كرة القدم في غور الصافي: البحث عن مباراة لا تنتهي

تصوير: محمد اغباري.

كرة القدم في غور الصافي: البحث عن مباراة لا تنتهي

الثلاثاء 10 تموز 2018

«يا إخوان افتحوا الباب شوي، انخنقنا من الحر»، يقول منذر العشيبات، ذو الخمسين عامًا، لرفاقه في قهوة عبد الجواد في غور الصافي، وهو يمسح عرقه بمنشفة صغيرة. أربع مراوح مضبوطة على أعلى درجة؛ اثنتان في السقف، واثنتان أرضيتان، إحداهما في المطبخ والأخرى خُصصت للضيف «اللي جاي من عمّان».
تدور المراوح ويهدر معها مكيف مائي بصوت عالٍ دون أن يُخرج شيئًا سوى الهواء الساخن، عاجزة جميعها عن تخفيف حرّ القاعة التي جمعت العشرات الجالسين أمام شاشة نصفها حائط ونصفها الآخر شبّاك خشبي مغطىً بقطعة قماش بيضاء، تُبث عليها من «بروجيكتر» مباراة ربع نهائي كأس العالم بين الأوروغواي وفرنسا، يوم الجمعة الماضي، في القهوة الجديدة، التي تحاذي قطعة أرض يملكها عبد الجواد، ولم يزرعها هذا العام لأنه قرر استثمار النقود التي معه في القهوة.

يعمل منذر «طوّاف حَرَاج» في مديرية زراعة غور الصافي. ينتهي دوامه يوميًا عند الثالثة عصرًا، فيتجه إلى البيت، ويتناول الغداء ويأخذ قيلولة قصيرة قبل أن يتوجه إلى قهوة عبد الجواد لمشاهدة مباراة الساعة الخامسة. لم يتغيب منذر عن أيٍّ من مباريات هذا المونديال «أنا بحضر كل يوم، إجيت [اليوم] الساعة خمسة، وهيني رجعت الساعة تسعة». مثل العديد من أهالي غور الصافي يتابع منذر كأس العالم بشغف كبير، طلبًا للمتعة، وكسرًا للروتين، وبحثًا عن استراحة قصيرة من مشاكل الحياة.

قهوة عبد الجواد خلال مباراة الأوروغواي وفرنسا

تسعون دقيقة استراحة من الغور

تعتبر «القهاوي» بالنسبة إلى الغالبية العظمى من متابعي كأس العالم في غور الصافي من المساحات القليلة المتاحة لمتابعة مباريات المونديال. حيث يتردد الناس يوميًا على المقاهي التي تبث مباريات كأس العالم، مثل قهوة عبد الجواد، وقهوة عاطف النوايشة، وقهوة الكلاسيكو وغيرها.

يعرض عبد الجواد مباراة الساعة الخامسة عصرًا داخل المقهى، ويعرض مباراة التاسعة مساءً في الأرض المقابلة للمقهى نفسه. بينما يعرض عاطف النوايشة، الذي يدير قهوة تقع داخل مجمع باصات الغور، مباراة الساعة التاسعة في ساحة المجمع، مثبتًا الشاشة على حائط المقهى من الخارج. أما مقهى «الكلاسيكو» فهو عبارة عن غرفة صغيرة، سقفها زينكو، تحتوي بعض الكراسي والكَنَب، وتعرض المباريات على شاشة تلفزيون معلّق فوق ثلاجة داخل القهوة الذي رسمت على جدرانه شعارات ناديي ريـال مدريد وبرشلونة، إضافة إلى علم البرازيل.

في قهوة الكلاسيكو أثناء مباراة البرازيل وبلجيكا

الإقبال الكبير على المقاهي من قبل أبناء الغور يعكس اهتمامًا واسعًا لدى العديد منهم في كأس العالم بشكل خاص وكرة القدم بشكل عام، رغم أن متابعة المونديال عمّت الأردن كله، ورغم أن المتابعة في الأحياء الفقيرة كذلك هي نمط سائد ولا يقتصر على الغور.

يعزو حسام الشمالات، الموظف في متحف «كهف لوط» في غور الصافي، وأحد المتابعين لكأس العالم، اهتمام الغوارنة بمشاهدة كرة القدم في المقاهي إلى غياب وسائل وأماكن الترفيه في المنطقة، إضافة إلى البطالة التي تسبب حالة فراغ عند الكثيرين. «الشباب بعبّوا وقتهم بالرياضة، نسبة بطالة عالية، وبنفتقد أماكن كثير للترفيه، ما في عنا منتزهات ما في عنا أماكن ترفيهية. الغور بفتقد لكل هاي الأمور، الإشي الموجود عنّا هو المقاهي والمباريات».

قهوة عاطف النوايشة في مجمع الباصات

مجمع باصات غور الصافي نهارًا

ينظر أبناء الغور إلى كرة القدم باعتبارها إحدى أهم وسائل الترفيه المتاحة لهم. حيث تتحول المباراة في الغور إلى مساحة مؤقتة للخروج من التفكير بالهموم اليومية وفرصة للترفيه عن النفس. يعبّر منذر عن هذا الواقع بوضوح: «بيجوا الشباب بيقعدوا، لو طالع بإيدهم تظل المباراة شغالة للصبح، يظلهم قاعدين كمان، حتى يتنفسوا، ما في ملجأ، الناس زهقانة حالها والوضع مأساة».

الحاجة للترفيه، ليس سببها فقط الوضع الاقتصادي، ولكن كذلك حالة الطقس. درجة الحرارة المرتفعة في فصل الصيف المصاحبة لعدم قدرة الكثير من الأهالي على شراء مكيفات تفرض على الغوارنة، رجالًا ونساءً، الخروج من منازلهم قبل مغيب الشمس والجلوس على جانبي الطريق وفي الأماكن المفتوحة. لهذا السبب أيضًا يختار منذر قهوة عبد الجواد مكانًا لمشاهدة المباريات: «المنطقة فاتحة، في نسمة هوا كويسة، هسّة داخل البلد بتكون محصورة والناس بتكون مضغوطة، يعني يا ريت لو الأطفال يقدروا يجوا، والبنات ينفسوا عن حالهن».

في ساحة قهوة عبدالجواد

الأرجيلة بدينار والكرسي بربع (للمقتدرين)

تتطلب متابعة مباريات كأس العالم في مقاهي الغور إنفاق مبلغ من المال يعتبره أبناء الغور أساسيًا جدًا. يتقاضى بعض أصحاب المقاهي ربعَ دينار، بوصفه مبلغًا يضاف على إجمالي الطلبات، وذلك «بدل كرسي». يحفظ العديد من متابعي مباريات كأس العالم في غور الصافي أسماء القهاوي التي «بتوخذش رباع» على حد تعبير البعض. ويُعفي كلٌ من عبد الجواد وعاطف «الزباين» والأشخاص الذين يعرفان بأنهم غير قادرين على دفع زيادة على فاتورة الطلبات. يقول عبد الجواد: «آخر فترة اقترحت فكرة إنه بدي آخذ عالكرسي ربع ليرة زيادة، لقيت إنه في كثير من الشباب، صاروا يتململوا، بمعنى إنه في ناس ما عندها القدرة، فأنا صرت، انتقي الناس انتقاء، الشخص اللي بعرف أنه عنده القدرة يدفع زيادة ربع ليرة ممكن أقله، وفي ناس بعرف إنه ما معاه بسمحله يقعد».

رصد منذر مبلغ دينارين لمشاهدة مباراة ربع نهائي كأس العالم بين البرازيل وبلجيكا: دينار ثمنًا للأرجيلة ودينار لقاء «كاستين» من الشاي أو القهوة. يتقاضى منذر الذي يعيل سبعة أبناء راتبًا يبلغ 330 دينارًا شهريا، يتبقى منه 80 دينارًا بعد اقتطاع مبلغ 100 دينار لسداد قرض لمؤسسة الإقراض الزراعي و150 دينارًا لسداد قرض بنكي. «لا أخفي عليك، هيني حاطط حسبتي ليرتين، اليوم معي، بكرة بشيلني صاحبي، اللي بعده بشيلني الثاني، يعني حتى لو ما كانش معي، بقعد على الكرسي وبطلبش إشي»، يقول منذر.

في قهوة عبد الجواد أيضًا، يتشارك حسام مع مجموعة من أصدقائه إبريق شاي ثمنه دينار أثناء مشاهدة المباراة، بدلًا من طلب كاسة شاي واحدة بنصف دينار. ويعتقد حسام بأن الكثيرين من أبناء غور الصافي لا يستطيعون بحكم فقرهم أن يتابعوا المباريات يوميًا من المقاهي، معبّرًا عن أن «الرياضة ما انخلقت بس للأغنياء (..) طبيعي بدي أحضر، زي ما إنت بتحضر»، لكن في الوقت ذاته يشير حسام إلى أن البعض ممن يتابعون المباريات في الغور إما أنهم يلجأون إلى أهاليهم أو إلى العمل «بالقطعة» للحصول على ثمن حضور عدد من مباريات المونديال في المقاهي. هذا ما يؤكده منذر الذي أتى لمقهى عبد الجواد بباص صغير: «يمكن إنت شفت الباص اللي نزلني، قالي أنا معيش مصاري إنه آجي، (..) راح يسرفس شوي ويرجع يحضر المباراة»، يقول منذر.

يذكر ثامر العشوش، الذي كان يشاهد المباراة في مقهى عبد الجواد، أنه أيام دراسته الطب في روسيا كان يتابع مباريات أمم أوروبا التي كانت تُعرض في الساحات العامة وبالمجان، كما كان يشاهد مباريات دوري أبطال أوروبا على القنوات المحلية دون اشتراك. ويعتبر ثامر أن الدولة في الأردن تجاهلت هذه المواضيع، «كونه الغور منطقة فش فيها إشي، ولا أي موارد للناس، حطلهم شاشة بنص هالبلد، وخلي هالناس تتفرج، ما بتكلّف إشي».

«الفطبول» بعد الصلاة ورضا الوالدين

«بالنسبة إلي، الفطبول أحد أسباب السعادة في الحياة»، يقول محمود جمعة، اللاعب السابق لنادي غور الصافي والذي يعمل «كهربجي» في شركة خاصة. وعن شغفه بكرة القدم، لعبًا ومشاهدة: «الفطبول بعد الصلاة ورضا الوالدين (..) الفطبول إشي ثاني، عنّا استعداد ندفع كل إشي، مقابل إنه نحضر فطبول ونلعب فطبول».

من السهل أن تلمس حقيقة ما قاله جمعة وهو يشاهد واحدة من مباريات المونديال في قهوة مجمع الباصات، فمتابعة المونديال ليست إلا جزءًا من تعلّق بعض أبناء غور الصافي بكرة القدم عمومًا، قد تقابل طفلًا يبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا يلقبه رفاقه بـ«بوغبا» ومدربًا ثلاثينيًا يناديه لاعبوه بـ«الكوتش إيتو» على اسم كل من اللاعب الفرنسي بول بوغبا واللاعب الكاميروني صامويل إيتو.

وقد تقابل خالد البوات، الموظف في شركة البوتاس، الذي يفتخر بأن أبناءه «لعيّبة فطبول» وبأن أحدهم فاز بمجموعة من البطولات مع نادي غور الصافي للناشئين، ويحتفظ بصورته على موبايله وهو يحمل كأس بطولة ما. خالد وعلى عكس آباء آخرين، يعتقدون أن لعب «الفطبول» نوع من «الهمالة» في الشوارع، يرى فيه نقيضًا للشوارع باعتباره مساحة آمنة من «السوالف الثانية».

خالد البوات

صورة ابن خالد البوات

في غور الصافي ملعبان، أحدهما خماسي صغير، مليء بالحفر الإسفلتية، إذ تلفت أرضيته المصنوعة من الترتان بعد استعماله لخمسة عشر عامًا، وملعب ترابي آخر كبير، تعطل لسنوات من أجل الصيانة قبل أن يفتتحه الأمير علي في الأشهر الماضية، من أجل أن تلعب عليه لاعبات، من 22 دولة عربية وأجنبية، مباراة على أخفض نقطة في العالم بعد عام على خوضهن مباراة على قمة جبل كلمنجارو، وقد دخلت مباراتهنّ موسوعة جينيس للأرقام القياسية.

لا يقتصر اهتمام أبناء غور الصافي على كأس العالم فقط، بل يبدي العديد منهم اهتمامًا بالمباريات الخاصة بالمجتمع الغوراني المحلي. على الملعب الكبير تجمّع العشرات يوم الجمعة الماضي لمتابعة مباراة فريقي المعمورة والريشة عند الساعة السادسة ضمن بطولة الاستقلال التي ينظمها نادي غور الصافي. وتضم البطولة فرقًا شعبية من لواء الأغوار الجنوبية والمناطق المحيطة به. لا يوجد في الملعب الكبير مدرجات، فيشاهد الشباب المباريات من على السياج أو من فوق الجدران المحيطة بالملعب، ويختار البعض مشاهدة المباريات من داخل «دبّات» باصاتهم، ويجلب بعض الرجال من بيوتهم كراسي بلاستيكية يجلسون عليها لمتابعة المباراة، بينما تجلس النساء على أبواب ونوافذ منازلهن المطلة على الملعب الجديد.

جمهور مباراة المعمورة والريشة

أمّا على الملعب الصغير فيتدرب أحمد غازي، الطالب في مدرسة غور الصافي الأساسية، ذو الأربعة عشر عامًا كحارس مرمى لثلاثة أيام في الأسبوع مع فريق النورس الذي يدربه الكابتن «إيتو». «الملعب كويس، بس في كثير أماكن مخلوعة، وعند الجول مخلوع [الترتان] وفيه زفتة، لما أوقع على الزفتة إيدي واجريّ بتقشّروا وبيصيروا يحرقوا» يقول أحمد.

يدفع أحمد ربع دينار مقابل تدريبات منتصف الأسبوع ودينار واحد عن تدريب يوم السبت. يرتدي أحمد قفّازات زميله علاء، الحارس السابق، الذي توقف عن التدرّب لعدم قدرة أهله على دفع تكاليف التدريبات. يشجع أحمد منتخب فرنسا ويعبر عن إعجابه بالحارس الفرنسي هوجو لوريس، ويحلم بأن يصبح حارس مرمى نادي الفيصلي.

وفي مشهد آخر خارج هذين الملعبين، يلعب مجموعة من الشبّان على «ترابيّة» الشوارع الضيقة بشكل عفويّ وبسيط، فالأمر بالنسبة لهم لا يتطلب الكثير؛ حجران، «فطبول» الدكاكين، شورتات وأحذية غير مخصصة للعب، لكنها تكفي لتوفير المتعة المنشودة من كرة القدم.

أحمد غازي في الملعب الخماسي الصغير

الحارس أحمد غازي في مباراة تدريبية