عن الزواج المثلي ومسائل طبقية

الثلاثاء 30 حزيران 2015

بقلم راجي بطحيش

تعج الفضاءات العربية، الافتراضية منها والمادية، في الأشهر والأسابيع الأخيرة بما أسميه «الخطاب المثلي». علينا بدايةً أن نفرق بوضوح بين هذا الخطاب كنتيجة لمجموعة من الأحداث الأخيرة والتصريحات المرتبطة بالمثلية التي أدت إلى نقاشات لا حد لها وخاصة في الشبكات الاجتماعية، وبين المثلية نفسها أي ممارسة الجنس مع أبناء وبنات الجنس ذاته. الفارق بين هذين الاثنين شاسع جدًا كاتساع الفجوة بين مثلية الطبقات الوسطى-العليا، والمثلية السُفلى الغائرة في القدم.

من البديهي أن نفترض أن الممارسات الجسدية المثلية بدأت مع بداية البشرية وأن نشدد على أن الممارسات المثلية تنتشر في مجتمعاتنا العربية بشكل كبير، خاصة ضمن ما يعرف بـ«حب الغلمان» أو «Boy Love» وفق التصنيف الغربي، الذي توصم به الجنسانية العربية حصرًا عن غيرها، مع أن المجتمعات العربية تصنف عالميًا على أنها تعاني عضويًا من «رهاب المثلية» وفق النظرة البيضاء، وهي مفارقة عظمى بحد ذاتها.

تم إطلاق التعريف الهوياتي للمثلية في أوروبا قبل أكثر من مئة عام نتيجة لصعود القومية والبرجوازية والرغبة في تثبيتهما وتثبيت هيمنتهما عبر تحديد من هو «طبيعي» ومن هو «غير طبيعي»، خاصة مع سطوة مفهوم الفصل الجندري بين الجنسين إثر اكتشاف الفوارق البيولوجية علميًا بين الذكر والأنثى. وفي مناخ الهيمنة المعرفية الغربية كنتاج لعوامل مختلفة ما بعد كولونيالية، أو نتيجة للقصور الفاضح في إنتاج فضاءات معرفية عربية معاصرة خارج نطاق الديانة الإسلامية، تحولت المثلية الموجودة أصلًا بتسميات مختلفة ضمن الثقافة العربية إلى منتج غربي معلب وجاهز جاء ليغزو «شرقنا» الطاهر ويفسده ويشوه حاضرنا، وكأن العرب ولدوا «غيريين» بالوراثة وجاء الغربي ليخرجهم من الخزانة بالقوة.

ما يحدث حاليًا في الفضاء العربي هو عملية فصل (Segregation) بين مثلية الطبقات العليا من جهة، المقربة من الحكم في كثير من الحالات، والتي تتعامل مع المثلية والجنسانية أصلًا كجسد لغوي واجتماعي آنجلو-أمريكي اللغة والمنشأ والحضور، ومثلية أخرى تتفاعل في قاع المدن، في الحارات والمقاهي والحمامات ودور سينما الدرجة العاشرة، وتسيطر عليها قوى أخرى كالبلطجة والرجولة في مواجهة الأنوثة. في هذه الفضاءات الملتبسة والشائكة، لا يعرّف الرجال أنفسهم عادة كمثليين بل كـ«فاعل» و «مفعول به»، كما لا يملك هؤلاء ترف المطالبة بحقوقهم كأقلية جنسية مضطهدة هم أصلًا لا يعرّفون أنفسهم على أنهم جزء منها!

هل يشمل الخطاب النيوليبرالي الأمريكي لتحرير المثليين في الأردن قاع المدينة والأطراف أيضًا؟ 

في ظل هذا الفصل الطبقي الحاد في مختلف المجتمعات العربية، ما أهمية الخطاب المثلي الليبرالي الأمريكي بالنسبة لما أطلقت عليه «المثلية السفلى»؟ وهل التحرير المثلي ضرورة ملحة في هذا الموضع الجغرافي والاجتماعي، أم تسبقه سلسلة لا تنتهي من صور القمع المجتمعي والطبقي والجندري وبالأساس صراعات البقاء الاقتصادية التي يتوجب تفكيكها؟ ما الجدوى من «ادعاء» المطالبة بحقوق المثليين في مجتمع هو أصلًا غير عادل في مبناه الأساسي؟

لنأخذ مثلًا الاجتماع الذي عقد في عمّان مؤخرًا للدعوة لإطلاق الحريات للمثليين، بحضور يحمل دلالات كبرى لسفيرة الولايات المتحدة. السؤال الذي تبدو الإجابة واضحة في نهايته: هل يشمل الخطاب النيوليبرالي الأمريكي لتحرير المثليين في الأردن قاع المدينة والأطراف أيضًا؟ هل يشمل أماكن تواجد اللاجئين من سوريا والعراق وفلسطين، إضافة للمسحوقين من الأردنيين؟ أم يقتصر الأمر على مثليي «عمان الغربية»، الذين قد يكونون أبناء وبنات أصدقاء السفيرة الأمريكية؟

ما سبق قد يجيب على استفهام آنيّ مبطّن بالاستنكار: لماذا لم يحتفِ الكثير من الناشطين الكويريين في الشرق الأوسط بقرار المحكمة الأمريكية العليا بإجازة الزواج المثلي في كافة الولايات ولم يزركشوا بروفيلاتهم المختلفة على الفيسبوك وغيره بعلم القوس قزح؟ أستطيع الإجابة نيابة عن نفسي بما يلي.

أولًا، لم تعط المنظومة القمعية على الإنترنت فرصة لأحد كي يتخذ قراره بالاحتفال من عدمه، فقد أغرقت الإنترنت بقوس قزح بعد دقائق على صدور القرار. يحمل ذلك دلالة حول من يسيطر على مقدّراتنا المعرفية وبماذا يجب أن نحتفل الآن، بشكل لا يبقي أمام المشاكسين منا سوى محاولة المقاومة والتهكم بأحسن الأحوال.

وثانيًا، فإن الاحتفاء بإجازة الزواج هو الاحتفاء بفكرة الزواج نفسه كمنفذ وشكل واحد ووحيد لمنح الحقوق للبشر من قبل الدولة وبالتالي تثبيت وترسيخ الدور الأبوي القامع للدولة، كجسم مهيمن رئيسي على حياة الأفراد والجماعات وأنماط حياتهم. استنساخ الزواج الغيري مثليًا وبحذافيره هو اعتراف مباشر بالمكانة السلطوية التي لا مفر منها (على ما يبدو) للعائلة الأبوية، وبالدولة والمؤسسة الدينية والتي لا يوجد للفرد غير المرتبط فيها مكانة أو حتى لزوم، إن لم نقل أنه يشكل تهديدًا على النظام الاجتماعي. في المقابل، تأتي الكويرية بجوهرها -الذي يبدو أنه بات منسيًا- لإعادة تشكيل علاقات القوى الاجتماعية المختلفة والنظام الاجتماعي برمته على علاقاته الجندرية المعروفة، أما الإعجاب المفرط بالزواج المثلي فإنه يساهم في تذويب النضال الكويري ويخلد هيمنة الدولة والقمع المجتمعي المتمثل بمؤسسة وماهية الزواج.

إذا عدنا للمسألة الطبقية فإنني أشك بأن الطبقات المهمشة السوداء أو اللاتينو مثلًا في ضواحي المدن الأمريكية والتي تمارس الجنس المثلي (أو تلك المستغلة في صناعة الأفلام الإباحية المثلية) ستطير من فرحتها لأن الأزواج الأثرياء البيض في «أبر أيست سايد» في نيويورك أو في «سانسيت بوليفارد» في كاليفورنيا يمكنهم الاستمتاع بزواجهم بعد مباركته من قبل الدولة وبالتالي استيعابه وتشديد الرقابة والوصاية عليه.