«في سبع سنين» وسلب الأهلية: كيف تقتل قضاياك مرتين

الخميس 07 شباط 2019
حسن البنا، أحد المشاركين في وثائقي «في سبع سنين» في لقطة منه.

كُتبت دراسات كثيرة بلغات غير عربية عن التغيرات الاجتماعية فيما بعد الثورات العربية، وانتعشت المراكز والأقسام الجامعية المختصة بالمنطقة بالمؤتمرات والمشاريع البحثية المهتمة بأثر الثورات على التحولات السياسية والاجتماعية وترجمة ما كتب عنها. لكن وسط هذه الحركة الأكاديمية، شحّت المكتبات العربية من محاولات للإجابة عن سؤال حاضرنا الاجتماعي لأسباب عديدة. في هذا السياق، فإن وثائقي «في سبع سنين» من إنتاج شبكة الجزيرة، الذي عرض في أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، يلقي الضوء على تغيرات مهملة في الدراسات والاهتمامات الناطقة باللغة العربية.

يعرض الوثائقي التغيرات الفكرية التي مر بها عدد من الشبان المصري بعد ثورة 2011، وعلاقتهم بالسياسة والدين. هذه التغيرات كانت في الغالب أحد خيارين، إما الإلحاد أو الجهاد المسلح، ما يعكس افتراضًا ضمنيًا بأن الأصل في الأمور أن الشباب المصري بالضرورة إسلامي، وغالبًا أخوان. وبناءً عليه، فإن أي تغيرات فكرية هي تطرف في أحد الاتجاهين. من هنا، تبدو كل التغييرات، سواءً كانت مراجعاتٍ فكرية للإيمان، أو حركة تمرد كخلع الحجاب، أو أخذ خطوات عملية تجاه الجهاد المسلح، أخطاءً على قدم المساواة، ناتجة عن صدمة هزيمة الثورة، وتستحق الرثاء.

لم يخرج بالشكل المتوقع من عمل امتلك الموارد المادية والكثير من الوقت والعقول، واعتمد بالأساس على المتحدثين في الفيلم وسرد قصصهم دون معالجة، إلا أنه لم يكن مطالبًا بالخروج بأكثر بكثير من ذلك الضوء، أو بطرح عدة أسئلة وفتح باب الفضول للمعنيين بالشأن العام، لتتراكم المعرفة بعد ذلك. لكن المعيار الأساسي للنقد الذي أود طرحه هو ما كان عليهم تجنبه.

المشارك وسلطة الباحث

تُعرض البحوث الاجتماعية على لجان تحكيم تقرر مدى صلاحية الدراسة للنشر. دور لجان التحكيم الأساسي هو «محاكمة» تماسك الحجة الرئيسية للبحث والمنهجية والمصادر التي توصلت للنتائج البحثية ومدى التزام المقابلات بالقواعد المتفق عليها مثل الطواعية وعدم الإجبار على المشاركة؛ حماية خصوصية المشاركين في الدراسة والتأكد من عدم تعريضهم للخطر بسبب إجراء المقابلة أو النشر؛ الشفافية في فهم الغرض من المقابلة والهدف من الدراسة وكيفية استخدامها بالتفصيل؛ الموافقة الواعية على الشكل النهائي الذي تخرج فيه المقابلة قبل النشر؛ ومراعاة الظروف الخاصة، كالموقع الجغرافي والوضع السياسي والأمني، للمشاركين الأكثر عرضة للإيذاء.

تصل بعض القواعد إلى إضافة عدم تعريض المشاركين للخطر حتى في حالة الموافقة الكتابية على المشاركة والنشر وعدم الإشارة لأي صفة يمكن عن طريقها التعرف على هوياتهم. وتزداد القواعد تعقيدًا وصعوبة كلما ازدادت حساسية موضوع الدراسة وارتباطه بأمن أفراد على قيد الحياة. فنظرًا لاعتماد البحث الاستقصائي بالأساس على المنفعة الخاصة بالمشاركين ثم المنفعة العامة، يتم تحكيم أمن الباحث والمشارك، لا السبق الصحفي، وتحكيم معايير النزاهة في تحري الحقيقة، لا الإثارة.

أرسل حسن بنفسه من داخل السجن، عبر أخيه، لمخرج الفيلم يخبره بعدم موافقته على نشر مشاهده لخطورة وضعه الأمني، دون استجابة.

يملك صاحب الدراسة سلطة المعرفة وسلطة إعادة صياغتها وتوجيهها، بينما يفقد المشارك سلطته على روايته بمجرد قولها. وبناءً على هذه العملية الطويلة وفرق السلطة، يحق للفرد سحب موافقته عن المشاركة في النشر في أي مرحلة منه، بينما يقف القائمون على الدراسة للدفاع عن المنتج النهائي وإثبات التزامه بأخلاقيات البحث.

أين يقف الفيلم من كل ذلك؟

في مصر 2019 قائمةٌ من تهم إثارة الفتن وازدراء الأديان والترويج لأخبار كاذبة ومخالفة الآداب العامة؛ تهمٌ يمكن أن تصل عقوبتها للسجن خمس سنوات، ويختلف شكل السجن نفسه باختلاف درجة التهمة. لا يوجد فصل بين الجهاديين والإسلاميين واليساريين في السجون المصرية، وفي حالات كثيرة يوضع السياسيون مع الجنائيين للتكدير. يمكننا تصور وجود سجين معترف بتركه للإيمان بالصوت والصورة عبر قناة اعلامية معادية للنظام، في عنبر مساجين يضم سجناء يكفّرون الإسلاميين بالفعل، وسجناء جنائيين محبطين ومحكوم على بعضهم بالإعدام. الأمر أشبه بالسجن للمرة الثانية داخل السجن.

القواعد البدائية التي يمكن تحكيم الفيلم على أساسها تشمل عدم جلب الضرر والموافقة الواعية على الشكل النهائي للنشر. وفي حالتنا، يمر ببساطة مشهد الشاب الملثم وهو يقول «بعيدًا عن الكاميرا الجملة الجاية متتقالش عشان أمي هتعرف: أمي كانت بتقولي قلبك مساكن عشوائية»، في خرق مزدوج للاتفاق بنشر جملة طُلب عدم نشرها، وبالمخاطرة في أن تُعرف هويته.

لكن الأهم، هو أننا أمام خمسة أفراد يتحدثون بأسمائهم الحقيقة ووجوههم المكشوفة، منهم أربعة على الأقل ما زالوا يقيمون في مصر، وشخص خامس لم نعرف عنه الكثير، بدا وكأنه ترويج لفيلم جديد عن التغيرات الفكرية للأقباط. أحد الأربعة مسجون بالفعل في سجون النظام بالقاهرة، وحاول أهله وقف عرض الفيلم دون استجابة. فالصحفي حسن البنا معتقل منذ شباط/فبراير 2018، وقد تعرض للاختفاء القسري لمدة 12 يومًا ثم ظهر في سجن مزرعة طرة بتهم الترويج لأخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية. حاول أهل حسن وأصدقاؤه التواصل مع الجزيرة عدة مرات لمنع الفيلم من العرض، وأرسل حسن بنفسه من داخل السجن، عبر أخيه، لمخرج الفيلم يخبره بعدم موافقته على نشر مشاهده لخطورة وضعه الأمني، دون استجابة. وقد وافق حسن على نشر محتوى هذا المقال ومشاركة تفاصيل التصوير.

يمكننا التغاضي عمّا يتعلق بالتصوير والتركيز على نقد المنتج النهائي وإضافته العلمية المجردة، بالضبط كما أمكن التركيز على الإسهامات العلمية لأطباء النسائية البيض من خلال تجاربهم الجراحية القسرية على النساء السود دون مخدر، أو كما يمكننا التغاضي عن العمالة القسرية للأبد طالما ظلت تبني عمارات جديدة. لكن يحق لنا كجمهور، وكمهتمين بالشأن العام المصري وكأصدقاء لأبطال الفيلم أن نساءل القائمين على الفيلم عن خطتهم الأمنية ومجازفتهم بالأمن الشخصي لمعتقل رأي قد يتحول النشر في حالته لحرز في قضية جديدة، أو أداة إيذاء توجه له في أشد أوقاته هشاشة وصعوبة.

صحيح أن دولنا تسعى للتعامل مع السجن كأداة لسلب الأهلية وتكميم الأفواه، لكن المصادقة على أن المعتقلين ليس لهم صوت في مصائرهم لأنهم لا يملكون حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ولا يمكنهم القيام بمداخلات تليفزيونية صارخة، هو التصديق على قتل قضايانا مرتين.