سيدات من الحسا: الجمعيات الخيرية مدخلًا للنساء إلى الحيز العام

فلاحة الجررة (أم طالب) في مقر جمعية «الأمير هاشم لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة» التي ترأسها في الحسا. تصوير عز الدين الناطور

سيدات من الحسا: الجمعيات الخيرية مدخلًا للنساء إلى الحيز العام

الثلاثاء 18 نيسان 2017

على بعد كيلومتراتٍ قليلة من أحد أكبر احتياطيات الفوسفات في الأردن، تقع مدينة الحسا بمحافظة الطفيلة.  الحسا، بحسب التقسيمات الإدارية هي لواء مركزه مدينة تحمل ذات الاسم، يقطنها نحو 10 آلاف شخص، ولا يوجد فيها الكثير، تمامًا كباقي البلدات على الطريق الصحراوي الذي يربط وسط الأردن بجنونه.

في زيارة إلى الحسا مؤخرًا، التقيت بسيدة يناديها كل من حولها بـ«أم طالب»؛ سيدة خمسينية، تلبس زيًا بدويًا تقليديًا وتبتسم دومًا، تعرف أسماء كل من حولها وتناديهم دومًا بـ«يمّا»، وترأس جمعية «الأمير هاشم لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة».

عندما تعرّفتُ على أم طالب، أو فلاحة الجررة، كانت تشرف على توزيع كراسٍ متحركة لعدد من ذوي الإعاقة الحركية. كان واضحًا أنها تعرف أسماء الكثير من المعاقين الذين يسكنون في المنطقة، كما أن أهاليهم يعرفونها بالمقابل.

بدافع الفضول، بدأتُ أسألُ إن كان هناك سيدات أخريات مثل أم طالب في الطفيلة. الإجابة كانت مثيرةً للاهتمام: ست جمعيات من أصل سبع جمعيات عاملة في الحسا ترأسها نساء، وبعض الجمعيات جميع أعضائها من النساء، بحسب عبد الله الحجايا مسؤول الجمعيات بالحسا. هذا على الرغم من أن نسبة الجمعيات الخيرية التي ترأسها نساء من مجموع الجمعيات الخيرية في المملكة يبلغ نحو 7 بالمئة، بحسب سلطان الدروبي، من الدائرة الإعلامية في وزارة التنمية الاجتماعية.

مديرة سجل الجمعيات في وزارة التنمية الإجتماعية ختام شنيكات تقول إن السيدات بالقرى والمناطق الفقيرة بشكل عام يُقبلن على الانضمام للجمعيات أكثر من الذكور لأنهن يجدن فيها فرصًا للتدريب ومتنفسًا اجتماعيًا مهمًا بالنسبة لهن.

عدتُ لاحقًا إلى الحسا، محمّلًا ببعض التساؤلات، التي كان على رأسها من هنّ هؤلاء السيدات اللواتي يقدن الجمعيات في مدينة الحسا؟

بدأتُ بمحاولة الإجابة عنها من حيث انتهيت في المرة الأوّلى؛ بلقاء أم طالب.

التطوع سبيلًا لتحقيق الذات

أم طالب، سيدة من مواليد العام 1965، درست في المدرسة حتى الصف الرابع، وتزوجت وهي في السابعة عشرة من عمرها. ولديها الآن سبع بنات وثلاثة أولاد، و16 حفيدًا.

أم طالب في الجمعية.

«دخلت العمل التطوعي بالصدفة»، تقول أم طالب. «بالـ2007 زرنا رنا الحجايا، المهندسة رنا، بعد ما فازت بانتخابات البلدية. رحنا نباركلها وكانت أمها هند الحجايا رئيسة الجمعية موجودة، فأنا حكيت أكم كلمة، بعدها قالت: حرام إنتي تظلي بالبيت، وظلت وراي لحد ما سجلت». وكانت رنا قد فازت بانتخابات رئاسة المجلس البلدي للحسا، بعد أن عينت عام 2003، وكانت والدتها من أوّل من أسس جمعية في المدينة وترأستها لفترة طويلة.

انضمت أم طالب إلى الجمعية، وتزامن ذلك مع الوقت الذي توقف فيها زوجها عن العمل لأسباب صحية بعد أن عمل لمدة 26 عامًا في مناجم الفوسفات. انتخبت أمينة للسر بعدها، ثم في عام 2012 انتخبت للرئاسة وبقيت كذلك حتى الآن. تحاول قدر الإمكان أن توازن بين العمل التطوعي ومساندة مجتمعها المحلي وبين أسرتها.

الجمعية التي تديرها أم طالب لا تقتصر نشاطاتها على مساعدة ذوي الإعاقة وإنما تحاول، كذلك، تقديم المساعدات المالية والعينية للمحتاجين، وتوفر التعليم للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، بالإضافة إلى عقد الورش التدريبية والتعليمية.

تقول: «الناس بأمّنوا علي وبعرفوني، بسمحولي أخش بيوتهم وأتعامل مع أطفالهم، وهسا تقريبًا كل بيت بالحسا بعرفني، وأنا بعرفهم، والكل بحبني، الحمد لله، محبوبة عند الكبار والصغار».  

تقول أم طالب أنها عانت كثيرًا قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم. . «[زمان كان الوضع] من البيت للمطبخ، ما في طلعة، ما في روحة، ما في جيّة. بالألفين [أوّل مرة] طلعت، كانت أمي الله يرحمها مريضة وكنت أروح وآجي معها على عمّان والمدينة الطبية، وبعدها، تحرّكنا ورحنا وشفنا وجينا، وتعرفنا على الناس». وعن الفائدة التي تتحقق لها من عملها العام، تقول، هي التي لا تحصل على مقابل مادي منه، أنها قد وجدت جزءًا من ذاتها من خلال العمل التطوعي.

ورغم إعجابها بالتطور الذي مرّ به المجتمع، إلّا أنها ترى أن الوضع لا زال دون المأمول: «لسا في ناس بتفكر بالعقلية القديمة وعايشة بالعصر الحجري، وبقولوا إنه البنت والست إلها بيتها، وخلص. (..) ومع هيك بتحس البنات في عندهم طموح، بس للأسف ما بتلاقي في المنطقة هانا الإشي إللي يفرغن طاقتهن فيه، مع إنه البنات اللي بدرس بالجامعات أكثر من الشباب».

وتظهر أرقام ديوان الخدمة المدنية أن في محافظة الطفيلة 4449 امرأة تقريبًا تنتظر دورها بالتوظيف مقابل نحو 885 رجلًا حتى نهاية عام 2015، بينما في العام 2011 كان عدد الرجال المتقدمين بطلبات التوظيف في الطفيلة لديوان الخدمة المدنية 811، مقابل 3841 امرأة. وتجاوزت نسبة المتعطّلات عن العمل في الأردن من حملة البكالوريوس 75% عام 2015، بحسب تقرير لدائرة الاحصاءات العامة.

حاليًا، تطمح أم طالب لتأمين تبرّع يغطي تكاليف بناء مبنى جديد بدل المبنى الحالي المملوك للبلدية التي هددت بإخلائه أكثر من مرة، علمًا بأنه كان مجرد «زريبة حيوانات» في الماضي قبل أن يتحول إلى مبنى للجمعية، بحسب أم طالب.

تقول أم طالب إنها كانت دائمًا تتمنى الانضمام إلى الجيش، مثل والدها، لكنّها لم تتجرأ على البوح برغبتها هذه لأسرتها. «إحنا بدو، صعب تحكي زي هيك».

وإن كان جزءٌ من مجتمعها الذي تعيش فيه قد يسمح بأن تكون جزءًا من العمل التطوعي، فإنه أيضًا يضع قيودًا على فكرة العمل السياسي للمرأة، تقول: «فكرت أنزل على الانتخابات البلدية، بس ابني رفض، قلّي البلدية لأ يما، وأنا احترمت رأيه».

فتح الباب لجيل جديد

رفضٌ شبيه تلقّته أم خالد، أمينة الصندوق في جمعية الأمير هاشم، عندما فاتحت عائلتها بفكرة الترشح للانتخابات البلدية القادمة. «البلدية لأ يما»، قال لها ابنها.

زوجها كان داعمًا في البداية لكنه عاد ورفض الفكرة بتأثيرٍ من الناس الذين قالوا له «إنزل إنت يا أبو خالد، بس أم خالد لأ»، بحسب قولها. «أنا أخذت بخاطرهم بالآخر وبطلت، لأني ما بحبش المشاكل ولا بحب أعاندهم».

أم خالد أمام منزلها.

أم خالد من النساء اللواتي يتطوعن للعمل في الجمعيات الخيرية في الحسا، تعمل في هذا المجال منذ نحو عشر سنوات. لم تكمل أم خالد دراستها بعد المرحلة الثانوية، فالظروف الاقتصادية لعائلتها لم تكن تسمح بذلك، لكنها أخذت من والدتها هواية الأعمال اليدوية والخياطة والتطريز، التي تحوّلت في لحظة ما إلى مهنة تساند فيها أسرتها اقتصاديًا.

تقول أم خالد إن الجمعية والعمل التطوعي ساعداها على الاندماج في الحسا، حيث أنها تنتمي أصلًا إلى مدينة معان. كما أن العمل التطوعي ساعدها على صقل مهارتها في الأعمال اليدوية قبل أن تأخذ ورش عمل متخصصة ثم تتحول لاحقًا إلى مدربة في هذا المجال، الذي ترى أنه «مقبولٌ إجتماعيًا».

من الخدمات التي تقدّمها الجمعية، التدريب على الخياطة. تقول أم خالد: «في كثير بنات بيجوا بتدربوا عندي لأنهم مش لاقيات شغل فبحاولن يعملن إشي يسليهن ويساعدنهن».

أسرة أم خالد التي رفضت فكرة ترشحها لانتخابات عضوية المجلس البلدي، تتقبل فكرة أعمالها اليدوية التي تساهم في مساندة الأسرة ماديًا، وهو ما دفعها إلى تحويل غرفة من البيت إلى معمل صغير ومعرض يبيع هذه المنتجات لأهالي المنطقة.

تقول أم خالد: «شغلي بساعدني أصرف على حالي وعلى البيت، وخلاني أوقف مع البيت بكثير أوقات، وحتى ساعدنا أدرّس بنتي. أنا كان نفسي أكمل دراسة بس الله ما قسم لي، بس عوضتها ببنتي. بس أخوها ما كان بدو تكمل دراسة، بس أنا تحديتهم لحتى تكمل وتدرس، خلصت علوم مالية ومصرفية، بس لهسا لا والله ما بتشتغل، مش ملاقية شغل».

زوج أم خالد، يحيى القرامسة، يدعم فكرة عمل زوجته ونشاطها الاجتماعي ضمن الجمعية.

يقول: «مشروع أم خالد خلانا ما نحتاج حد، ما كنت حاب الموضوع أول شيء، بس شوي شوي صرت أحس إنه مفيد إلنا وللبيت». يتابع: «الناس تغيّرت عن قبل. الوضع الاقتصادي، أجبر إنه ثقافة العيب تزول عند الناس، هسا صار أمر طبيعي إنه بنت فلان تكون تشتغل بمصنع، هسا الكل بدو يشتغل، بس ما حد لاقي وظايف».

من دراسة الحقوق إلى العمل المحلي

المحامية منال المراغية، مؤسسة جمعية الحسا للفقراء والأيتام، ورئيستها حتى الآن، ترى أن نشاط السيدات في هذه الجمعيات يعود إلى معرفتهن العميقة بالمجتمع المحلي الذي ينتمين إليه.

منال المراغية.

المحامية المراغية، درست الحقوق بناءً على رغبة شخصية، إلا أن ذلك لم يكن سهلًا وإن كان هناك دعمٌ من عائلتها، تقول: «درست قانون لأني بدي أدافع عن حقوق المرأة والطفل لأنه في كثير ناس هون حقهن مظلوم».

تتابع: «العيلة شجعوني، كوني شخصيتي قوية، وجريئة، بس برضه كمان الناس وقرايبي كانوا يقولوا ليش تودي بنتك على الجامعة، الجامعة ما بطعمي خبز، هاظ التخصص ما إله مجال، درسها تصير معلمة، بدال ما تروح بكرة تختلط بين الزلم بالمحكمة». عم منال اتخذ موقفًا وقاطع العائلة بشكل كامل حتى الآن وذلك بسبب إقدام والد منال على تدريسها وإدخالها سوق العمل، كما تقول المراغية.

أسست المراغية جمعيتها عام 2011. وتشكّل النساء نسبة كبيرةً من أعضائها أيضًا كما تقول، وتحاول قدر الإمكان أن تقدم يد العون للمجتمع المحلي عبر العناية بالأيتام والفقراء وكذلك تمثيل النساء قانونيًا والترافع عنهن وتثقيفهن بحقوقهن.

والمراغية ليست جديدة على العمل العام أو التطوعي، ففي عام 2007 نجحت في انتخابات المجلس البلدي بالتزكية بعد أن كانت السيدة الوحيدة التي تترشح لعضوية المجلس ضمن الكوتة ، ولعل هذا ما فتح لها الباب أمام العمل العام، إلا أنها تقر أن محاولة فرض احترامها على المجلس لم تكن سهلة، لكن تشجيع عائلتها ساعدها على ذلك، كما تقول.

تعتقد منال أن خلفيتها القانونية وعملها العام في المجلس ساعداها قليلًا في قيادة جمعيتها وكذلك في التعرف أكثر على مجتمعها المحلي وأيضًا تشجيع نماذج نسائية أخرى على أن تحذو حذوها، ولعل من بينهم أختها عبلة، التي ترشحت لعضوية المجلس البلدي وفازت بعضويته.

تقول عبلة: «كان المفترض تنزل منال، بس هاي المرة ما رضوا لأنه مكان إقامتها برة الحسا، ومسجل محل إقامة زوجها، فهي قالتلي انزلي ودفعت لي الرسوم، ونزلت وفُزت، كان عمري وقتها 25 عامًا».

من الحديث مع السيدات العاملات في الجمعيات الخيرية في الحسا يمكن لنا التعرّف على المهمّات العديدة التي تقوم بها تلك الجمعيات، وعلى الأثر الإيجابي المتحقق من ثقافة التطوّع والمشاركة التي تشيعها هذه الجمعيات. إضافة إلى دورها في كسر المحرّمات الاجتماعية والإسهام في تعزيز مكانة المرأة كفاعل اجتماعي واقتصادي، ولو بشكل جزئي.