شجرة ومغارة وقمح: كيف تحوّلت رموز عيد الميلاد

شجرة ومغارة وقمح: كيف تحوّلت رموز عيد الميلاد

الأحد 24 كانون الأول 2017

تصوير معاوية باجس

عندما يستذكر بطرس حمارنة (92 سنة) احتفالات عيد الميلاد في طفولته المبكرة التي كانت في قرية بيت جالا، القريبة من مدينة بيت لحم، يقول إنه لم يكن هناك شجرة ولا مغارة، وهما الرمزان المرتبطان منذ سنوات طويلة باحتفالات الميلاد في المنطقة. العيد وقتها، كما يقول، كان يمارس في محيطه عبر طقوس ثلاثة: حضور القداس في الكنيسة، العودة للبيت وتناول «الأكلات الكويسة»، التي غالبا ما تكون الدجاج، وخبز الطابون و«الهيطلية»، ثم الذهاب في زيارات للأقارب والجيران.

بطرس الذي ولد في مادبا، مسقط رأس والده، كان في الثانية من عمره عندما هدم زلزال العام 1927 بيتهم الطيني، فحملته أمه، التي كانت قد ترملت بعد سنوات قليلة من زواجها، حملته وأخته الكبرى فكتورية، ولجأت إلى عائلتها في فلسطين. لهذا أمضى طفولته ومطلع شبابه هناك. وعندما عاد إلى مادبا في العام 1948، كانت رموز مثل الشجرة والمغارة قد بدأت تصبح جزءًا من احتفالات بيوت أبناء طائفتي البروتستانت والكاثوليك، أي أتباع الكنائس الغربية. في حين أن قلة من أتباع الكنيسة الشرقية، وهم الروم الأرثوذكس، الذي ينتمي هو ومعظم مسيحيي الأردن إليهم، كانوا يضعون، كما يقول، شجرة أو مغارة.

الآن، يضع بطرس، مثل البقية، الشجرة، في كل عيد، في حين تتولى ابنته، سمر، عمل المغارة التي تضم شخصيات تروي قصة الميلاد، وهي الطفل يسوع في المذود، الملائكة ومريم العذارء ويوسف، الرعاة والحيوانات التي أحاطت به لتدفئه ليلة ولادته، النجمة والمجوس الذين اهتدوا بنورها إلى المسيح.

لكن الاحتفاء بالمغارة بوصفها أحد رموز العيد، تراجع خلال السنوات الماضية بشدة، كما تقول سمر، في حين صمدت الشجرة بل وتمددت لتصبح جزءًا من احتفال الكثير من غير المسيحيين بعيد الميلاد والسنة الجديدة.

يؤكد أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية والمتخصص في علم اللاهوت، الدكتور جورج الفار، حقيقة ارتباط شجرة الميلاد والمغارة بالكنيسة الغربية، ويقول إن من بناها هو القديس فرنسيس الأسيزي، الذي كان يقوم بعمل مغارة حيّة، فيأتي بحيوانات ويمثل هو ورهبانه قصة ميلاد المسيح حول العام 1200م. ثم انتقلت الفكرة إلى المنطقة بواسطة اللاتين في القرون الوسطى: «نحن معظم شعبنا أرثوذكس، ولم يكن يعرف المغارات. لكن بعض الكنائس اللاتينية بدأت بعمل مغارات، وانتقلت منها إلى بعض البيوت اللاتينية. أما الأرثوذكس فلم يعملوا مغارات في الماضي. القليل منهم فقط فعل ذلك بتأثير غربي».

الشجرة، بحسب الفار، تذهب أبعد في التاريخ، إذ تمتد أصولها إلى ما قبل المسيحية في الحضارة الرومانية، عندما كان الرومان يحتفلون بعيد ميلاد الشمس يوم 25 كانون الأول، وهو اليوم الذي يصادف الاعتدال الشتوي. الشجرة في هذا العيد، بحسب الفار، كانت رمزًا احتفاليا بالحياة التي تبدأ مع الشتاء، فكان الناس يشترون ملابس جديدة يعلقونها ليلة العيد عليها، وينزلونها صبيحته ويرتدونها. هذا بحسبه كان 300 قبل الميلاد تقريبًا، لكن هذه العادات حُملت إلى المنطقة عام 70 قبل الميلاد، عندما اجتاح الرومان فلسطين والأردن وسوريا الكبرى.

أما إضاءة الشجرة فهي على الأغلب، كما يلفت الفار، فحصلت بتأثير من «الهانوكا» أو عيد الأنوار اليهودي، الذي يأتي قبل عيد الميلاد ويضاء فيه الشمعدان. ما حدث، وفق الفار، هو أن المسيحية جاءت ووجدت هذه العادات، فلم تلغها بل «مسحنتها»، أي أضفت عليها طابعًا مسيحيًا، واستخدمت الشجرة للمعنى نفسه، أي بوصفها رمزًا للحياة.

لكن الرمزية الدينية، تكافح أكثر فأكثر في وجه ما تقول ريما بعارة، إنه «التسليع» الذي تعرضت له هذه الرموز خلال السنوات الماضية. تعمل ريما منذ 33 سنة معلمة فن في المدرسة الوطنية الأرثوذكسية، وتنخرط في كل موسم أعياد لا في تزيين المدرسة فقط، بل في التطوع لعمل مغارات في بيوت صديقاتها. تقول ريما إن تحولات كبيرة طرأت في ما يتعلق بهذه الرموز، ففي حين كانت تُصنع في البيوت بمستلزمات بسيطة، صارت تعتمد بشكل كبير على البضائع المستوردة المكلفة: «كانت المغارات مثلًا تصنع من الورق البني المرشوش بألوان تجعله شبيهًا بالصخور، ويوضع داخلها مجسمات بلاستيك من التي تباع للأطفال. الآن دخلت تماثيل كبيرة، يمكن أن يصل ثمن الواحد منها إلى 200 أو 300 دينار. حتى تماثيل الملائكة الصغيرة، يصل ثمن بعضها إلى 50 دينارًا. وأساسًا لم يعد هناك كثيرون يهتمون بعمل المغارات، وكثيرون يشترونها جاهزة». أما الشجرة، فتقول إنها كانت تزين في الماضي بالورق الملون، والآن تغرق الأسواق بأشكال لا متناهية من أنواع الشجر والزينة ما حوّلها في كثير من الأحيان «من رمز ديني يعبّر عن روح العيد إلى مجال للتنافس والمباهاة».

تَحوُّل الاحتفال بالعيد إلى نوع من «البزنس» ترافق، بحسب سمر، مع طول فترة التحضير له، ففي حين كان تزيين الشجرة يتم دائمًا ليلة العيد، تقول إنه من عشر سنوات أو أكثر، صارت تضاء ابتداءً من الأول من كانون الأول. يؤكد ذلك ناصر نصّار، وهو صاحب مكتبة في عمان، تبيع، منذ 38 سنة، مستلزمات الاحتفال بالأعياد. يقول نصار، إن موسم عرض البضائع في المكتبة كان يبدأ في العادة بداية تشرين الثاني، لكن من سنوات بدأ الناس يطلبونها مبكرًا أكثر فأكثر، لأن موسم الاحتفاء بالعيد بدأ يطول. والمكتبة الآن تبدأ الموسم ابتداء من أول أيلول، «قبل حلول كانون الأول تكون كل البيوت قد استكملت شراء مستلزمات الاحتفال. نحن نواصل العرض فقط لأن هناك بعض المطاعم أو المقاهي لا تكون قد زينت بعد».

وبحسب نصّار، فإن أسعار الشجر يتفاوت حسب النوعية والحجم، الأشجار المعروضة لديه تدور في المتوسط حول المئة دينار، لكنّه يقول أن هناك شجرًا ضخمًا يباع للفنادق يزيد ثمن بعضه عن 800 دينار

بعد أن كان نصار يستورد الأشجار من بريطانيا، يقول أنه وخلال العشرين سنة الماضية تحوّل باتجاه بلدان شرق آسيا. لكن المغارات التي تبيعها المكتبة مصنوعة محليًا، ويأتي بها من جاره، محمد أكرم، الذي يعمل في محل أثاث مكتبي بجوار المكتبة. يقول محمد إنه بدأ بصنع المغارات يدويًّا من الخشب قبل أربع سنوات تقريبًا، وهو يسوّقها للمكتبات، وفي البازارات، كما يفصّل أحيانا مغارات حسب الطلب لأفراد: «المواسم تختلف من سنة إلى أخرى، في سنة وصل العدد إلى 100 مغارة. هذه السنة صنعت بالضبط 78 مغارة».

ليست المغارة هي الطقس الوحيد الذي يبدو أنه ينحسر، تشير سمر وريما إلى طقس ديني آخر ينحسر هو زراعة الحبوب، بشكل أساسي القمح، في صحن على قطعة من القطن ووضعها بعد أن تنبت تحت الشجرة. تقول سمر إن الزراعة تتم في عيد البربارة الذي يصادف الرابع من كانون الأول، وهو اليوم الذي يصادف، وفق القصة الدينية، هروب القديسة بربارة، التي نِشأت في بيت وثني، لكنها اعتنقت المسيحية، وأثناء هروبها ممن كانوا يسعون لقتلها، اختبأت في حقل قمح، فنما القمح في معجزة في غير موسمه لكي تخبئها السنابل عن مطارديها.

هذا الطقس، كما يشير الفار، يرمز لدورة الحياة والطبيعة، وهو تمجيد للقوت الأساسي للإنسان، وله الامتدادات الأسطورية ذاتها في الديانات السابقة والسرديات الكبرى في ما بين النهرين، وهنا أيضًا جاءت المسيحية، وأعطته معنى مرتبطًا بعيد الميلاد، لكنه في الأصل ليس مسيحيًّا. ووفق الفار، هذا الطقس يؤول للتلاشي لأن «الأسواق باتت تعج بأنواع أخرى أكثر حداثة للزينة، إضافة إلى أن الأمر لم يعد كما كان في الماضي، ففي عصر يشتري فيه الناس خبزهم من الأفران، لم يعد هناك قمح في البيوت».