بعبع التقدم في العمر

الخميس 14 شباط 2019
تصوير مايا عامر.

مع الانتشار الواسع لتحدي العشر سنوات، والذي عرض فيه العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صورتين إحداهما ملتقطة عام 2009 والأخرى عام 2019، وعلى اختلاف الأجيال التي شاركت في تلك الصيحة التي لاقت رواجًا كبيرًا، استطعنا في كثير من الأحيان أن نقرأ المغزى من مشاركة تلك الصور الشخصية؛ البعض يضعونها في قالب كوميدي فيه سخرية من الذات، وآخرون يضعونها لعرض تطور أناقتهم، أو أجسامهم التي أصبحت رياضية، بينما يُظهِر آخرون رغد العيش البادي على هندامهم. وغلب على المشاهير اختيار صور متكلّفة لإثبات شبابهم الدائم، وأن عقدًا من الزمان لم يطل ملامحهم الشابة، على اعتبار أن الجماهير لا تعرف آثار عمليات التجميل، وآثار الاعتناء المبالغ فيه بالشكل، وحتى تقنيات الفوتوشوب التي جعلت من الصورتين متقاربتين. وقد يبدو التعليق الأكثر جاذبية، والذي يعني انتصارًا صغيرًا لصاحب الصورة أو صاحبتها إن كانوا من مواليد أوائل التسعينيات فما دون هو: «لم تتغير/ي».

من أين ظهر تمجيد الشباب الدائم؟ ولماذا أصبح التقدم في العمر شبحًا يهرب منه الجميع رجالًا ونساء؟ ولماذا نرتعش عند ملاحظة تجاعيد جديدة في وجوهنا، أو رؤية أول شعرة بيضاء في رؤوسنا؟ أليس أمرًا طبيعيًا، وكلنا سنمر به عاجلًا أم آجلًا؟

لا نتحدث هنا عن القلق الإنساني المرتبط بالاقتراب من نهاية العمر والموت، وإنما عن القلق من التقدم في العمر والشعور بالشيخوخة. نتحدث عمّا يمنعنا من الاستمتاع بكل مرحلة عمرية والتصالح معها ومن أن نشيخ بصحة ووقار، خارج اللهاث وراء ترياق الشباب الأبدي. بالطبع، الموضوع ليس ظاهرة حديثة، فالبحث عن الشباب الدائم موجود منذ القرن الخامس قبل الميلاد في كتابات هيرودوت، وتكرر في قصائد الإسكندر وبحثه عن ينبوع الشباب الدائم ومحاولات الفراعنة والمايا وغيرهم من الحضارات السابقة. ربما ما تغير في وقتنا الحالي هو أن هذا القلق بدأ بالظهور أبكر مما هو متعارف عليه في السابق. تقول «آن كاربف» مؤلفة كتاب «كيف نشيخ» أننا نعيش حياة أطول وأكثر صحة من الأجيال التي سبقتنا، لكننا – مقارنة بهم – نقلق ونتوتر بخصوص التقدم بالعمر في وقت أبكر ولمدة أطول من حياتنا.

الشباب الدائم ورأس المال

خلقت الاستهلاكية، التي هي واحدة من قيم الرأسمالية الأصيلة، لنا أوهام عن معايير الشكل المثالي وأقنعتنا بأن ما لدينا غير كافٍ. وهي تعمل جاهدة على ترسيخ مسوخ غير واقعية كأيقونات جمال، وتبيعنا مستحضرات، ومنتجات، وعمليات تجميل، وأسنان اصطناعية ناصعة البياض حتى نشبههم، أو حتى نصبح نسخًا مستنسخة عنهم. تلك الأيقونات غالبًا ما تبدو عالقة في أوائل العشرينيات من العمر ببشرة مشدودة نضرة، ووجوه تكاد تخلو من الملامح دون أي تجاعيد حتى تلك الطبيعية منها التي يطلق عليها خطوط الضحك. وفي سبيل تحصيل المزيد من الأرباح لن تتوانى عن توفير بيئة حاضنة لكل المخاوف والقلق المتزايد تجاه التقدم بالعمر، حتى وإن اضطر الأمر إلى تحويل التقدّم في العمر إلى بعبع.

تشير بعض الدراسات إلى أن قطاع التجميل يتسم اقتصاديًا بتزايد مستمر، وكأنه محصّنٌ من ارتفاع وهبوط الحصص السوقية على خلاف قطاعات أخرى في الأسواق العالمية. ومن المتوقع أن تصل أرباح قطاع التجميل لـ805.61 مليار دولار خلال عام 2023، والمحرّك الأكبر لهذا السوق – بحسب رويترز – هي الأجيال المتقدمة في السن من خلال طلبها المتزايد على مستحضرات مقاومة التجاعيد وتساقط الشعر وغيرها من منتجات مقاومة الشيخوخة.

لا يكتفي مصنعو مستحضرات مكافحة الشيخوخة باستهداف الفئات العمرية الأكبر سنًا، فالحملات الترويجية توجه للفتيات في أوائل العشرينات للتدخل المبكر. بل إن سلسلة متاجر ولمارت الأمريكية قامت بطرح خط «جيو غيرل» الذي يستهدف الفئة العمرية من 8-12 عامًا وتضمن كريمات لمكافحة الشيخوخة تحتوي تركيبتاها على مضادات أكسدة.

الجمال المرتبط بالشباب تحول إلى ظاهرة عارمة. تيار جرف معه الكبير والصغير، حتى أصبح التفكير بعدم صبغ بضعة شعرات بيضاء أو ملاحقة التجاعيد الحديثة حول العينين أو الترفّع عن تركيب أسنان اصطناعية مثالية ضربًا من الراديكالية.

ضغط التقدم بالعمر لا علاقة له بالسن

لا تنحصر منتجات الرأسمالية بمستحضرات التجميل والشباب الدائم. فحتى منتجاتها غير المادية كافية لتسبب القلق والتوتر لكافة الأجيال. يافعو هذه الأيام والأجيال الشابة لم يسلموا من هذا «البعبع»، فالتقدم في السن كالقنبلة الموقوتة التي يعيش كثيرون تحت وطأة دقاتها المنتظمة، حتى من كنا نظن أنهم بمنأى عنها ممن هم في العقد الثاني والثالث من العمر. لاحظت مؤخرًا عددًا لا بأس به ممن أتابعهم على إنستجرام ممن هم دون الـ25 من العمر الذين يعبّرون بشكل صريح عن أنهم يشعرون بالإطراء عندما يخمّن أحدهم أن أعمارهم أقل مما هي عليه. وهو فخ كنت أقع فيه للأمانة. لكن لماذا نفرح إن كنا نبدو أصغر من عمرنا الحقيقي؟ هل لأننا نكسب مجازًا المزيد من «الوقت»؟ وقتًا إضافيًا لماذا؟ لنبدو أكثر صحة/جمالًا/ نجاحًا مما نحن عليه اليوم؟ لماذا يشعر عشريني أو ثلاثيني أن العد التنازلي قد بدأ!

باعتقادي، تمت قولبة الأحلام والنجاح وربطها بصغر السن من خلال عناوين مقالات وتقارير إخبارية رنانة على غرار؛ «أكبرهم 30، هؤلاء هم أصغر أثرياء العالم»، و«30 مليونيرًا تحت سن الثلاثين»، وأصغر مؤسس شركة، وأصغر مدير تنفيذي لشركة كبرى، وغيرها.

تطورت مقاييس النجاح وتصدّرت قوالب جديدة الساحة، ممثلة بروّاد أعمال، ومصممي تطبيقات، ومؤثرين، وصانعي أفلام يحظون بتغطية مكثفة ويتباهون في نهاية كل عام بإنجازاتهم من الثروات التي جمعوها، والكتب التي ألفوها، والبلدان التي زاروها، والمؤتمرات التي تحدثوا فيها، وعدد المتابعين، وعدد المشاهدات وغيرها. معايير مستحدثة تجعل الصغار قبل الكبار أكثر تعاسة، وتشعرهم بالضآلة في حال لم يتمكنوا من مجاراة تلك النماذج وتحقيق «النجاح» ضمن تلك المعايير. فيرى أحدهم قرينًا له في نفس عمره قام بكذا وكذا، فلا يستطيع أن يمنع نفسه من التساؤل بإحباط: «عمري 26 وماذا أنجزت إلى الآن؟».

مد ثقافي-اجتماعي جديد

من اللافت أن النظرة إلى كبير السن تتعرض عالميًا للكثير من الضغوط والعوامل التي تؤثر على الدور الاجتماعي الذي يلعبه في المجتمعات التي ينتمي إليها. ترى آن كاربف أن الدول الصناعية المتقدمة تنظر لكبير السن على أنه غير منتج لكونه خرج من القوى العاملة، وحتى كعبء مادي يستنزف ميزانيات الدول براتبه التقاعدي والرعاية الصحية المكثفة التي يحتاجها. لكن لكبير وكبيرة العائلة في موروث مجتمعات أخرى هيبة، فبمجرد دخولهم لمجلس ما فإن معظم الأصغر سنًا يقومون بإعطائهم مقاعدهم، يُقدم لهم الطعام أولًا، كلامهم مسموع، وحكمتهم مقدّرة، وانتقاداتهم مقبولة وحُكْمهم في المشاكل والخلافات هو الفصل. فهم رأس العائلة الذي يجمع الكبير والصغير في أفراح الجماعة وأتراحها.

الامتيازات في تناقص، والموروث الثقافي والحضاري للمجتمعات على اختلافاتها يرزح تحت ضغط التماهي مع القيم المادية والرأسمالية. ومع تلاشي تلك الامتيازات شيئًا فشيئًا على حساب الفردية التي تسود تدريجيًا لدى الأجيال الأصغر سنًا، فمن الطبيعي أن التقدم في العمر لن يغدو أمرًا جذابًا، خصوصًا في عالم يتم فيه تمجيد الشباب بشكل مباشر وغير مباشر.

يقول الكاتب أمادوا همباطي با: «عندما يرحل رجلٌ مسن في إفريقيا فإن ذلك يكون بمنزلة احتراق مكتبة بالكامل».

أليس من اللطيف مقارنة إنسان بمكتبة؟ كلاهما يبعث في النفوس الهيبة والهدوء والاحترام. تجارب من يكبروننا وأمثالهم المعبرة وكلماتهم البليغة بمثابة كتب ومجلدات مصفوفة بعناية مليئة بالحكمة والمشاعر والدروس. معارف تراكمت في العقول والقلوب والوجوه، ولعلها الأخيرة هي الأوضح. كل تجعيدة وكل خط وكل شيبة رافقت درسًا قاسيًا أو انتصارًا صغيرًا، ذكرى جميلة وتجربة مثرية أو شخصًا ترك الكثير من الأشجان. التقدم في العمر نعمة لا يحظى بها الجميع، فما المانع إن تفحصنا وجوه كبارنا بتلك العدسة بدلًا من الهراء الجارف الذي ينكر انعكاس دواخلنا علينا؟