الأطفال. لكن هذه الأنظمة لا ترغب في الاستمرار بتمويل القناة العربية الوحيدة التي كان من الممكن أن تساهم في نشأة جيل عربيّ مؤمن بالإنسانية، يعرف معنى الحب والتسامح وقبول الآخرين مهما كان شكلهم أو ثقافتهم أو ظروفهم.

ذهبت براعم ولم يبق للأطفال العرب سوى قنوات تدعو للعنف، أو أخرى تعتمد الموسيقى الصاخبة أو أخرى تقتصر على مخاطبة فئة دينية واحدة تحصر فكر الطفل في مكان ومحيط محدد.

شخصيًا، قد أكون قادرة على دفع بضعة دنانير لإضافة باقة تلفزيونية تضم قناة براعم و«ج»، لكنني لن أفعل ذلك. لن أساهم في هذه المهزلة التي أصبحت بها أحلام الأطفال بعالم جميل أمرًا يتطلب الدفع.