قبل أن يصل المتعطلون عن العمل إلى عمّان

الإثنين 18 آذار 2019
من اعتصام متعطلي معان أمام الديوان الملكي. تصوير يزن ملحم

ارتبك الرأي العام في العاصمة والمدن في نظرته لظاهرة مسيرات المتعطلين عن العمل التي قصدت الديوان الملكي للمطالبة بفرص عمل ذات أمان وظيفي. وبدا السؤال التالي -عن بعد- منطقيًا: هل يجوز لفئات محددة أن تطالب بفرص عمل بهذه الطريقة، بينما تشمل البطالة حوالي 300 ألف مواطن ومواطنة؟

لقد انتهى المشهد الأول من الظاهرة (مسيرة متعطلي العقبة) بسرعة، بعد استقبال رئيس الديوان للمتعطلين، وتقديم تعهد بالاستجابة لمطلبهم، وإحضار حافلات أعادت الشباب إلى حيث أتوا. وبدا الأمر احتفاليًا إلى حد كبير، فقد غطته وسائل الإعلام بنشاط، من خلال تقارير استمرت مع المسيرة طوال الطريق. والآن إذا وضعت على محركات البحث على الإنترنت عبارة «متعطلي العقبة»، فإنك ستعثر على مئات المواد المكتوبة، وعلى عشرات الفيديوهات التي بُثت على مدار أربعة أيام وانتهت بتصوير مشهد الاستقبال داخل أسوار الديوان مع كلمة رئيس الديوان الموجهة لهم.

لكن المشهد التالي كان أكثر تعقيدًا، أي مسيرة متعطلي معان والبادية الجنوبية. فقد استمر المشهد عشرين يومًا، منها سبعة عشر على شكل اعتصام متواصل على مدار الساعة، ومن المرجح أنه الأطول من نوعه في تاريخ الاحتجاجات المحلية. وقد ضاعف من فرادته الظروف الجوية التي رافقته، حيث شهدت العاصمة أقوى منخفض جوي من حيث كمية الأمطار خلال الموسم، فيما أمضى المتعطلون ساعات اعتصامهم في العراء.

لقد انتهى الحدث باتفاق من نوع خاص، حيث وقع ممثلو المعتصمين وثلاثة من وجوه معان ورجال الأعمال فيها اتفاقية تقضي بإنهاء الاعتصام على أن يضمن الرجال الثلاث أن تجد الحكومة وظائف لحوالي 750 اسمًا مرفقًا ينتمون إلى معان والبادية الجنوبية، ويلتزم رجال الأعمال الثلاثة بدفع مبلغ 200 دينار شهريا لكل متعطل لم يحصل على عمل بحلول 13 نيسان المقبل. وبالطبع، فإن الاتفاق يشتمل على تفاصيل أخرى، فهو جاء حصيلة مفاوضات شاقة، وبعد فشل اقتراحات أخرى سبقته.

هذا المقال سيتناول الحدث من زوايا نظر ربما لم تنل حقها من النقاش العام حول الموضوع. وقد يكون من المفيد الإشارة مسبقًا إلى أنني بنيت الملاحظات التي سترد هنا، على متابعات مختلفة، بعضها للحدث ذاته حيث أمضيتُ ما يزيد على ثلاثين ساعة مع المعتصمين توزعت على كل أيام الاعتصام، فضلًا عن لقائين أجريتهما مع المشاركين أثناء المسيرة، الأول في منطقة السلطاني، ثم ليلا في بلدة القطرانة حيث بات المعتصمون ليلتهم الثانية في أحد المساجد هناك، إضافة إلى بحث ميداني في حال التنمية والفقر في المنطقة التي يقطنها أغلب المعتصمين، فقد أقمت قبل أربعة أعوام لمدة أسبوع في كل من معان وقضاء مريّغة (إحدى مناطق سكن الحويطات)، وهذا ما أتاح لي فرصة التعرف مسبقا على «مَظْلمة» المتعطلين في هذه المناطق، قبل حضورهم إلى العاصمة.

أبعد من «إيصال رسالة»

تكرّس في السنوات الأخيرة مفهوم «الحراك» للإشارة إلى مجمل الأنشطة الجماهيرية التي تمارس تحت عناوين المطالب الديمقراطية والإصلاحية وغير ذلك مما يتصل بالحريات العامة. وبمجرد أن بدأ اعتصام الديوان، اختلف الرأي العام في النظرة إليه، وحصل قدر من الارتباك في أوساط «الحراكيين» وقد عبر بعضهم عن شجبه للاعتصام، او اعتباره تحركًا فئويًا غير محق، وغير ذلك من تقييمات. لقد تفاجأ الحراكيون بأن هؤلاء المعتصمين أعلنوا استقلالهم عن الحراكات وعن الأحزاب وعن مجمل المطالب السياسية.

لم يكن لدى هؤلاء الحراكيين إدراك واضح بأن قضية هؤلاء الفقراء ليست قضية رأي أو تعبيرٍ عن الرأي. إن الأمر هنا يتعلق بالحياة والعيش والبقاء. إنهم لم يحضروا لكي «يوصلوا رسالة» بل جاءوا يطلبون الحصول على فرصة عمل تتيح لهم تحصيل الرزق. ففي الواقع، هم يحددون مطلبهم ماليًا كالتالي: فرصة عمل براتب 250- 300 دينار. والمشهد التالي دليل على ذلك: في اليوم الثاني للاعتصام، حضر أحد المسؤولين برفقة عدد من رجال الأمن وطالب المعتصمين بإخلاء أحد المواقع، فجادلوه وردوا عليه، وصاح به أحدهم: «إنت راتبك 700 نيرة ومش حاس بينا!». حين أراد المبالغة، كان مبلغ 700 دينار أبعد رقمًا استطاع ضربه.

قضية هؤلاء الفقراء ليست قضية رأي أو تعبيرٍ عن الرأي. إن الأمر هنا يتعلق بالحياة والعيش والبقاء.

في إحدى الليالي حضر أربعة شباب لزيارة المعتصمين، وعند وصولهم، ولما لاحظ المعتصمون أن هناك ضيوف، اقتربوا منهم مرحبين، ولكن ما ان أعلن احدهم أنهم يمثلون حزبًا، حتى تغير المشهد كليًا، فقد رفضوا السماح له بالحديث كحزبي، وبكل أدب قبلوا رأسه، وأبلغوه أنه مشكور كمواطن، ولكنهم لا يريدون أن يكون اعتصامهم منبرًا للعمل الحزبي.

إن هذه الملاحظة تستدعي تذكير الحركات السياسية المنظمة بمعنى التضامن عندما يتعلق الأمر بأصحاب مظلمة معينة، لقد ظهر بعض النشطاء في العمل الحزبي والسياسي، وكأنهم يريدون إخضاع الآخرين لـ«المسطرة» المعتمدة في عملهم المنظم، بينما يتعين على المتضامن، عندما يقرر التضامن، أن يخضع لشروط ومتطلبات مَنْ يتضامن معه.

رفض الشباب المعتصمون أشكال الدعم التي رأوها تمس هدفهم وشخصية تحركهم، مثل عرض فرص المبيت أو قبول دعوات طعام خارج موقع الاعتصام، وبالمقابل نظروا بتقدير إلى الجهات التي استضافتهم في موقعهم، فذلك يندرج في سياق «معرفة الواجب» أو حسن الاستقبال.

فقر المركز وفقر الأطراف

تعد محافظة معان الأعلى فقرًا وفق الإحصاءات الرسمية، بنسبة فقر حوالي 27% (المملكة 14.4% والعاصمة 11.4%) وتضم 8 جيوب فقر من أصل 27 جيبًا على مستوى المملكة.

إن خارطة الفقر في الأردن تشير عمومًا إلى ارتفاع نسبته في الأطراف بعيدًا عن العاصمة والمدن الكبيرة، وعند ملاحظة عنصر الكثافة السكانية المنخفضة في الأطراف، فإن عدد الفقراء النسبي يكون قليلا، غير أنه يعني بالمقابل أن قسوة الفقر في الأطراف تختلف عنها في المدينة.

في المدن، يتيح العمل في القطاع غير الرسمي، العديد من فرص تحصيل الرزق وهو أمر لا يتحقق في الأطراف، وتكاد فرص العمل غير الرسمي المنتشرة في المدن، وخاصة في مجال البيع والتصنيع المنزلي أو إعادة التدوير، تكون معدومة في القرى والبلدات والتجمعات السكانية، فضلًا عن أن البيئة الاجتماعية الثقافية تُصَعّب من العثور على فرصة في هذا القطاع.

لهذا فإن فرص العمل في منطقة مثل محافظة معان، خارج القطاع المنظم الرسمي (الحكومي والخاص) تنحصر في ميادين عشوائية يومية ومؤقتة بالكامل، مثل العمل مع متعهدي أعمال الإنشاءات، أو العمل في الأسواق في التحميل والتنزيل، أو الفرص المتاحة -عند الحاجة- في بعض المنشآت الكبيرة التي تحتاج لأعمال فرعية مثل التنظيف أو الحراسة المؤقتة وغيرها.

طرق المعتصمون هذه الأبواب جميعها ومارسوها، ولكنها رغم السنين لم تشكّل لهم فرصة عمل منتظمة تمكّن أيًا منهم من الحد الأدنى من الاستقرار. ولهذا فإن مطلبهم الذي أطلقوا عليه مسمى «وظيفة رسمية»، يعني بالنسبة لهم، وبالدرجة الأولى، انتظام العمل، وليس الوظيفة الحكومية كما فُهم الأمر عند قطاعات كبيرة من المتابعين من خارج مجتمع المحتجين.

تعد معان والبادية الجنوبية مجتمعًا اقتصاديًا واحدًا، فالمدينة تاريخيًا هي سوق المنطقة المحيطة، ثم أصبحت مركزًا إداريًا يرتاده السكان في كل المحافظة. ومنذ أكثر من عقدين، شهد مصدر الرزق الأساسي لغالبية سكان البادية الجنوبية الذي كان يعتمد على تربية الحلال، تراجعًا كبيرًا أثّر بدوره على حال السوق في معان المدينة التجارية منذ نشأتها.

يحفظ المتعطلون أسماء عشرات الشركات الكبيرة التي أنشئت في المنطقة وتعمل في مجال التعدين والكيماويات والتصنيع، ولدى كل متعطل من القصص ما يكفي عن تفضيل العمالة الأجنبية على المحلية فيها. وتميل بعض الشركات الكبرى، وتحت مسمى «العلاقة مع المجتمع المحلي»، إلى إنشاء علاقات مع شخصيات أقرب إلى «الزبائن» الذين يوفرون لأصحاب الشركات خدمة رضى المجتمعات المحلية وسكوتها.

ورغم أن مفهوم ثقافة الفقر (الذي يشير إلى ظاهرة يصبح فيها الفقر مولدًا للفقر، مما قد يدخل المجتمعات المحلية في دائرة مغلقة) قد انتشر على نطاق بحثي وإعلامي أحيانًا، إلا أن هذه الظاهرة غير موجودة في الأردن بدرجة مقلقة، مع توفر بعض الحالات التي أخذت تتكون فيها أنوية لهذه الظاهرة في المدن وفي بعض المناطق الطرفية. إذ لا توجد مجتمعات فقر أغلقت حول نفسها سورًا ثقافيًا أو اجتماعيًا، بمعنى قاطعت المؤسسات الرسمية. فلا يزال الفقراء ينشدون الخدمات التي تقدمها الدولة وخاصة في قطاعي التعليم والصحة، وهما القطاعان اللذان يمثلان عصب العملية التنموية على مستوى العالم كله.

في الأردن، يعتقد المواطن الذي يقطن في أبعد المناطق أنه قادر على إيصال شكواه إلى رأس الهرم في الدولة. لقد قابلت شابًا قادمًا من أحد الأودية اسمه «حدرج» يقع إلى الشرق من بلدة الجفر بحوالي 140 كيلومترًا، حيث يقيم مع عدد من رؤوس الإبل هي كل ما تبقى لعائلته من ثروة حيوانية، بعد أن باعوا الماشية تحت ضغط ارتفاع تكلفة الأعلاف وقلة المردود، وعندما سألته عن سر الحفاظ على الإبل وبيع الماشية مع أن الأخيرة تشهد طلبًا أعلى في السوق، أجاب بأن والده وأعمامه لم يحتملوا بيع الإبل لأنها من ميراث الجد، وحافظوا عليها كقيمة اجتماعية بالدرجة الأولى، وهو اليوم يقصد الديوان الملكي لحل مشكلته، ما يعكس درجة من الاعتراف به كمؤسسة رسمية لم يُغلق باب التواصل معها.

الجيل الثاني من محتجي الجنوب

حضرت معان والجنوب إلى النقاش العام بقوة في عام 1989 إثر ما صار يعرف بـ«هبة نيسان» التي انطلقت من معان وامتدت إلى المناطق القريبة. وقبل ذلك كانت غائبة نسبيًا باستثناء حضور قوي حصل عام 1966 عندما داهمت سيول المياه المدينة ودمرت العديد من مساكنها وقتل فيها أكثر من 100 شخص وفق تقرير رسمي صدر حينها.

أهل المنطقة التي بادرت للهبة التي كان من نتيجتها أن دخل الأردن في مرحلة جديدة سميناها مرحلة التحول أو الانفتاح الديمقراطي (..) لم ينلهم شيء من الناتج الإيجابي لهذه العقود الثلاث.

بعد 1989 سجلت المدينة حالات حضور ارتبطت أيضًا ببعض الأحداث، أبرزها عام 2002 في عهد حكومة علي أبو الراغب عندما حوصرت المدينة بالكامل وجرى تفتيش بيوتها بيتًا بيتًا. وخلال العقود الثلاثة الماضية ارتبطت المدينة بعنوانين: الأول يتحدث عن مشكلة تنموية والثاني عن مشكلة أمنية. وقد تنوعت التدخلات الرسمية خلال ثلاثين عامًا وفق العنوان الذي يقع عليه الاختيار.

وفي عام 2003، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية ما يمكن اعتباره أبرز التقارير في هذا الموضوع، بعنوان «معان أزمة مفتوحة»، ومن المؤسف حينها أن الحكومة رفضت الاعتراف بأهمية العنصر التنموي المفتوح، ومالت إلى المدخل الأمني، وقد تكرر ذلك عدة مرات، وأدى في المحصلة إلى نشوء فئة اسمها «أصحاب القيود الأمنية»، التي تحولت إلى ملف للأسر بأكملها! وهي ظاهرة جديدة في الأردن، وقد كانت هذه المسألة واحدة من أهم القضايا التي طرحها المعتصمون أمام الديوان.

ببساطة يمكن الاستنتاج أن المحتجين هذه الأيام هم أبناء جيل محتجي عام 1989، بافتراض أن من كان منهم في العشرينات وتزوج في عقد التسعينات فإن أولاده الآن في العقد الثالث، وهو العمر الذي ينتمي إليه أغلب المحتجين أمام الديوان.

هذا يعني أن أهل المنطقة التي بادرت للهبة التي كان من نتيجتها أن دخل الأردن في مرحلة جديدة سميناها مرحلة التحول أو الانفتاح الديمقراطي، والذين قدموا ضحايا نظر إليها المجتمع بتقدير عالٍ، لم ينلهم شيء من الناتج الإيجابي لهذه العقود الثلاث.