رأي

السنة التحضيرية للطب: خطوة إلى الأمام أم خطوتان إلى الوراء؟

الأربعاء 08 آب 2018

ابتداءً من العام الدراسي القادم، ستبدأ الجامعة الأردنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا تنفيذَ قرار «السنة التحضيرية» في تخصّصي الطب وطب الأسنان. وكان مجلس التعليم العالي قد أقرّ في مطلع العام الحالي، البدءَ بالعمل بالسنة التحضيرية للعام الدراسي القادم (2018/2019)، بعد الموافقة على الأسس المشتركة بين تخصصيْ الطب وطب الأسنان.

يأتي هذا القرار تنفيذًا للاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي (2014-2018). ومنذ خروج الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية (2015) التي ذكرته كمشروع مقترح بشكل صريح أيضًا، تم تداوله في الإعلام والأوساط الأكاديميّة، وتوالت التصريحات حول قرب تغيير أسس القبول في التخصصات الجامعية وفقًا لما ورد في الاستراتيجية.

شهدت الأوساطُ الأكاديمية نقاشاتٍ حول آثار هذا القرار، وقد حذرت شخصيات أكاديمية من هذا القرار وتبعاته الاجتماعية والتعليمية، كان من أهمّها وزير التعليم العالي السابق، وليد المعاني، والذي يقول: «لا يجوز أن يتنافس أبناء مدارس القرى ناقصة التجهيز والمدرسين مع أبناء مدارس فيها مسارح وملاعب وحمامات سباحة، ثم ندعي العدالة». منوّهًا إلى أن قرارًا مثل هذا ستكون له ارتدادات اجتماعية سيئة ناهيك عن عدم جدواه على مستوى مخرجات التعليم.

رغم هذه الاعتراضات تمّ المضي قدمًا في قرار تطبيق السنة التحضيرية. وصارت هذه السنة واقعًا إجباريًّا على جميع الراغبين بدراسة الطب وطب الأسنان. وفي هذا المقال سأحاول تبيان الأسباب التي تدفعني للاعتقاد أن السنة التحضيرية، على الأقل بشكلها الحالي، تضر بالعملية التعليمية ومبدأ تكافؤ الفرص.

تلخيص للتعليمات الجديدة

تنص المادة الرابعة من التعليمات التي تم تعميمها على الجامعات المعنية، على زيادة قدرها 20% على الأعداد المقرر قبولها في تخصصي الطب وطب الأسنان في الجامعة الأردنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا، وذلك في جميع البرامج وفئات القبول (العادي، الموازي، الدولي). ذلك يعني قبول طلبةٍ بما يفوق الطاقة الاستيعابية لهذه الكلّيّات خلال هذه السنة.
وبحسب المادة نفسها، فإنّ رسوم السنة التحضيرية ستتطابق مع رسوم تخصص الطب والجراحة، بمعنى أنّ المردود المادي الذي سيعود على الجامعتين سيرتفع بصورة ملحوظة، أوّلًا لزيادة عدد الطلبة المقبولين، وثانيًا لأنّ سعر الساعة المعتمدة في تخصص الطب والجراحة هو الأعلى في درجة البكالوريوس في الجامعتين، وسيكون جميع المقبولين في هذه السنة مُجبرين أيّاً كان نوع قبولهم على الدفع وكأنّهم طلاب في تخصص الطب والجراحة.

كما تنص المادتان، الخامسة والسادسة، على أنّ السنة التحضيرية تتكون من فصلين دراسيّين، ولا يجوز للطالب تأجيل الدراسة خلال أي فصل من الفصلين. وفي نهاية كل فصل، سيُعقد امتحان واحد من 100 درجة لكل مساق من المساقات، على الطالب أن ينجح فيه وأن يحصل على معدل تراكمي لا يقلّ عن 60% لكي يُعتبر ناجحًا في هذه السنة التحضيرية، ومُرشّحًا للمنافسة على مقعد في تخصص الطب أو طب الأسنان. بعد هذا يقوم الطلبة الناجحون بترتيب خياراتهم بين الطب وطب الأسنان، لينتظروا نتائج القبول بعد نهاية الفصل الثاني. أولئك الّذين لم يحالفهم الحظّ ليكونوا من ضمن الأفضل في هذه السنة، سيضطرّون إلى مغادرة الطب وطب الأسنان تمامًا إلى تخصّصات أخرى.

ستكون مواد السنة التحضيرية هي فيزياء طبية، مقدمة في الطب وطب الأسنان، بيولوجيا عامة (نظري وعملي)، الكيمياء العامة والعضوية، تشريح وأجنّة، بيولوجيا خلوية وأنسجة، كيمياء حيوية، فسيولوجيا عامة.

ما المشكلة في السنة التحضيرية؟

رغم أن أحد التبريرات الأساسية للسنة التحضيريّة تصويرُها على أنّها تجاوزٌ لمركزية علامة امتحان الثانوية العامّة، ونقلةٌ نوعيةٌ نحو تقدير شغف الطالب ورغبته الحقيقية، إلّا أنّ الناظر إلى التعليمات المذكورة يجد أنّ السنة التحضيريّة أشبه ما تكون بسنة «توجيهي» أخرى، بل ربّما أشدّ ضراوةً على نفسية الطالب من ذلك لأسباب عديدة سأذكرها بعد قليل، كما أنّها لا تميّز من له شغف أو رغبة بقدر ما تميّز الأكثر استعدادًا في تعليمه الثانوي والأساسيّ.

لغايات إعداد هذا المقال، تحدثت لزيد الخطيب، وهو رئيس كتلة «أهل الهمّة» في الجامعة الأردنية وطالب طبّ كذلك. وعن رأيه في السنة التحضيرية قال الخطيب إنّ هذا القرار صفعةٌ قويّة لمفهوم تكافؤ الفرص بين الطلبة في الجامعة، حيث ستكون السنة التحضيرية، بحسبه، أسهل بشكل كبير على خرّيجي البرامج الأجنبية، وستكون بكل تأكيد أسهل على أبناء المدينة ومن درسوا في المدارس الخاصّة، بينما سيكون التحدي أكبر أمام أبناء المحافظات والمدارس الحكومية والطلبة الأقل حظًّا، حيث أنّهم أمام عائق اللغة الإنجليزية وأمام عائق التأقلم مع البيئة الجامعية الجديدة وحياة المدينة التي تمثّل بحدّ ذاتها ضغطًا نفسيًا عليهم.

ويرى الخطيب أن طلاب هذه الفئة سيذهبون إلى الجامعات التي لن تطبّق السنة التحضيرية، تاركين الأردنية و«التكنو» لغيرهم.

وتساءل الخطيب عن مدى جاهزية الجامعتين لإدارة سنة مصيريّةٍ وحسّاسةٍ كهذه على عدة مستويات. إذ ستواجه الجامعتان برأيه الكثير من المشاكل في إدارتها ابتداءً من تدريس المساقات وتوزيع الشّعب، مرورًا بصياغة الامتحانات ومنع الغشّ وتسرب الأسئلة، وليس انتهاءً بتوزيع الطلبة الّذين لن يحالفهم الحظّ بالقبول في أحد التخصصين على تخصصات الجامعة الأخرى.

ومن بين القضايا التي تستحق النقاش في موضوع السنة التحضيرية، قضية استثناء الطلبة غير الأردنيين المقبولين في البرنامج الدولي وطلبة التبادل الثقافي من معظم موادّ وتعليمات هذه السنة. هؤلاء الطلبة هم فقط من يحصلون على فرصة إعادة السنة التحضيرية في حال عدم النجاح فيها، وهم فقط من لا ينافسون على مقاعد الطب وطب الأسنان بعد انتهاء السنة، بل يُقبَلون أصلًا في التخصص ويكملون فيه مع اعتبار هذه السنة التحضيرية سنتَهم الأولى في التخصص، وليس من المطلوب منهم سوى النجاح فيها بمعدل تراكمي لا يقل عن 60%.

هذا الاستثناءُ أثارَ حفيظةَ العديد من الطلاب، متسائلين عن صحّة الفصل بهذه الطريقة بين الطالب الأردني وغير الأردني، رغم أنّهم في نفس المستوى الدراسيّ، وعن مدى تأثير هذا الاختلاف في المتطلبات النهائية على الجوّ الأكاديمي داخل وخارج القاعات الدراسية. كما أنّ هذا التمييزَ، برأيي، يحمل رمزيّة سيئة باعتباره جزءًا من سلسلة مستمرة من تحويل التعليم إلى مجرد استثمارٍ ربحيّ تُوفّر فيه التسهيلات لمن يدفع أكثر ولمن يأتون من الخارج لا أبناء البلد.

قرارات من أعلى

د. نافذ أبو طربوش، نائب عميد كلية الطب في الجامعة الأردنية قال بأنّ السنة التحضيريّة فكرة جيدة من حيث الأساس، وهي موجودة في العديد من النظم التعليمية في دول مختلفة حول العالم، ولكنّ المشكلة الرئيسية تكمن في تطبيق فكرةٍ تنتج ظروفًا غير عادلة ولا ملائمة، ودون استشارة من هم داخل الجامعات. حيث جاءت التعليمات مباشرةً من مجلس التعليم العالي ودون نقاشاتٍ سابقة. يشير أبو طربوش إلى أنّ معظم أعضاء الهيئة التدريسية في كلية الطب على الأقل يعارضون تطبيق هذا القرار ولا يجدونه منطقيًّا.

أمّا على صعيد التحركات الطلابية، وفي مقابلة مع عضو مجلس طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا وطالب الطبّ أحمد القاعود، قال إنّ الاحتجاج الطلابيّ بدأ على هذا القرار متأخّرًا بعد تضرّر الطلبة المعيدين وكذلك الملتحقين أصلًا بالجامعة الّذين يريدون إعادة امتحان الثانوية العامة للتحويل من برنامج إلى آخر (غالبًا من موازٍ إلى تنافس). هؤلاء كانوا ضحيّةً أخرى لهذه التعليمات، مما دفعهم للتحرّك قبل بدء العام الجديد بتعاون بعض الكتل الطلابية معهم في الجامعتين، ونجح هذا الحراك الطلابي في استثناء هذه الفئة من التعليمات الجديدة عليها. ويؤكّد القاعود في «التكنو» كما الخطيب في «الأردنية» أنّ الكتل الطلابية لن تكتفي بهذا الحراك، بل ستحاول بكافة السبل الممكنة أن ترفع الوعي بمخاطر هذا التغيير وتوابعه السيئة اجتماعيًا وطلّابيًا.

يرى المتحمّسون لفكرة السنة التحضيرية أنّها ستطوّر من مستوى الخرّيجين، ومن معدّلات الطلبة في السنوات اللاحقة لها. وتبرّر الاستراتيجية الوطنية تمرير هذا المشروع على أنّه تجريبيّ سيتم قياس الأداء بعد تطبيقه من خلال انخفاض معدلات الرسوب والانسحاب في مواد التخصص من عدمه، وعلى أنّه مشروع لا مخاطرَ وتحديات تواجهه سوى الاعتناء بمن لا ينجحون في هذه السنة أو من لا يحالفهم الحظ لإكمال مشوارهم. ويبرّر مؤيدو السنة التحضيريّة استثناء الطلبة غير الأردنيين منها على أساس أنّهم لا يؤثّرون على سوق العمل الأردنيّ بعد تخرّجهم.

لكن في مقابل هذه الحجج لا زالت لدى معارضي السنة التحضيرية الكثير من الأسئلة والاعتراضات، أهمها سؤال تكافؤ الفرص المتاحة للطلبة الأردنيّين أنفسهم والارتدادات السلبية الممكنة جرّاء تأجيج الشعور بالغبن. وكذلك سؤال الخطة –غيرالموجودة إلى حد الآن- التي سيتمّ اتّباعها مع الطلبة الّذين لن يكملوا مشوارهم في الطب وطب الأسنان وأثر هذه التجربة السلبي جدًا عليهم، والسؤال الكبير حول إصلاح التعليم الأساسي قبل الحديث عن إصلاح شامل وجذري في التعليم الجامعي.

برأيي، لا تبدو فكرة «السنة التحضيرية» مبشّرة أبدًا، وأعتقد أنها حلقة في مسلسلٍ مستمرّ من إدارةٍ غير متوازنة للتعليم العالي في الأردن، واستمرار للنظر إلى التعليم العالي على أنه استثمارٌ ربحي، دون اهتمام بما قد يتمخّض عن هذه النظرة من مشاكل اجتماعية وظلم للفقراء وفرص غير متكافئة في التعليم.

تتحول المؤسسات التعليمية والجامعات الأردنية الأعرق شيئًا فشيئًا من مؤسسات يمتلكها الشعب، إلى استثمارات تستقطب الأغنياء داخل الأردن وخارجه. وتتحوّل إلى بيئة طاردة لأبناء المحافظات والفقراء والأقل حظًا عبر سياسات تميّز بشكل واضح بين الدّولي والمحليّ، وبين الغني والفقير، وبين المراكز والأطراف المُهمّشة.