العاملات في منازلنا: تعصّبنا الذي نغطّيه بضجيج الشعارات

الأحد 30 تموز 2017
الصورّة من أرشيف مجلّة جو ونعيد استخدامها بإذن الناشر. تصوير إياد عبيد.

كنت في زيارة إلى منزل أهلي، عندما انتبهت، وأنا جالسة أمام التلفزيون، إلى أن وينارتي، عاملة المنزل الأندونيسية لديهم، أطالت الوقوف أمام المرآة في الغرفة المجاورة. كانت قد ارتدت ملابس «الطلعة»، ووضعت على رأسها منديلها المزركش، ووقفت لدقائق تدور حول نفسها، تتفقد هيئتها من زوايا مختلفة. سألتها بفضول إلى أين ستذهب، فأجابتني: «رايحة أكب الزبالة ماما».

عمر هذه القصة 13 سنة. ووينارتي هي عاملة المنزل الأولى التي وظّفها أهلي كي ترعى أمي التي أقعدتها جلطة دماغية. لم تكن الاستعانة بعاملة منزل يومًا جزءًا من ثقافة عائلتنا، ولا ضمن قدرتها المادية، وقرار الاستعانة بواحدة جاء بعد سبع سنوات من  مرض أمي، فقط، عندما لم يعد بمقدور الأبناء والبنات الذين تسربوا واحدًا بعد الأخر من منزل العائلة، تقاسم عبء العناية بها. وإلى أن توفيت أمي قبل حوالي خمس سنوات، جاءت بعد وينارتي ثلاث عاملات أخريات، كانت، بالنسبة إليهن جميعًا، رحلة المئة متر الفاصلة بين حاوية القمامة ومنزل أهلي هي، تقريبًا، كل علاقتهن بالعالم خارج الباب. فوضع أمي لم يكن يسمح لها، إلا في حالات قليلة، بمغادرة المنزل.

ولكننا كنا دائمًا ننظر إلى أنفسنا بوصفنا عائلة مثالية في التعامل مع العاملات. فهن يُعاملن باحترام، ويتناولن وجباتهن على مائدة الطعام نفسها مع العائلة، ويسهرن معها أمام التلفزيون. ولم يحدث أبدًا أن تأخر دفع رواتبهن. كن يتلقيّن عيديات مثل باقي «الولايا»، ويحضر لهن الأبناء المغتربون الهدايا، مثل أي فرد آخر في العائلة.

نعم كنّا عائلة «مثالية»، لم يخطر لها أبدًا أنهن كن يعملن ساعات عمل غير محددة، وأنه خلال سنتين، لم تحصل أي منهن على يوم عطلة واحد. والأهم هو أن كل واحدة منهن حصلت في المتوسط على 2500  دينار عن كامل سنتي عملها. من دون أن يتساءل أي منا عن عدالة هذا المبلغ. فقد كنا عائلة تعيش الحالة التي أسماها باسم عقاد التطبيع المجتمعي على الظلم.

حالة التطبيع هذه، والنظر إلى حقوق أساسية، مثل الحصول على الراتب في موعده المحدد، والتعامل الإنساني (الذي تمثّل هنا في عدم الإهانة)، بوصفها مزايا، كان سببها أننا كنا نقارن أنفسنا بأسر أخرى من حولنا، تسكن منازل كبيرة، لديها أطفال كثيرون، وضيوف يدخلون ويخرجون، فكانت العاملات لديها يعملن ما لا يقل عن 11 أو 12 ساعة يوميًّا، في التنظيف والطبخ والركض وراء الأطفال وغسل السيارات والعمل في الحديقة. وفوق هذا، تُحجز جوازات سفرهن، ويتعرضّن للتعنيف اللفظي.

لكن مهلًا… هؤلاء أيضا تطبعوا على ما يرتكبونه من انتهاكات بفعل المقارنة مع من هم أسوأ منهم: أرباب العمل الأشرار الذين تخرج قصصهم إلى الإعلام، قصص القتل، والحرق، والضرب المبرح، والإساءات الجنسية. قصص مثل هذه تجعلهم يشعرون بأنهم ملائكة، فقط لأنهم لم يقتلوا أو يضربوا أو يغتصبوا، فهذا، كما تلفت إحدى الصديقات، هو المفهوم الحصري للانتهاكات، كما يرسخه الإعلام في أذهاننا. وهو ما يجعل السواد الأعظم منا عاجزين عن إدراك أننا نرتكب أي خطأ.

يُضاف إليه، بالطبع، الشعور بالألفة تجاه سلوك جعله شيوعه اعتياديًّا، بالضبط، كما كانت العبودية، في زمن غابر، جزءًا طبيعيًا من حياة الناس في بقاع مختلفة من العالم.

إلى وقت قريب، كان التطبيع «الشعبي» على الانتهاكات مدعومًا بتطبيع رسمي، عندما كانت العمالة المنزلية، التي يُقدر عدد النظامي منها بـ50 ألف عاملة، وغير النظامي بـ30 ألفًا، مستثناة من قانون العمل، فاستثنيت بذلك من الحد الأدنى للأجور، وتحديد ساعات العمل، والإجازات وغيرها. لكن قانون العمل عدّل العام 2008، وضم إلى مظلته العاملات في المنازل. وصدر بموجبه في السنة اللاحقة نظام العاملين في المنازل، الذي ضمن للعمالة المنزلية، بعد تعديله، حقوقًا رئيسية في قانون العمل، فحدد ساعات العمل بثماني ساعات، وألزم رب العمل بمنح العاملة يوم راحة كل أسبوع، وإجازة أسبوعين مدفوعي الأجر في كل سنة عمل، إضافة إلى أسبوعي إجازة مرضية.

ومع ذلك، وفي ما يتعلق بالأجور، ما زال قسم كبير من العاملات يتقاضى رواتب أدنى  من الحد الأدنى للأجور، البالغ 220 دينارًا (310 دولارات). إذ تحدد الأجور اتفاقيات ثنائية بين الحكومة الأردنية وحكومات الدول التي تنتمي إليها العاملات، كما أفادت لكاتبة المقال، مديرة مركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ليندا كلش. وتتراوح هذه الأجور، بين 400 و170 دولارًا، بحسب بلد العاملة.

رغم تغيير القانون، فإننا جميعنا نعرف أن انتهاك الحقوق الإنسانية والعمالية الأساسية لعاملات المنازل مازال مستمرًا، وما زال هو القاعدة، في شبه غياب لآليات رسمية تضمن إنفاذ النصوص القانونية. وهو غياب قد يفسر بكونه مؤشرًا على ضعف الإرادة السياسية المتعلقة بتطبيق هذا القانون، لكنه قد يكون، من ناحية أخرى، متعلقًا بحقيقة أن هذه القضية تمس الحيّز الأكثر خصوصية لأي عائلة: عقر منزلها. ففي مجتمع شديد المحافظة مثل الأردن، ما هي الآليات التي يمكن للحكومة فيها مراقبة أوضاع العاملات خلف أبواب البيوت المغلقة، من دون أن تُعدّ آليات المراقبة هذه انتهاكًا لـ«حرمات» هذه البيوت؟

ربما يجب أن نعترف أن جزءًا من التطبيع على الانتهاكات سببه شوفينية كامنة لدى الكثير جدًّا منّا. شوفينية نغطّي عليها في الأوقات العادية بضجيج شعارات المساواة والتسامح، لكن عندما يجدّ الجدّ، لن يكون لهذه الشعارات تطبيق على الأرض، أكثر ما للنصوص القانونية.

استمرار هذه الانتهاكات كان سببًا في توالي حالات حظر العديد من الدول إرسال عاملاتها إلى الأردن. فالفلبين حظرت إرسال عمالة منزلية إلى الأردن العام 2006، وألغت القرار بعد أشهر قليلة بعد تلقيها تأكيدات من الحكومة الأردنية بأنها اتخذت الإجراءات اللازمة. لكنها عادت ومنعت إرسال عاملاتها مرة أخرى العام 2008، في قرار استمر هذه المرة ست سنوات، عندما رفعت الحظر  العام 2014، بعد توقيع مذكرة تفاهم تنظم أوضاع عمالتها. أندونيسيا حظرت عمالتها العام 2010، وكينيا حظرتها العام 2015. وأوغندا حظرت قدوم عاملاتها إلى الأردن العام 2016، ورفعته مطلع العام الحالي، أيضا بعد توقيع اتفاقية مع الحكومة الأردنية.

وفي مواجهة حالات الحظر، بدأ التوجه نحو دول لا تفرض شروطًا صارمة لحماية عاملاتها المهاجرات، مقارنة بغيرها. ولا تطلب أيضًا رواتب تتناسب مع الحد الأدنى لما يقمن به من أعمال. فصار الوضع كالآتي: الفلبينية «متطلبة»، راتبها عالٍ، و«في ظهرها» سفارة تحميها؟ فلنذهب إلى كينيا وأوغندا. لكن حتى كينيا وأوغندا لم تحتملا انتهاكاتنا. حسنًا، هناك أثيوبيا وبنغلادش.

وهكذا، لم تؤد الإجراءات الحمائية التي فرضتها بعض بلدان هؤلاء العاملات إلى توجّه حقيقي يعالج جذريًّا الانتهاكات الواقعة على العاملات، بل، على النقيض من ذلك، كان هناك استماتة لتكريسها في ما يبدو أنه يعكس ذهنية لا ترى فيها انتهاكات بل حقوقًا مكتسبة لأرباب العمل.

يسمي المسؤولون وأصحاب مكاتب الاستقدام هذا التوجه إلى دول أخرى بالبحث عن «أسواق» جديدة، بما يذكر بأسواق العبيد في الزمن الغابر. وليس أدلّ على أن كثيرًا منّا لم يغادر ذلك الزمان، أكثر من  تقرير صحفي عن عاملات المنازل، سأل فيه الصحفي صاحب مكتب لاستقدام العاملات: «ما هي الأسعار الجديدة للخادمات؟»، فأجاب الرجل: «لقد وصل سعر الخادمات من بلدهن الفلبينية من (3900 – 4000 دينار)، الأندونيسية من (3500 – 4000 دينار)، السيرلانكية من (2500 – 2700 دينار) ، البنغالية سعرها 1700 دينار فقط»، مضيفًا، «نتمنى أن تفتح الدول أبوابها ليتم تخفيض السعر على المواطن».

نعم، ربما يجب أن نعترف أن جزءًا من التطبيع على الانتهاكات سببه شوفينية كامنة لدى الكثير جدًّا منّا. شوفينية نغطّي عليها في الأوقات العادية بضجيج شعارات المساواة والتسامح، لكن عندما يجدّ الجدّ، لن يكون لهذه الشعارات تطبيق على الأرض، أكثر ما للنصوص القانونية. فيكفي أن ترتكب عاملة ما انتهاكًا (في الحقيقة، يكفي أن يرتكب أي وافد انتهاكًا)، لنختبر كيف تطفح ردود الفعل العامة بالتعصّب الأعمى، فتخرج من إدانة الفعل، إلى إدانة البلد/العرق، الذي ينتمي إليه مرتكب الجرم. والمثال الأخير على ذلك، الجريمة البشعة التي ارتكبتها عاملة منزل بنغالية قتلت طفل مخدوميها البالغ أربع سنوات، وهذا الكم الهائل من التعليقات، في مواقع التواصل الاجتماعي، التي ربطت الجريمة بالجماعة التي تنتمي إليها مرتكبتها. تعليقات مثل: «لازم الحكومه تروح كل البنغالية اللي في الأردن لأنهم أوسخ خلق الله ذكور وإناث وسخين وحراميه».

هذا النوع من ردود الفعل، الذي عبّرت عنه المئات من التعليقات، في هذه الحادثة، وهي مجرد مثال واحد، من الواضح أنه يستند إلى إحساس صلب بالتفوق العرقي، هو ما يبدو أنه يسهم في أن عيوننا لا تميز الانتهاكات الصارخة (ومع ذلك الصامتة) التي تُرتكب يوميًا في عشرات آلآلاف من بيوتنا.