لا يفترض على المساواة أن تكون فعّالة

الأحد 19 آذار 2017

ضعف المشاركة الاقتصادية للمرأة إحدى أبرز القضايا التي يتناولها نشطاء حقوق المرأة في الأردن، وليس ذلك مستغربًا، إذ أن نسبة مشاركة المرأة الأردنية في سوق العمل من أدنى النسب في المنطقة العربية. لكن الكثيرين ممن ينادون بضرورة تعديل التشريعات وتطوير بيئة العمل لزيادة مشاركة النساء في سوق العمل يبررون ذلك بالفائدة التي سيعود بها على الناتج الإجمالي المحلي والنمو الاقتصادي. قد نتفهم استخدام هذه الحجج من أجل الضغط على الحكومات لوضع هذه القضية على سلّم أولوياتها، لكن هذا الخطاب الذي يربط سياسات المساواة بمنفعتها الاقتصادية يقوّض هذه المساواة كمبدأ، حسبما توضّح الباحثة الفرنسية ريجان سيناك في هذا المقال المنشور باللغة الفرنسية على موقع “Revue Projet” بتاريخ ٣ آذار ٢٠١٧.

ريجان سيناك*
ترجمة لينا عجيلات

«وجود نساء أكثر في مجالس إدارة الشركات يشكل قيمة مضافة»، «التنوع الجندري مفيد لبيئة العمل»، «المزيد من المهاجرين يحسّن النمو». باتت هذه الحجج أكثر تكرارًا، من يسار الطيف السياسي ويمينه على حد سواء. هل ما يزال بإمكاننا في فرنسا أن ندافع عن المساواة كمبدأ أساسي دون الحاجة لإثبات «نفعها»؟ ماذا يحصل لو ثبت أن للمساواة تكلفة؟ هل يبرر ذلك التمييز ضد النساء أو التمييز العرقي و/أو إغلاق الحدود؟

يبدو أن استمرار دولة الرفاه وسياسات المساواة يعتمد على إثبات أن المساواة «أفضل للجميع». مثلًا، يقول تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن إعادة توزيع الدخل وسياسات المساواة بين الرجال والنساء ضروريان لزيادة النمو الاقتصادي، خصوصًا أن هذا يجعل من التعليم استثمارًا مربحًا للجميع وليس فقط للأكثر اقتدارًا. بهذا الأسلوب تضفي العديد من التقارير الشرعية على على سياسات المساواة بصفتها استثمارًا يكلف أقل مما يدر إذا ما نظرنا إلى «أدائه» الاقتصادي والاجتماعي على المدى المتوسط إلى الطويل.

من السذاجة والانهزامية الاعتقاد بأن حجج العدالة والمنفعة يمكن أن تتعايش جنبًا إلى جنب دون أن تكون الأولى مشروطة بالأخيرة. فلنتجاوز جاذبية صيغ مثل «الكل يفوز» أو «الغاية تبرر الوسيلة»: يجب أن نفترض أن كسب بعض الأشخاص سيعني خسارة لآخرين. إن الترويج للمساواة بين الرجال والنساء، أو للتنوع أو قبول المهاجرين واللاجئين كمشروع مجدي اقتصاديًا يعني أن نضع هذه القضايا تحت شرط عرض أدائها وإثبات منفعتها.

 من السذاجة والانهزامية الاعتقاد بأن حجج العدالة والمنفعة يمكن أن تتعايش جنبًا إلى جنب دون أن تكون الأولى مشروطة بالأخيرة.

هنا تكون المخاطرة من شقين. إذا ثبت حسن أداء المساواة، فإن المجازفة الأولى تكمن في محاصرة الأفراد غير المتكافئين ضمن حدود «قيمتهم المضافة». بدلًا من مساءلة تصنيفهم ضمن أحادية جنسية أو عرقية، يتم تكييفهم لمواكبة «الحداثة». ماذا يعني هذا؟ يعني أن تبرير دمج النساء أو غير البيض باسم المنفعة المتأتية من هذا التنوع، يؤدي إلى أن نتوقع منهن ومنهم أن يكونوا ويتصرفوا فقط كمكمّلات مفيدة وليس كأنداد (ولعل المصطلحات الأشهر كمثال على هذا الخطاب هو «الإدارة الأنثوية» أو «رأس المال الأنثوي»). المجازفة الثانية هي أن يصبح مبدأ المساواة مجرد خيار. إذا ما ثبت أن عدم المساواة مجدٍ وفعّال أكثر، سيعطي هذا شرعية للسياسات التمييزية والإقصائية. مع ذلك، فإن العلاقة السببية بين التنوع الجندري والأداء ما زالت محل نقاش وغير مثبتة. ماذا نفعل إذا ما ثبت أن إخراج النساء والمهاجرين من سوق العمل يمكن أن يساهم في الحد من البطالة؟

إن السير بهذا النوع من الحجج يعني قبولنا الضمني لتصنيف الخيارات السياسية وفقًا لمؤشرات اقتصادية. عندها يصبح الباب مفتوحًا أمام التشكيك بجدوى الإنفاق العام على الدعم الاجتماعي، خصوصًا في مجالي الصحة والتعليم. هل نحن متأكدون أن المنح الدراسية القائمة على أسس اجتماعية “تدرّ” أكثر مما تكلف؟ أو أن التعليم المجّاني محفز للنمو الاقتصادي؟ هل من المجدي اقتصاديًا إيواء المشردين في فصل الشتاء؟

 ماذا نفعل إذا ما ثبت أن إخراج النساء والمهاجرين من سوق العمل يمكن أن يساهم في الحد من البطالة؟ 

قد تكون النقاشات حول فوائد وتكاليف الهجرة مثالًا جيدًا على هذا التطور الأيديولوجي. تتشارك العلاقة بين التنوع الجندري والأداء مع العلاقة بين الهجرة والأداء بذات منطق إخضاع السياسة للاقتصاد. متى سنتوقف عن تبرير دخول المهاجرين بإسهاماتهم للاقتصاد؟ أو على العكس، متى سنتوقف عن رفضهم  بسبب كلفتهم الاقتصادية على البلد وعلى أوروبا؟

هناك إغراء كبير في الدفاع عن المساواة كقيمة نستثمر بها، دون أن ندرك أننا بذلك نضحي بها كمبدأ من مبادئ العدالة، على مذبح التسليع والفاعلية. في النهاية، ما يحدث اليوم وكأن دعاة المساواة تخلوا عن المعركة الفكرية واعتمدوا على النظريات النيوليبرالية ذاتها التي من المفترض أنهم يتحدونها. حتى تسترد المساواة معناها السياسي وعمقها، يجب رفض هذا المنطق النيوليبرالي الذي يشلّ هذه المساواة ويسمّمها عندما يشيد بها بسبب الربح الذي تدرّه.

حتى لا نصبح مقيّدين بالمفاضلة بين سياسات المساواة المجدية وتلك غير المجدية، يجب تسييس مبدأ المساواة بتحريره من شرط الأداء. علينا أن نخطو الخطوة الصعبة بإعادة تعريف مبادئ العدالة والمساواة – التي كانت تاريخيًا محصورة في إطار «الأخوية الجمهورية» واستثنت بالتالي من هم خارج هذه «الأخوية»: النساء وغير البيض. علينا أن نتحدى الحركة التاريخية والفكرية التي أقصتهم لاعتبارهم «أقل قيمة» طبيعيًا، والتي تدمجهم اليوم باسم «قيمتهم المضافة» ثقافيًا بدلًا من كونهم نظراء. ماتت المساواة، فلتحيا المساواة!


ريجان سيناك باحثة في مركز جامعة سيانس بو للبحوث السياسية، وعضو في اللجنة التوجيهية لبرنامج البحوث والتدريس عن المعرفة حول النوع الاجتماعي في الجامعة. هي أيضًا رئيسة لجنة المساواة في المجلس الأعلى للمساواة بين الرجل والمرأة، وهو هيئة استشارية لرئيس الوزراء الفرنسي.

  • سفيان

    تنويه! المقال يحتوي على مشاهد عالية المثاللية قد لا تصلح لذوي العقول الواقعية!