تدوينة

كيف فشلت مهمتنا في إنقاذ كوكب الأرض

الأربعاء 08 حزيران 2016
الشجعان الثلاثة

في مطلع رواية المسخ لكافكا، نقرأ السطر التالي: «إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلامٍ سادها الاضطراب، وجد أنه تحوّل، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة».

***

مهند: إنّ أسوأ ما يمكن أن يحصل لك هو أن تكبر على ألحان أغنية جونغر

«جونغر» هذا، لمن لا يعرف، بطل يابانيّ مصنوع من فولاذ، وملون بالأزرق والأحمر. هو عملاق ينقذ البشرية، بإرادة لا تكل، بفكّ عريض وكتفين رحبين يعشش على كل منهما عصفور. وبأعصاب هي كناية عن أسلاك كهربيّة لا يفت في عضدها خيانة من خان، ولا صروف الدهر وتقلّبات الزمان، ولا الأشعة متعددة الألوان التي يطلقها عليه أعداء بآذان طويلة ومشوهة وأسنان حادة ومخططات للقضاء على الكوكب، ولا حتّى الاتصالات المرعبة التي تأتي في آخر الليل من أمك.

عربيًّا، يبدو أن هذا البطل الكرتوني قد مرّ بدورة تطوير شامل شملت كورس مظلّيين لدى طلائع لدى حزب البعث السوري (أو لدى ستوديو دبلجة وتعريب متأثر بأفكار ميشيل عفلق).. وصار جونغر مسؤولًا عن الدفاع عن أهم وأقدس وأرقّ وأجمل بقعتين في هذا العالم: الكرة الأرضية، والوطن.

***

جابر: أسوأ ما يمكن أن يحصل لك هو أن تتربى على أغنية الشجعان الثلاثة

«كالإعصار الهادر، كالبركان الثائر، حاربوا الغزاة وانتصروا».

إن كان ما أذكره صحيحًا، فإن أول «كْرَش» لي في حياتي، كان على فتاة تدعى هبة، كانت في مثل عمري، أو ربما أصغر قليلًا. وهبة هذه، وكأي حبّ أول، أو خامس عشر في حالتي، لم تكن تحبّني. وللأمانة، هي ككل فتاة أحببتها لاحقًا، لم تكن تعرف بوجودي، لأنها كانت شخصية وهمية، لم أخترعها أنا، وإنما كتّاب مسلسل كرتوني يدعى الشجعان الثلاثة، كنا نتابعه أيام الطفولة، قبل مرحلة البطن المندلق مترًا للأمام، والسكري والمشاكل الصحية والأزمات الوجودية.

مشكلتي الرئيسة مع هبة لم تكن في أنها لم تكن تحبني، وإنما في أنها كانت مغرمة من طرف واحد، مثلي، بفتى يدعى نوّار. ونوار هذا كان على النقيض منّي تمامًا، ولذا كنت أتفهم ما تشعر به هبة تجاهه، ولو كنت فتاة، لكان نوّار فارس أحلامي، ولكنت ضرّة هبة.

كان نوّار وكأنه مخلوق كما يحب، أو مرسوم رسمًا، عيناه واسعتان سوداوان، وجهه وسيم للغاية من دون عمليات شد، جسمه رياضي من دون أن يدفع ستين دينارًا كاشتراك شهري في الجيم، وهو ذكي ومتفوق من دون أساتذة خصوصيين أو غوغل، وفوق هذا كله، هو شجاع عن حق وحقيق، شجاع لدرجة تجعله لا ينسحب من المعركة انسحابات تكتيكيّة. ولأن شجاعة نوار قد طغت على ما عداها من صفات، فقد بات أحد الأشخاص الذين أوكلت إليهم مهمة الدفاع عن كوكب الأرض في وجه الغزاة. تخيلوا حجم هذه المهمة، وشرفي أنها تكاد توازي في خطورتها مهمة صائب عريقات أو مهام الكابتن ماجد فرج.

***

تخيلوا معي أية مصاعب يمكن لبطل ياباني أن يواجهها: غزاة من الفضاء؟ ماكسيموم حادثة حب أليمة مع فتاة بتنورة زرقاء ونظارات واسعة في المدرسة؟ هذه هي معضلات النسخة اليابانية الأصلية من جونغر.

ككل النماذج الأولية، يتم إخضاع جونغر لمهام سهلة، كعدم الاصطدام بالواقع (هنالك مجسات لتفادي الواقع في هذه النماذج)، أو كاختبار قدرته على التحليق في فضاء الخيال، على إطلاق الأشعة من العيون. أنتم تعرفون: كل الأمور البسيطة التي تتوقعها من إنسانك الآلي يعني.

لكن، لا! حين تمرّ هذه القصص التافهة عبر آلة البعث للتصنيع القومي، فإن تخييلًا ينطلي على العالم بأسره، لا بل يندلق على العالم سطل دهان وردي كبير، من أكبر الأحجام. وتصبح كل المشاكل بما فيها مشكلة تصلب الشرايين وتضخم العملة وفقر الدم وانتشار قلة الأدب في صفوف الجيل الصاعد، مشاكل قابلة للحل. فمهما تكن الصعاب صعبة، والألم أليمًا، والحكومة مُحكمة، فإن هنالك حلقة أخيرة تنتهي فيها كل المصاعب، ومن خلف الدخان يندلع المشهد الكرتوني ذو الألوان الزاهية:

من خلف الدخان، ها أنا أتسلّق مشهد النهاية: جونغرًا صاعدًا على الركام والخراب، مرفوعًا على موسيقى النصر، ومن خلفي جبل يكلل رأسه بالثلج، وبتلات زهر الكرز تتهادى متساقطة ورديّة حولي، عصفور يطارد عصفورة. وجهي ملوث، قليًلا، ببعض الشحبار. وهنالك إصابة ما في كتفي. أنذال! لكنني سعيد. فمن خلفي حطام الحكومة، وحطام تصلب الشرايين، وحطام العملة. وحطام الجيل الصاعد. وها هو مدربي، والفتاة ذات التنورة الزرقاء، وأولاد صفي جميعًا، والمسّ (المسّ أيضًا، بعد أن خلعت حجابها ونظارة كعب الكباية، وارتدت تنورة وبلوزة بيضاء ضيقة)، ها هم يرفعون أصابعهم اليابانية الجميلة بإشارة النصر، والفتاة ذات المريول الأزرق، بجراباتها البيضاء الطويلة، ترفع ساقها اليسرى وتغمز. وأنا، بكل ما في القلب من إيمان، ومن أغاني الشيخ إمام عيسى، ومن قدرة على الاحتمال، بانتظار الإشارة اليابانية التي تعني «النهاية» والتي ستأتي على يسار الشاشة مع تصاعد الموسيقى الإلكترونية. وسيطول انتظاري.

***

المهم، أنك تكبر وفي رأسك أنك نسخة أكثر حقيقيّة من نوار، بالتأكيد لا تملك ربع وسامته، حيث أن نظرة بين السنة والأخرى على المرآة ستدلك على هذه الحقيقة، لكنك في قرارة نفسك تعتقد أنك تمتلك شجاعة نوّار وهذا كافٍ، كافٍ لأن تحترم نفسك بعض الشيء، وكافٍ كذلك لأن تعتقد أن عبير ستحبّك حين تعلم عن هذه الشجاعة التي في قلبك؛ تلك الفتاة التي كنت تحلم بأن تخون هبة معها، والتي كنت تعتقد أنها ستظهر عندما تقترب منها سيارة لتدهسها فتقفز أنت لكي تنقذها، وفيما أنت تكتب هذا السطر تحاول معرفة مصدر هذه الفكرة، وهل التشابه الحاصل مع ألف فيلم هندي سبق وشاهدتها مجرد صدفة؟

تكبر، والمصدر الوحيد لأفكارك وآرائك حول العالم مصدره قناة سبيستون، إذ أن والدك قد سبق وقرّر أن لديه أمورًا أهم يفعلها في حياته، كمشاهدة مباريات تنس السيدات بصوت عالٍ، والاستماع بعدها إلى أغاني شفيق كبها، وبالتالي فقد أوكل مهمة تربيتك لسبيستون. وربما يكون بهذا قد خدمك، إذ أنك تسأل نفسك الآن ما الذي يملكه هذا الرجل لكي يقدمه لعقل غض؟

يكبر نوّار، أو تكبر أنت، وتذهب كل يوم إلى العمل قبل الجميع، وتغادر بعد الجميع، مرتديًا قيمصًا مهترئ الرقبة لكثرة ارتداءه، وبنطلونًا تحوّلت أطرافه إلى مماسح، وتعيش على الكفاف، الراتب يكفيك حتى العشرين من الشهر، وفي كل شهر تحب فتاة جديدة، تقول لها في عقلك، وفقط في عقلك، أحبّك. وترفض العمل في البنك لأنه حرام، ولا تعرّص للسلطة لأن نوار ما كان ليفعلها.

ولهذا كلّه تنام كطفل، تنام ممتلأً بالرضا، فأنت لم تخن المبادئ التي تعلّمتها من نوّار، ولو رأتك هبة، في أي وقت، لوقعت في غرامك، لأنك النسخة الحقيقية من نوّار، ولو امتلكت رجلًا آليًا كالذي امتلكه، لما وجد البشر أفضل منك للدفاع عن الأرض.

***

أنا كبرت على ألحان أغنية جونغر. لم يكن أهلي صالحين بما يكفي لكي يردعوني. ولم يكونوا واعين، بما يلزم، لكي يوضحوا لي ما يحاول، منذ عشرين عامًا، جميع مرشدي التنمية الذاتية، وموظفة البنك، وأصدقائي الناجحين، والمخابرات، والبنت التي أحببتها مرّة.. جميع من يقلقون على مصلحتي باختصار، أن يقولوا لي: «اصحى.. كفى، سدّ بوزك واصحى!».

يكبر جونغر ويرتدي قميصًا، ويذهب للعمل، وأحيانًا تراوده أحلام يقظة عن اكتشافه فسادًا في مؤسسة، ومحاولات ارتشاء يقاومها ببسالة، فتنثال عليه بتلات شجر الكرز.

يكبر جونغر، ولا يأبه بالفواتير المُحكمة التي يسددها إليه أعداء قذرون يتنكرون بخبث على هيئة موظفي شركة اتصالات، أو مراقبي ساعات كهرباء، أو ممثلي سلطة ضرائب، ويحاول تفاديها، فإن أصابته أوراق الفواتير في مقتل، نهض وهو يتصنّع الابتسام، ونفض الغبار عن جسده الفولاذي وواصل السير برغم الجراح.

يكبر جونغر، تحتلّ جبهته الفولاذية العريضة مصطلحات كبرى تشتغل في الشأن العام. يستمع إلى نشرة الأخبار وتتكور قبضته على شكل مكعب فولاذي يرتجف من شدة الغضب والإصرار، ولا يهتم بارتفاع سعر البامية، ولا باحتياجه إلى الحب غير الدرامي، المتحقق.

يكبر وهو يعرف أنه منذور للدفاع عن كوكب الأرض من المدراء، ومن الشرطة ومن المسلسلات التركية المدبلجة، ومن الارتزاق، ومن القصائد التافهة التي تشبه اللجنة التنفيذية وأمناء الفصائل وعرفاء الصفوف الخونة.

إنّ جونغر يكبر، لكي يكون ندًا لكل شيء. مشكلة جونغر كامنة في برمجته. في الواقع، هذا الكوكب عليه عدة جونغرات، لكنّها تفشل في التعرف على بعضها البعض. لقد أخفق المبرمجون اليابانيون في توقّع هذه الطفرة: أن يصبح عدد الجونغرات في الضفة الغربية، مثلًا، أكبر من عدد المواطنين والمشاكل والأعداء مجتمعين!

هذه مأساة: جونغر يصطدم، وهو ماشٍ، في زحمة باب العامود مثلًا، بجونغر آخر. يتطاير الشرر ويتطاحن الجونغران، لسبب غير مفهوم. وفي هذا الصدد، نذكّر بالمقولة التي لا بد أن يقولها شخص ما في باب العامود، على الأغلب عجوز يرتدي حطة بيضاء ويتعكز على عصا، لدى اندلاع كل طوشة: خليتوا اليهود يضحكوا علينا. إصحك! (بالدارجة المقدسية: يقولون لك «إصحك» بمعنى: انتبه. وأحيانًا بإمكانك الاستظراف والرد على من يقول لك «إصحك»، بعبارة «اصحك للدنيا بتصحكلك»).

وتظل مقتنعًا بأنّ عليك أن تضغط، بأطراف جفونك، بقدر الاستطاعة على الحلم وألا تصحو، وهذا وحده كفيل بتحويل الحلم إلى حقيقة:

(موسيقا درامية)

إليكِ، يا أرضي السليبة. يا وطني المباح، يا مجتمعي الحبيب.

سأقبض على الحلم بجفنين احمرّا من شدة السهر وقراءة كتب دار نوفوستي، وتقارير المؤتمر السادس للتنظيم الذي أحبّه من وراء ستار، وكتابات سيد قطب، وصور مقاتلي حزب الله وهم يزرعون راية صفراء، مرورا بلحم القلب، وصولًا إلى دبابة يلتهمها الكورنيت في وادي حجير.

ها أنا ألد جونغر من بين رموشي، يا سيد الزمان! في قعر رأسي حملته وهنًا على وهن. وها أنا ألده من ثقب أحدثته الرصاصة، وثرثرة التي كنت أحبها فضاجعت نخبة من أبرز شباب محافظة رام الله، ونسيتني، ومن قصائد مظفر النواب، وأغاني اسكندريلّا.

من ثقب في جمجمة مهشمة بالكلام ألدك أيها الجونغر الجليل. في اللحظة المهيبة التي يلتقي جبيني المثقوب فيها بالأرض، ألدك، منتشيا بآلام المخاض.

أيها الجونغر، إنهم يطاردونك. أيها الجونغر، لقد نزفت من العرق ما يصنع ألف رجل كبير. يا أيها المسخ، يا عين الشهيد.. لا تمت قبل أن تكون ندًا .. لا تمت!

***

في الأفلام الهندية، وعندما لا يجد مؤلف النص حيلة يفصل فيها بين البطل والبطلة، يظهر في اللحظة التي كنا نشاهد الفيلم لأجلها فقط، تلك التي يفترض فيها أن يقبّلا بعضهما البعض، شخصٌ ما ليخبرهما أنهما أخوة، ولذا لا يجوز لهما أن يفعلا ما يفعلاه، إلّا إن كانا بالطبع جيمي وسيرسي لانستر.

في حياة بعضنا لحظات أقل هندية من هذه لكن أثرها شبيه؛ لحظات يكتشف فيه أحدنا أن كلّ تصوراته عن العالم خطأ، والأسوأ أنه يكتشف أن ما يعتقده حيال نفسه مجرّد وهم، وأن المبدأي والمتفاني والمحب والمؤثر وغيرها من الصفات، التي تنعم منها على نفسك أكثر من القذافي، لا تملك منها شيئًا، وأنك مجرد عبد آخر للسيستم، لكنك عبد يضحك على نفسه، عبد غير متصالح مع كونه عبدًا، وأنك مجرد خائف، مرعوب، جبان. تكتشف هذا في لحظة نورانية كما يكتشف أحدهم أنه مصاب بالسرطان.

سرطانٌ تملّكك، تملّكك وصرت دميته التي يلعب بها كما يشاء، انتشر في جسدك حتى صار من غير المتخيل أن تشفى منه، ومعه لا تنفع أدوية، ولا أن تكون لانس أرمسترونج، والأمر الوحيد الممكن هو أن تتكيّف مع هذا الواقع الجديد، وأن تجعل من أيّامك القادمة أقّل سوءًا.

تكتشف أن المظاهرة التي شاركت فيها إنما شاركت فيها لأنك تعلم أنها لن تقود إلى شيء، وأن مكافحة الشغب لن تقوم بضرب عشرة أشخاص على دوّار، وتذكر أن إبلاغك عن المتحرش في المدرسة كان عبر رسالة وضعتها تحت مكتب المدير ومن ثم ولّيت هاربًا، وأن عملك في مصنع، رغم أنه يمكنك الحصول على أضعاف هذا الراتب في منظمة دولية، كان سببه رغبتك في امتلاك ما تزاود به على الآخرين فيما تدّعي أنت النظافة. وأن كلّ حرف كتبته يمكن لك أن تبرّره أمام الأخوة في الدائرة (ما غيرها)، وأن كل المعارك التي خضتها، والتي جعلتك تتخيل نفسك نسخة أخرى من خالد بن الوليد أو من جونغر، إنما هي معارك كنت تعرف نتيجتها مسبقًا، وأن الضرر الحقيقي الذي سيلحق بك، لو حصل، فإنك ستستعمله لتنام مع فتاة تعجبك، أو لتصبح وزيرًا بعد عشر سنوات، أو لتقول العبارة الأثيرة: وين كنتوا لمّا كنّا.

***

لا بدّ لكل حلقة من جونغر أن تنتهي بتوتّر ما يبقيك بانتظار الحلقة القادمة. لماذا لا تنتهي الاجتماعات السياسية هكذا؟ صوت جهوري وفخم ينسدل، في نهاية الحلقة، على مشهد الاجتماع التنظيمي ويقول باحتفالية مفرطة: «كيف سيكون شكل مظاهرتنا؟ هل سننجح بحشد القوى المحبة للخير وللسعادة في وجه الأعداء؟ هذا ما سنعرفه في المظاهرة القادمة». لماذا، بدلًا عن هذا، تنتهي الاجتماعات بأصوات خائرة، وبعيون يهّدها النعاس، وبالتساؤل المكرر: «مين اللي رح يعمل إيفنت المظاهرة ع الفيسبوك؟».

ها أنت تنهار، كمبنى آيل للسقوط. تنثال في رأسك مراييل البنات الخضر العائدات من المدرسة الثانوية. الحكومة، التي انتهيت للتو من تحطيمها أمام هِبة، صاحبة جابر، تنهض خلف ظهرك من ركامها، بأمن مركزيّ ومباحث أمن دولة، وشبيحة. تكبر أكثر، ويصبح على رأسها جنرال اسمه عبد الفتاح السيسي،
وتصلب الشرايين يصبح غولًا جائعًا، يأتي على كل الشرايين (إلا الشرايين هنالك ما بين الساقين، لماذا لا يتصلب هذا أيضًا؟ على القليلة خ نستفيد) الجيل الصاعد يواصل صعوده بعد أن انتهيت من تمزيقه إربًا، كبعوض، كبكتيريا، كصدأ يكتنف درعًا فولاذيًا.

ما الذي سيحدث؟ هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة يا سيزيف؟ لكنّ هذا ما تعرفه أنت، منذ الآن، لأن المعارك مكررة، ولأن الأشرار الذين انتهيت منهم للتو، سيعودون إلى العمل من جديد في تشكيل وزاري جديد، وفي بنك إسلامي عائد من المنفى ومن ملفات الفساد، وفي حزب منشقّ، وفي منظمة غير حكومية تدافع عن حقوق المنظمات غير الحكومية، وفي محقق المخابرات الذي التقيت به، ذات فضيحة، في أمسية لإحياء ذكرى الشيخ إمام في رام الله، وكان طربانًا أكثر منك!

لن تحظى يا صديقي برؤية شارة النهاية المرسومة باليابانية، ولن تتمكن من كتابة عبارة على غرار «تم بحمد الله» على شاهد قبرك، فحتى العبارات على شواهد القبور صارت مكررة.

وصيتي إليكم، عندما أموت، أن تكتبوا على قبري العبارة التالية: «هنا، يرقد بسلام، جونغر آخر أكله الصدأ وهو حيّ، بل وتجشأه أيضًا. هنا، يرقد، بسلام، جونغر الذي مات، أساسًا، لأنّه صار يعرف ما الذي سيحدث في الحلقة القادمة والحلقة التي تليها..والحلقة التي.. إلخ إلخ. هنا، يرقد بسلام، جونغر آخر، حارب الأعداء ودافع عن كوكب الأرض إلى أن نضبت طاقته، وتيبّست مفاصله، وغطّاه الشعشبون».

***

في صبيحة أحد الأيام، استيقظ نوار من نومه، نظر في المرآة، فاكتشف أنه تحوّل إلى جرذ. ظهرت على وجهه الجديد نصف ابتسامة، وقال لنفسه: يسعد الله، وأخيرًا.