عاملات المنازل: أرواح معلّقة على النوافذ

صورة تعبيرية لعائشة، عاملة بنغالية مقيمة في الأردن. تصوير عز الدين الناطور.

عاملات المنازل: أرواح معلّقة على النوافذ

الثلاثاء 17 أيار 2016

قصيرةٌ هي رحلة عاملة المنزل البنغالية عائشة في الأردن، فما إن حطت قدماها في عمّان في آذار الماضي حتى وجدت نفسها بعد أسبوع في إحدى المستشفيات مصابة بكسور متعددة بمعظم أنحاء جسدها إثر سقوطها من الطابق الثاني، بعد أن أجبرتها صاحبة العمل على تركيب ستارة على نافذة بالمنزل ولم تحاول إسعافها بشكل مباشر بعد أن اعتقدت أنها توفيت، بحسب أقوال عائشة.

سقوط عائشة من النافذة أثناء العمل يحيل إلى حالات السقوط التي تكررت مؤخرًا بين عاملات المنازل في الأردن، دون أن تعرف دومًا أسبابها بوضوح.

تقيم عائشة منذ إصابتها في مركز إيواء تابع لاتحاد المرأة بحالة نفسية سيئة، وتتابع علاجها بعد مغادرتها للمستشفى وتنتظر بشوق لحظة عودتها إلى بلادها بعد أن منحتها الحياة فرصة ثانية ولم تعد ترغب بأن تقضيها بالأردن. تقول عائشة -التي لا تجيد اللغة العربية مما اضطرنا للاستعانة بمترجم متخصص للتواصل معها- «لو عاد الزمن بي لما صدقت أحدًا، ولما أتيت إلى الأردن، كل ما أريده الآن هو العودة إلى بلادي وعائلتي».

تروي عائشة قصة عملها لحبر قائلة: «بدأت العمل منذ أن وصلت إلى منزل الماما (صاحبة العمل). في أوّل يوم استيقظت في السادسة صباحًا وبدأت العمل حتى الثانية صباحًا، وبقيت على هذا الوضع خمسة أيام، كانت الماما عصبية دومًا، وأنا لا استطيع التواصل معها بطريقة صحيحة، كنت أحاول فهْمَها قدر الإمكان، وبقي الأمر كذلك إلى يوم الحادثة». وتتابع «طلبت مني أن أنظف إحدى النوافذ التي لم يكن عليها حماية وأركب ستارة، أخذت معدات التنظيف وبدأت العمل، بيتها على الطابق الثاني، وأنا أعمل اقتربت مني إحدى بنات الماما التي كانت قد تعرضت للتوبيخ منها، وبدأت توجه لي الأوامر وفجأة دفشتني وسقطت على الأرض».

بعد أن سقطت على الأرض، لم تُسعَف عائشة بشكل مباشر، تقول: «جرّتني الماما إلى كراج السيارات كانت تعتقد أنني مت، ولم تسعفني، وبعد أن استعدت وعيي، اتصلت بأختها التي نقلتني إلى المستشفى، وهناك كانت تشير إليّ بحركات تهديد وتقول «نو بوليس نو بوليس»، أسعفت وعدت إلى البيت، وما أن وصلت حتى اقتحم ابن الماما مكان نومي تحت بيت الدرج وبدأ يفتش في حقيبتي عن جواز السفر، لكني كنت قد خبأته قبل ذلك. ثاني يوم وقفت على الشباك وصرخت بالإنجليزية Help me وانتبه لي أحد الأشخاص واتصل بالشرطة التي أتت وأخذتني إلى المركز الأمني».

فتحت الأجهزة الأمنية تحقيقًا في قضية عائشة ثم وجه المدعي العام لصاحبة العمل تهم الإيذاء والعمل الجبري تحت التهديد وعدم تقديم الرعاية الصحية، ونقلت عائشة إلى مركز الإيواء عن طريق مركز تمكين للدعم والمساعدة، وتؤكد مديرة مركز الإيواء مكرم عودة أن عائشة وصلت إلى المركز بكسور متعددة في معظم أنحاء الجسم أبرزها وأخطرها في الحوض وفي القدمين وكانت لا تستطيع المشي نهائيًا وكانت في حالة نفسية سيئة، ولا ترغب إلا بالعودة إلى بلادها.

لا توجد إحصائية رسمية أو أهلية عن طريق مؤسسات المجتمع المدني لعدد عاملات المنازل اللواتي سقطن من النوافذ أثناء عملهن في الأردن خلال الفترة الأخيرة، وبحسب مدير الإعلام والتثقيف الوقائي في مديرية الدفاع المدني العميد فريد الشرع فإنه يصعب توثيق هذه الحالات لأنها لا تكون واضحة منذ البداية.

workers

ومع ذلك، يؤكد نقيب أصحاب مكاتب الاستقدام واستخدام العاملين في المنازل من غير الأردنيين خالد حسينات إن سقوط العاملات من النوافذ أثناء العمل زاد خلال الفترة الماضية. وبحسب تقديره الشخصي فإن العاصمة عمّان شهدت حادثتين غير حادثة عائشة، بالإضافة إلى حادثتين على الأقل في محافظة إربد شمالي الأردن.

يقول حسينات: «للأسف هذه الحالات موجودة لأن هناك من يتهاون في صحة وسلامة العاملات من بعض أصحاب المنازل، علمًا بأن الوقوف على النافذة بما قد يشكل خطرًا على حياتها ليس من عملها»، ويتابع «إن كان صاحب العمل يريد من العاملة أن تقوم بتظيف النوافذ عليه أن يتأكد من وجود حمايات حديدية تؤمن سلامتها».

ولا تتلقى عاملات المنازل التدريب الكافي من بلادهم أو في الأردن حول شروط السلامة العامة وآلية التعامل مع المهام التي قد تشكل خطرًا على حياتهن داحل المنزل، كما يؤكد الحسينات، وهو ما يجعلهن يقبلن بها دون نقاش.

كما أن وسائل الإعلام لا تعطي هذا النوع من الأخبار الاهتمام الكافي لتوثيقها، إذ لا ترتقي إلى مستوى الإثارة الكافية لنشرها، والاهتمام ينصب عادةً على محاولات الانتحار الناجحة فقط.

محمد شما، الصحفي المتخصص في حقوق الإنسان، يقول: «قضايا عاملات المنازل والعمالة المهاجرة ليست أولوية عند وسائل الإعلام في الأردن، كما أن عدم اتقان العاملات للغة العربية حرمهن من أداة التواصل مع الإعلام، وهو ما جعل من توثيق قصصهن والانتهاكات التي يتعرضن لها بشكل عام صعبًا. وهذا ينطبق على قضية سقوط عاملات المنازل من النوافذ أثناء العمل».

مترجم اللغة البنغالية المعتمد عند قصر العدل راشيد دكه، والذي كثيرًا ما يتلقى قضايا لعاملات منزليات، يقول إن المكاتب التي ترسل العاملات إلى الأردن من بنغلادش تقنع العاملات أن أي أمر من صاحب العمل يجب تنفيذه، وأن عليهم طاعة صاحب العمل مهما فعل.

مدير المرصد العمالي الأردني أحمد عوض يرى أن قطاع العمالة الفردية كبيئة المنازل هي بيئة أكثر عرضة للانتهاكات والتجاوزات على قانون العمل وشروط السلامة العامة من باقي البيئات لأنها بعيدة عن تفتيش وزارة العمل كما أن أصحاب العمل يجهلون القانون.

وبحسب نظام العاملين في المنازل الذي صدر عام 2009 فإنه لا يحق تفتيش منزل من قبل وزارة العمل إلا بعد تقديم شكوى إلى الوزارة وبموافقة صاحب المنزل على ذلك، استنادًا للمادة 11.

لذلك تركز وزارة العمل على تفتيش مكاتب استقدام عاملات المنازل، حيث نفذت فرق التفتيش التابعة لقسم العاملين في المنازل بالوزارة العام الماضي 19 زيارة تفتيشيّة و24 زيارة تجديد تراخيص، وأغلقت 23 مكتبًا وأنذرت 25، كما نسّبت بإغلاق خمسة مكاتب ونسّبت بإلغاء تراخيص 19 مكتب آخر، في حين أوجدت لجنة حل شكاوى عاملات المنازل في الوزارة حلًا لـ477 شكوى وصلتها من أصل 485.

يقول عوض «للأسف نحن في الأردن نتعامل مع عاملات المنازل بمنطق الرقيق والعبودية، كل القوانين والتشريعات لم تستطع إلى الآن حماية هذه الفئة، التي تجهل حقوقها مما عزز استغلالها من قبل أصحاب العمل».

يؤكد عوض «صاحب العمل في المنزل مجبر على تأمين كافة شروط السلامة العامة للعاملين عنده وفقًا لأحكام قانون العمل، ونظام العاملين في المنازل».

قانون العمل الأردني
الفصل التاسع: السلامة والصحة المهنية

أ . يتوجب على صاحب العمل ما يلي:

1. توفير الاحتياطات والتدابير اللازمة لحماية العمال من الأخطار والأمراض التي قد تنجم عن العمل وعن الآلات المستعملة فيه.
2. توفير وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين من أخطار العمل وأمراض المهنة كالملابس والنظارات والقفازات والأحذية وغيرها وإرشادهم إلى طريقة استعمالها والمحافظة عليها وعلى نظافتها
3. إحاطة العامل قبل اشتغاله بمخاطر مهنته وسبل الوقاية الواجب عليه اتخاذها وأن يعلق بمكان ظاهر تعليمات وإرشادات توضح فيها مخاطر المهنة ووسائل الوقاية منها وفق الأنظمة والقرارات التي تصدر بهذا الشان.

ودعا عوض إلى تعزيز آلية التفتيش داخل المنازل في الأردن للكشف عن الانتهاكات، وإشعار أصحاب المنازل أنهم مشمولون بأحكام القانون، بالإضافة إلى تثقيف العاملات بحقوقهن الأساسية وتدريبهن على القيام بوظائفهن داخل المنزل.

تقول مديرة مركز تمكين ليندا كلش: «علينا أن لا نختزل فقط إصابات العمل داخل المنزل الذي تتعرض له عاملات المنازل فقط بالسقوط من النوافذ، فهمن معرضات بشكل كبير للإصابات وخاصة من تعاملهن مع المواد الكيماوية في التنظيف والغسيل، فنحن تعاملنا مع عدد لا بأس به من العاملات اللواتي تعرضن إلى تحسس وأمراض جلدية بسبب هذا».

لكن في بعض الأحيان يكون إهمال العاملات أثناء العمل سببًا في سقوطهن، لا أصحاب المنزل والجهات المختصة استقدام العاملات.

السيدة الثلاثينيّة سيرين (اسم مستعار) استقدمت عام 2012 عاملة من الجنسية الأثيوبية للعمل في منزلها، ومنذ أن بدأت العمل عندها طلبت منها أن لا تقوم بتظيف النوافذ دون أن تتأكد أن «الأباجور» مغلق، ثم نظفت إحدى النوافذ أمامها حتى تتعلم الطريقة، لكن توجيهاتها لم تلق آذانًا صاغية.

تقول سيرين لحبر: «كنت دائمًا أقلق من موضوع تنظيف الشبابيك، لذلك شددت على «بيلوتو» أكثر من مرة أن لا تنظف الشبابيك دون أن تغلق الأباجور، لكنها للأسف في يوم من الأيام لم تقم بذلك، وسقطت من نافذة البيت على الطابق الرابع، لكن لطف السماء أوقعها على أريكة كانت في بلكون بيت جيراننا أسفل منزلنا».

تعرضت العاملة بيلوتو إلى جروح عديدة وبعض الرضوض نقلت على إثرها إلى المستشفى وتعالجت على حساب سيرين.

مع بداية نيسان، من هذا العام، تم شمول عاملات المنازل بمظلة التأمين الصحي عبر دفع قسط سنوي من قبل صاحب العمل، كما يؤكد الحسينات، إلا أنهن حتى الآن غير مشمولات بالضمان الاجتماعي، مما قد يسلبهن حقوقهن في حال تعرضن لإصابة.

وتلفت سيرين النظر إلى نقطة مهمة إذ تقول: «لم يكن التعامل مع بيلوتو في الأصل سهلًا، كانت شخصيتها صعبة، رغم أنني كنت أحترم كافة حقوقها، وكنت أعطيها إجازتها وألتزم بساعات عملها، إلا أنها لم تكن تلتزم بتوجيهاتي للحفاظ على سلامتها، وكنت أشعر بالقلق منها لدرجة أنني لم أكن أترك ابنتي معها على الإطلاق».

لاحقًا، تبين أن شخصية بيلوتو الصعبة بوصف سيرين قد تكون نتيجة طبيعية لما مرّت به، فقد ظهر أنها ضحية اتجار بالبشر من قبل شخص سوداني استقدمها إلى السودان ضمن شبكة عاملات إثيوبيات قبل أن يأتي بهن إلى الأردن، وتمت إدانة هذا الشخص أمام القضاء الأردني وحكم غيابيًا بالحبس لعشر سنوات.

تقول سيرين «يبدو أن تجربة بيلوتو الصعبة جعلت منها شخصية لا مبالية وصعبة، لكن أعتقد أن على من يستقدم العاملات إلى منازلنا أن يتأكد بأنهن قادرات على القيام بوظائفهن بطريقة سليمة دون أن يعرضن أنفسهن ومن يعملن عنده للخطر».

وكان المركز الوطني لحقوق الإنسان قد حذر في تقريره لعام 2014 من أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة ضمن الاستراتيجية الوطنية لمنع الاتجار بالبشر لم تكن كافية للحد من الانتهاكات التي تتعرض لها عاملات المنازل، ويقول التقرير «إن إجراءات وزارة العمل فيما يتعلق بالعمالة الوافدة وعلامات المنازل لا تعالج حقوق المستخدمين وأرباب المنازل».

وتؤكد حادثة عائشة أن سقوط العاملات أثناء تنظيف الشبابيك قد لا يكون حادثًا عرضيًا فقط، وهو ما يستجدي الاهتمام بها وتوثيقها، كما ينطبق هذا على حالات الهروب من المنازل التي وصلت إلى 3 الاف حالة والتي يتم تناولها عادةً دون البحث في أسبابها.

وفتحت حادثة هروب العاملات الثلاث من إحدى مراكز الاستقدام في العاصمة عمّان شهر نيسان الماضي ملف الأوضاع الإنسانية والظروف في بيئة العمل التي تدفع العاملات إلى الهروب، حتى لو كان بالقفز من الطابق الثالث.

تقول كاريما إحدى العاملات الثلاث والتي تعرضت لكسور في قدميها وفي حوضها: «حضرت إلى الأردن في شهر آذار العام الحالي، وسلمني صاحب المكتب إلى صاحب العمل، وبعدها بفترة قصيرة بدأ ابن صاحب العمل يتحرش بي وهو ما دفعني للهروب والذهاب إلى الشرطة، التي أعادتني إلى صاحب العمل، وصاحب العمل أعادني إلى المكتب، الذي ضربني ضربًا مبرحًا وأعادني مجددًا إلى صاحب العمل».

وتتابع كاريما بحسب شهادتها الموثقة عند مركز تمكين «عندما عدت، بدأت زوجة صاحبة العمل تضربني أيضًا، ثم أعادوني إلى المكتب الذي حبسني في المرفق الصحي وحرمني من الطعام وكنت أشرب من المياه الموجودة فيه، وكان يأتي كل يوم ويضربني بالأيدي والأرجل».

وبعد نحو أسبوع قفزت كاريما وزميلاتها للنجاة بحياتهن بعد أن هدّدهن صاحب العمل «بالقتل وإخفاء جثتهن». ويواجه صاحب العمل الآن تهمًا تتعلق بالاتجار بالبشر، في قصة من بين القصص القليلة التي وصلت إلى الإعلام.

*الصورة أعلاه للعاملة المنزليّة البنغالية عائشة.

** تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).