أخبار الجرائم: الحكم قبل المحاكمة

السبت 25 تموز 2015

قبل خمسة أعوام، أعلن مدير شرطة مادبا آنذاك إلقاء القبض على سيدة «قتلت» جارتها الثمانينية وسرقت مصاغها الذهبي لتبيعه بـ 280 دينارا، معتمدا في تصريحه على اعترافات السيدة أمام رجال الشرطة. معلّقون على الخبر على المواقع الإخبارية طالبوا بعقابها أشد العقاب.

بعد عامين من المحاكمة، برأت محكمة الجنايات الكبرى السيدة من تهمة القتل لعدم توفر دليل، معتبرة أن الإفادة التي أدلت بها المتهمة أمام الشرطة جاءت تتنافى والمنطق، ذلك «أن اللغة والعبارات في صياغة الإفادة تتنافى تماما مع تحصيل المتهمة العلمي.. مما يدل على أن المحقق كان يقوم بالصياغة ويحاول أن يطابق الأقوال مع تقرير التشريح (…) و من الواضح تأثر المحقق بمشاهداته من مسرح الجريمة»، بحسب ما جاء في قرار المحكمة.

هذه القضية مثال من ضمن عدة قضايا تستند فيها البيانات الصادرة عن المكتب الاعلامي للأمن العام على  التحقيق الأوّلي، بما في ذلك اعترافات المتهمين. وتُرسل البيانات لوسائل الاعلام كحقائق مثبتة، تنشرها كما هي وتتسابق في الوصول إلى مزيد من التفاصيل عن الجرائم ونشرها، بما في ذلك أسماء وصور المتهمين. وتصل الأخبار إلى جمهور فضولي يصدر أحكامه وينقسم حول القضايا، ليعود الإعلام ويتلقفها تحت عناوين عريضة، مثل قضايا تشغل «الرأي العام» أو «شبكات التواصل الاجتماعي». وكل ذلك قبل أن تصل إلى المحكمة ويصدر قرار إدانة أو تبرئة المتهم. وخلال دوامة بيانات الأمن-الإعلام-الجمهور-الإعلام-بيانات-إلخ، تضيع حقوق المتهمين أو الضحايا في الخصوصية والحماية من الضرر.

بيانات الأمن تدين المتهم وتحسم قضايا قد تنظر فيها المحاكم لسنوات

في قضية تَغيّب فتاتين عن منزلهما في حزيران الماضي، استندت مديرية الأمن العام ووزارة الداخلية في بياناتها الصحفية إلى إفادة الفتاتين القاصرتين، وصدر عن الأمن ثلاثة بيانات، تضمن الأول تفاصيل قد تضر بسمعة الفتاتين عندما أكد «العثور عليهما في شقة برفقة شخص.. وبالتحقيق معهما أفادتا بأنهما خرجتا من منزل  ذويهما دون إجبار أو اكراه». وتضمن البيان الثاني اعتذاراً عن البيان الأول «إن أسيء فهمه» ورد على اتهامات أهل إحدى الفتاتين بأنهما كانتا مختطفتين وتضمن المزيد من التفاصيل، موضحًا كيفية خروجهما من المنزل «واستعانتهما بشخص التقتاه مصادفة من أجل مساعدتهما بعد تأخرهما عن المنزل وطلبتا منه التقاط صورة تظهر تعرضهما للأذى والخطف من أجل تبرير غيابهما». وصدر بيان ثالث عن وزارة الداخلية تضمن معلومات جديدة عن أن «الفتاتين تعرضتا للتغرير من قبل أحد الأشخاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وهو ما يتعارض مع ما جاء في البيان السابق عن أنهما «التقتا الشخص مصادفة». وبذلك ساهمت البيانات المتسارعة خلال يومين في خلق قضية انشغل بها الرأي العام وساهمت في الإضرار بسمعة القاصرتين التي نشرت وسائل الإعلام صورهما واسميهما كاملين.

في قضية أخرى بداية العام الماضي، قُتلت عاملة آسيوية في السلط، وألقت الأجهزة الأمنية القبض على «القاتل»، وكان مصري الجنسية وفقًا للخبر الذي أفاد به مصدر أمني لصحيفة الغد. ثم بعد عشرة أيام صدر بيان آخر عن  الأمن العام نص بأن مرتكبي الجريمة هما اثنان من الجنسية البنغالية، استنادًا إلى اعترافاتهما. لكن محامي الدفاع طعن بهذه الاعترافات وطالب بإسقاطها من بيّنات النيابة لأن المتّهمين لا يتكلمان العربية ولم يكن هناك مترجم لهما أثناء إفادتهما أمام الشرطة، بحسب ما جاء في مرافعته الدفاعية أمام المحكمة التي ستُصدر قرارها في أيلول المقبل.

تحرّك هذه البيانات حملات رأي عام تطالب بإعدام «القاتل» حتى قبل بدء محاكمته

وعن «لاجئة سورية» اتهمت بقتل ابنها، نشر الإعلام خبر الجريمة بالاستناد إلى اعتراف السيدة أمام الشرطة أنها حقنته بمادة البنزين، لكن محكمة الجنايات الكبرى أخلت مسؤولية الأم عن قتل ابنها لأن تقرير الطب الشرعي نفى وجود أي مادة كيميائية في جسد الطفل.

قضايا أخرى ما تزال منظورة أمام المحكمة، إلا أن الإدانة بتهمة «القتل» وقعت على المقبوض عليهم في  البيانات الصادرة عن الأمن ليعززها الإعلام، فهذا متهم يعترف بقيامه بقتل رجل خمسيني في إربد، وذاك شاب يعترف بقتله سائق تكسي في تلاع العلي، وآخر يجزم أنه هو من قام بإلقاء حجر أدى لوفاة أحدهم في مشاجرة، فيما يعترف شاب آخر بقتله زميله لخلاف بينهما، قبل أن ينشر الإعلام اسم وصورة الضحية وأسباب الجريمة، نقلا عن «مصادر مقربة من التحقيق». وبذلك تحرّك هذه البيانات حملات رأي عام تطالب بإعدام «القاتل» حتى قبل بدء محاكمته، متجاهلة القوانين الناظمة لمنع التأثير على سير العدالة، والتي تمنع نشر أي وثائق من التحقيق قبل بدء المحاكمات، والأهم، تلك التي تنص على براءة المتهم الى أن  تثبت إدانته.

الجدول التالي يبيّن عددًا من القضايا التي رصدتها «حبر»، وفيها نشر الأمن العام بيانات أو سرب «مصدر أمني» أخبارا عن القبض على «الفاعل» واعترافه بالقيام بالفعل، وبعد متابعتها قضائيًا برأت محكمة الجنايات الكبرى المتهمين مع عدم الأخذ باعترافاتهم لأسباب عدة.

T_Sheet1-01

بين الحق بالمعرفة وانتهاك القانون

يجد الدكتور باسم الطويسي، عميد معهد الإعلام الأردني، أن «معظم بيانات الأمن العام اتسمت طيلة الفترة الماضية بالمحافظة والاقتضاب، بحيث تورد معلومات أولية لوصف الوقائع بدرجة عالية من الحياد دون الإفصاح عن الهوية، مع ابتعادها عن وجهات النظر واحترامها للمصلحة العامة».

ويشير الطويسي إلى «معايير أخلاقية يجب أخذها بعين الاعتبار في كتابة بيانات الأمن العام»، مشددًا على حق الجمهور في معرفة الوقائع، على أن «لا تسيء البيانات الصادرة بشكل مباشر أو غير مباشر لكرامة الأفراد وسمعة الأسر أو توجيه الإتهامات قبل المحاكمة».

ليس من الصعب رسم صورة عامة للبيانات الأمنية، التي يستهلها المكتب الاعلامي بجملة عامة عن مضمون البيان، ومن ثم رواية القصة الأمنية. فينشر الأمن القصة منذ لحظة ورود المعلومة بوجود جريمة إلى حين إحالتها للمدعي العام، مرورا بالجهود المبذولة في الاستدلال على الفاعلين والقبض عليهم وأخذ اعترافاتهم، وفي بعض الأحيان تتضمن البيانات عبارات مقتضبة عن سبب الجريمة أو تفاصيل ارتكابها.

في الأمثلة التالية اقتباسات من بيانات أمنية تضمنت توضيحا لتفاصيل ارتكاب جريمة او أسبابها:

T_Sheet1-02

لا يجد الطويسي في الأمثلة السابقة الواردة من بيانات الأمن العام الرسمية ما يشكل مخالفة أخلاقية أو قانونية، طالما أنها تتحدث عن جرائم وقعت بالفعل واعترافات للمقبوض عليهم، إلا في حال كانت القضية معروفة للرأي العام ونشر الإعلام أسماء أو معلومات تدل على هوية أحد أطرافها «فإن في تلك البيانات مخالفة  أخلاقية لا قانونية، لأن في ذلك مساس بسمعة الأسر»، عدا ذلك يؤكد الطويسي أن تلك البيانات تخدم حق الناس في المعرفة.

يختلف يحيى شقير، الصحفي المتخصص بالقوانين الإعلامية، مع الطويسي، موضحًا أن العديد من بيانات الأمن العام تحتوي على عبارات تشكل انتهاكا واضحا للقانون، بالأخص تلك التي تورد أسباب ارتكاب الجريمة نقلا عل لسان المشتبه بهم.

ولا ينكر شقير حق الجمهور في المعرفة، بالأخص في الجرائم التي تحظى باهتمام الرأي العام، على أن لا يكون ذلك مبررا لانتهاك القانون أو على حساب الدقة الصحفية.

ويتحفظ الطويسي على ورود  توصيفات مثل «الجريمة البشعة» في أحد بيانات الأمن، معتبرا أن «الجريمة هي جريمة، وتوصيفها قد يدخل الخطاب الاعلامي في التحيز».

ويجد شقير أن العبارات المأخوذة من إفادة المشتبه به حول أسباب الجريمة وان اقتصرت على جملة «خلافات شخصية بينهما» تدخل ضمن «وزن البينات» الذي يقع في اختصاص المحكمة فقط لا النيابة العامة أو الضابطة العدلية، «بالأخص أن الاعتراف لم يعد سيد الأدلة».

بيانات الأمن في الإعلام

«البيانات التي تصدرها دوائر العلاقات العامة في الأجهزة الأمنية لا تعفي وسائل الإعلام من مسؤوليتها»، يقول شقير، استنادا إلى المادة 37 من قانون المطبوعات والنشر التي تنص على «معاملة المادة الصحفية المقتبسة أو المتضمنة معاملة المادة المؤلفة أو الأصيلة».

«لا يوجد ما يسمى بصحافة الجرائم في الأردن»، يقول الطويسي، موضحًا أن ما تقوم به الصحافة حاليًا هو نقل للبيانات الأمنية فقط، «دون التحقق أو المتابعة أو حتى التحرير لتلك البيانات».

في عام 2011 نشرت المواقع الإخبارية خبرًا نقلته عن صحيفة الدستور، عن توقيف مدعي عام الجنايات لحدثين بتهمة قتلهما والدهما، فجاء العنوان على المواقع الاخبارية «حدث يقتل والده بتخطيط من أمه المطلقة وبالاشتراك مع شقيقته»، وشرح الخبر -عن مصدر غير معرف- كيف خطط «الابن القاتل» للتخلص من والده ثم جدته، بعدما «حاكت الأم المطلقة خيوط الجريمة» وأسهب الإعلام في تفاصيل «الجريمة» ونشر معلومات عنها مبنية على اعترافات الفتى، قبل بدء جلسات المحاكمة.

بعد عامين، برأت المحكمة كلا الشقيقين من جريمة «قتل بلا قتيل» نظرا لوفاة الأب بشكل طبيعي، واعتبرت القضية كيدية، فتوجهت صحيفة الغد للقاء الشقيقين ومعرفة تفاصيل الحادثة، ليصفا مطولا حجم التعذيب الذي تعرضا له كي يعترفا بارتكابهما للجريمة.

بالرغم من أن الإعلام لا يُحرر بيانات الأمن العام اذا ما احتوت على عبارات تستدعي إعادة التحرير وينشرها غالبا كما هي، إلا أنه لا يقتنع بتلك البيانات إذا كانت منضبطة خالية من التفاصيل الكثيرة، فيسعى لمعرفة التفاصيل بطريقته. ففي جريمة قتل وقعت في عجلون العام الماضي، نشر الأمن بيانًا مقتضبًا حول الجريمة وإحالة المتهم للقضاء وأداة الجريمة، إلا أن الاعلام لم يكتفِِ بذلك، بالأخص بعد ورود معلومات تتحدث عن ارتكاب الجريمة بسبب تغيير الضحية لدينها، فتسابقت وسائل إعلامية للوصول إلى مصادر تصرح وإلى صور للضحية من موقع الفيسبوك، مع نشر اسمها واسم عائلتها. ووصل البعض إلى مكان الجريمة لتصويره.

لا يكتفي الإعلام بإدانة المقبوض عليهم قبل البدء بالمحاكمة، إنما يصر في بعض الحالات على الإدانة حتى وإن برأت المحكمة المتهم.

السباق نحو الخبر وجذب القرّاء  يشمل عناوين أخبار الجرائم، التي تختلف عن متن الخبر في كثير من الأحيان. مثلا انفرد موقع رؤيا بخبر أبرز فيه وسم «خبر حصري»، وعنونه بـ «توقيف عامل وطن هتك عرض طفل داخل مسجد»، وفي متن الخبر نجد أن المدعي العام أوقف عاملا «حاول» هتك عرض طفل، لكن الموقع أدان المتهم، وتفاعل معه مواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي وطالبوا بإعدام الفاعل دون أن ينتبه كثيرون إلى أن الفعل غير مؤكد أصلا.

لا يكتفي الإعلام بإدانة المقبوض عليهم قبل البدء بالمحاكمة، إنما يصر في بعض الحالات على الإدانة حتى وإن برأت المحكمة المتهم. في قضية اللاجئة السورية التي اتهمت بقتل ابنها وأخلت محكمة الجنايات الكبرى مسؤوليتها، عنونت العديد من وسائل الإعلام خبر إخلاء المسؤولية بـ «الحكم بعدم مسؤولية أم قتلت ابنها» (محكمة التمييز نقضت الحكم وأعادته للجنايات، ولم يصدر قرارها بعد). وفي قضية أخرى أدانت بعض وسائل الاعلام رجلا اتهم بقتل زوجته بالرغم من الحكم ببراءته.

في القانون

ينظم القانون في عدد من مواده مراحل التقاضي وأدوار كل جهة ومحددات النشر، ويوضح دور أفراد الضابطة العدلية خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من توقيف المقبوض عليهم، وذلك في المادة 100 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، دون ذكر واضح لمبدأ سرية الإفادات. إلا أن قانونيين يعتبرون ما ينشر في العديد من البيانات الأمنية أو في التسريبات من التحقيقات مخالفة لمبدأ السرية في التحقيقات والقوانين الحامية لسير العدالة.

يؤكد المحامي أحمد النجداوي بأن جميع عمليات جمع الأدلة والإثبات لمرحلة ما قبل المحاكمة تخضع لمبدأ السرية، بما فيها أقوال المقبوض عليهم أمام محققي الشرطة، ويستنكر نشر أجزاء من التحقيق خلال توقيف الشرطة لهم في حين أن سرية التحقيق مضمونة أمام المدعي العام الذي يرأس الضابطة العدلية «بما فيها أفراد الشرطة».

يرى شقير أن «اعترافات المقبوض عليهم أثناء الافادة الشرطية بمثابة الوثائق الممنوع نشرها»، بناء على المادة 39 من قانون المطبوعات والنشر التي تنص على أنه «يحظر على المطبوعة الصحفية نشر محاضر التحقيق المتعلقة بأي قضية قبل إحالتها إلى المحكمة المختصة إلا إذا أجازت النيابة العامة ذلك»، والمادة 225 من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة «كل من ينشر وثيقة من وثائق التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية».

لا يجوز أيضًا للأمن إدانة المقبوض عليهم بناءً على اعترافاتهم باستخدام مفردات «القاتل»، و«السارق»، و«الجاني» في البيانات الصحفية

ويقول شقير أنه لا يجوز أيضًا للأمن إدانة المقبوض عليهم بناءً على اعترافاتهم باستخدام مفردات «القاتل»، و«السارق»، و«الجاني» في البيانات الصحفية، لأن ذلك يخالف المادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تنص على براءة المتهم حتى تثبت إدانته.

كذلك تنص المادة 224 من قانون العقوبات على معاقبة «كل من نشر أخبارا أو معلومات أو انتقادات من شأنها أن تؤثر على أي قاض أو شاهد».

ويؤكد شقير على حق أي من المتضررين من بيانات الأمن العام أو ما تنشره الصحافة في اللجوء إلى القضاء والحصول على تعويض استنادا إلى المادة 256 من القانون المدني التي تلزم فاعل الضرر بالتعويض.

الناشطة إيناس مسلم التي تعرضت بيانات الأمن العام لحياتها الشخصية في عام 2011، لجأت إلى القضاء للمطالبة بالتعويض على انتهاك حقها في الخصوصية والحماية من التشهير. وصدر القرار القضائي بإدانة الأمن العام وإلزامه بدفع دينار واحد كتعويض معنوي عن الضرر الذي أصابها جراء نشر البيان. وبالرغم من رمزية المبلغ إلا أنه يتضمن اعترافا بالخطأ الذي ارتكبه الأمن العام في بيانه الصحفي وتأكيدا على حق المتضررة بالتعويض. لكن تبقى هذه الحالات محدودة بسبب عدم متابعة المتضررين من الإعلام أو بيانات الأمن والمطالبة بحقوقهم.

—-

تواصلت «حبر» مع المكتب الإعلامي لمديرية الأمن العام عدّة مرّات هاتفيًا ثم من خلال إرسال أسئلة حول الموضوع عبر البريد الإلكتروني قبل أكثر من أسبوعين دون الحصول على إجابات أو تعليق.