كيف نساعد أطفالنا على النجاح، دون توتر

الأربعاء 24 آب 2016
بعدسة حسام دعنة.

بقلم إريكا ريشر، ترجمة دعاء علي

(نشر هذا المقال بالإنجليزية في مجلة The Atlantic في ١٦ آب).

في تجارب «المارشملو» التي باتت شهيرة اليوم، حاول باحثون في جامعة ستانفورد دراسة قدرة مجموعة أطفال في سن الروضة على التحكم بأنفسهم وتأجيل متعتهم، بإجلاسهم وحدهم في غرفة مع قطعة حلوة مغرية لقياس قدرتهم على الانتظار.

بعد سنوات، تبين أن الأطفال الذين قاوموا الإغراء لمدة أطول مالوا لتحصيل أعلى الدرجات الأكاديمية بين أقرانهم. في الواقع، كانت قدرتهم على تأجيل أكل المارشملو أكثر قدرةً على التنبؤ بنجاحهم الأكاديمي مستقبلًا من نسبة ذكائهم (IQ).

أظهر بحث آخر أن التحكم بالنفس يرتبط طرديًا كذلك بارتفاع القدرة على تحمل التوتر وعلى التركيز، إضافة إلى التعاطف والضبط الأفضل للعواطف، واللياقة الاجتماعية. وتنسحب هذه النتائج على مختلف الأعمار، فمن أطفال الروضة إلى المراهقين، كان الأطفال الذين تحكموا بشكل أفضل بمشاعرهم وسلوكياتهم أكثرَ قدرةً على التركيز على أهدافهم والحفاظ على صلات إيجابية مع الآخرين.

بالتالي، فإن التحكم بالنفس يؤسس للإنجاز الأكاديمي وللمهارة في التعامل مع الآخرين، وهما مسألتان تسهمان في النجاح في الحياة.

بينما يركز الأهالي الآملون في أن يتفوق أطفالهم عادةً على المعلمين الخصوصيين، والدروس المتقدمة، وتخصيص المزيد من الوقت للدراسة، تشير الدراسات المتعلقة بالتحكم بالنفس إلى أن مقاربة الأمر عبر «باب خلفي» قد تكون أشد نجاعة، وأنها كذلك أفضل للأطفال من المسار عالي التوتر الذي يجد الكثير من الأطفال أنفسهم مرغمين على أن يسلكوه، بأمر من آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم ذوي النوايا الحسنة.

تحذر الكثير من عناوين الأخبار [في الولايات المتحدة] من التركيز المتزايد على الإنجاز وعواقبه على الأطفال، كالقلق، والاكتئاب، ونقص النوم، وحتى الانتحار. وقد تحدث الطلاب أنفسهم بمأساوية عن هذه الآثار. كارولين والورث، التي كانت حينها طالبة في مدرسة بالو آلتو الثانوية، كتبت في مقالٍ السنة الماضية:

تتعلم أنه من المقبول والضروري أن يتملكك الذعر حيال علاماتك. تخلد للنوم في الواحدة صباحًا كل ليلة، لتستيقظ بعد بضعة ساعات (أو أقل إذا كان لديك تدريب صباحي لرياضتك) من أجل أن تنجز كمًا مبالغًا فيه من الواجبات المنزلية كل ليلة. لكن على الأقل، لديك فرصة للاسترخاء ومتابعة اهتماماتك في عطلة نهاية الأسبوع، أليس كذلك؟ لا، فهناك دفعة أخرى من الواجبات تنتظرك ليلة الجمعة. لقد أضعنا، كمجتمع، معنى أن تتعلم وأن تتلقى تعليمًا.

ماذا لو كانت هناك طريق أبسط وأقل ضغطًا؟ تشير الأبحاث حول التحكم بالنفس إلى أن هذه الطريق موجودة بالفعل: بدلًا من التركيز على الإنجاز بحد ذاته، يمكن للآباء والأمهات والتربويين أن يعينوا الأطفال على النجاح بمساعدتهم على تطوير مهارات تتعلق بالتحكم بالنفس وممارستها.

بالنسبة للأطفال الصغار بالتحديد، فإن اللعب التخيّلي بالذات جزءٌ جوهري من ممارسة التحكم بالذات، نظرًا إلى أن الأطفال خلال لعبهم يضعون قواعدهم الخاصة ويستشعرون الدافع لاحترام هذه القواعد طالما أن اللعبة ممتعة. الاستمتاع باللعبة هو ما يوفر الدافع للمحاولة.

وكما يشير عالما الأعصاب ساندرا آمودت وسام وانغ، «حتى تلعب لعبة المدرسة، عليك أن تتصرف كمدرّس أو تلميذ وتكبح نزعاتك نحو التصرف كطيار مقاتل أو كرضيع. إن اتباع هذه القواعد يمنح الأطفال بعض أول تجاربهم في التحكم بسلوكهم من أجل تحقيق هدف مرغوب».

اللعب ليس عكس التعلم، بل هو تعلم بحد ذاته.

بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا، فإن السعي وراء أنشطة معينة أو مواضيع أكاديمية تعكس اهتماماتهم الوليدة -عوضًا عن تحقيق أفكار غيرهم عمّا سيؤهلهم لخوض حياة جامعية أو مهنية تنافسية على أفضل نحو- هو أمر أساسي من أجل تطوير قدرتهم على التحكم بالنفس، لأن دافعية التمسك بهذا السعي تنبع من هدف شخصي، لا من رغبة في إرضاء الآخرين أو إبهارهم.

التحكم بالذات مهارة يمكن تحسينها عبر الممارسة. لذا، فإن الأطفال الذين يُمنحون المزيد من الفرص لفعل ذلك سيحظون بأفضلية تميزهم عن أقرانهم. تختلف قدرة الأطفال الأولية على إظهار التحكم بالنفس، لكن ممارسته بنجاح ستفتح الباب للمزيد منه: فكلّما مارسناه، صرنا أفضل في ممارسته. لكن في الوقت نفسه، فإن مقارنة النفس بآخرين أفضل حالًا، أو الفشل المتكرر في مهمة أصعب مما يجب، قد يجعلان الأطفال يشعرون بالدونية أو يقاومون المحاولة من جديد.

اللعب ليس عكس التعلم، بل هو تعلم بحد ذاته

المسألة الجوهرية هنا، هي ألّا تكون هذه الممارسة مدفوعة بالالتزام بالقوانين من أجل إرضاء أحد أو تجنب عقاب ما. فالتحكم بالنفس، في النهاية، يتعلق بتعلم المرء التحكم بنزعاته من أجل تحقيق أهدافه الشخصية. (في دراسة المارشملو، الجانب السلبي الوحيد لأكل حبة المارشملو الأولى كان إضاعة الفرصة لأكل حبة ثانية. لم يُعاقب الأطفال على أكل المارشملو على الفور، ولا امتُدحوا على الانتظار، لكنهم كانوا يعلمون أنهم سيحصلون على حبة مارشملو ثانية إن انتظروا).

قد يرى بعض الآباء والأمهات أن هذه المقاربة، التي تتطلب كفاحًا أقل وانخراطًا أعلى، مرغوبة لكنها ساذجة (أو ساذجة فحسب): إن تخلّفوا هم في السباق نحو دروع الإنجاز بينما ظل جيرانهم يرسلون أطفالهم إلى ورشات البرمجة، والمدرسين الخصوصيين، وحصص الامتحان المؤهل للجامعات، ألن يخسر أبناؤهم في هذه البيئة التنافسية أكثر من أي وقت مضى؟

قد يكون من الصعب على الآباء والأمهات أن يروا قيمة جعل أبناءهم المراهقين الذين يحبون الملابس يحضرون حصصًا للخياطة بدلًا من دروسًا خصوصية في الكيمياء، على سبيل المثال («كيف سيدخلون الجامعة بحصص خياطة؟»). لكن بالنسبة لطفل أو طفلة، فإن حصة الخياطة تقدم أكثر بكثير مما يبدو من بعيد: مهاراتٍ في الخياطة، نعم، لكن أيضًا فرصة أن يبدعوا، وأن يديروا ذواتهم، وأن يركزوا على هدف اختاروه بأنفسهم.