عندما نحرّض على عاملات المنازل: البيانات المجزوءة في خدمة التحريض

الأربعاء 17 أيار 2017
صورة تعبيرية لعائشة، عاملة بنغالية مقيمة في الأردن. تصوير عز الدين الناطور.

«اجبروها يا حكومة قبل ما تنكسر» بهذه الجملة ختم أحد المواطنين مداخلته المستاءة من عاملات المنازل في الأردن، والتي دعا فيها الحكومة، عبر أحد البرامج الإذاعية الصباحية، إلى وقف استقدام عاملات المنازل. جاءت هذه المداخلة، وغيرها، بعد وقوع جريمتي قتل اتهمت بارتكابهما عاملتا منزل في إربد ومادبا خلال شهري آذار ونيسان الماضيين، وهو ما أثار استياءً واسعًا في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن تغطية الإعلام لهاتين الجريمتين تمكننا من تسليط الضوء على طريقة تناول الإعلام المحلي القضايا التي تكون عاملات المنازل طرفًا فيها، ومدى تأثيرها على المتلقي، والتي قد تصل أحيانًا إلى حد «التحريض» عليهن.

في تلك الحلقة التي بثت في التاسع مع نيسان على راديو «هلا»، استقبل مقدّم البرنامج محمد الوكيل عددًا من الرسائل الصوتية لمواطنين، سردوا فيها بعض قصصهم مع عاملات منازل، كانت معظمها غاضبة ومستاءة، وبُثّت الرسائل من دون مونتاج كما كان واضحًا. ولم يسمح الوكيل للمسؤولين عن هذا القطاع أو لأصحاب مراكز الاستقدام المشاركة بالتغطية، قائلًا، ردًا على أحد المواطنين الذي استغرب صمتهم: «قاعدين بتصلوا من بداية البرنامج (…) بس أنا ما بدي أخلي المواطن الأردني يمل من الأجوبة الرسمية الروتينية العادية اللي لا فائدة منها، خلينا نثير قضية مع زوبعة زي هيكا، وأنا بشارطك راح تسمع ردود فعل طيبة».

يُلاحظ، خاصة للمتابع لقضايا العمالة المهاجرة، أن هناك «مزاجًا حادًا» يسود المشهد عند التعامل مع القضايا التي يكون طرفُها عاملًا وافدًا، وجريمتا إربد ومادبا ما هما إلّا استمرار لهذا «المزاج». مزاج يتميز بالاستسهال والتعميم، وأحيانًا بنشر أرقام ومعلومات حول هذه الفئة دون التأكد منها، والذي تكون نتيجته ترسيخ الصور النمطية، وتغذية حوارٍ غير صحيٍ لا يوصل في النهاية إلى حلول عملية وحقيقية.

في الخامس والعشرين من آذار من العام الحالي نشرت وكالة الأنباء الرسمية الأردنية «بترا» خبرًا منقولًا عن مدير شرطة إربد عنوانه «خادمة بنغالية تعترف بقتل مخدوميها في إربد»، وفي متن الخبر نقلت الوكالة على لسان مدير الشرطة: «الخادمة اعترفت بارتكابها الجريمة بعد أربع ساعات من التحقيق المتواصل، بعد أن قاد الاشتباه فريق التحقيق بأن تكون هي من ارتكبت الجريمة».

تناقلت وسائل الإعلام الأردنية الخبر بشكل واسع، وأشارت معظمها إلى جنسية المشتبه بها في جريمة إربد، وتعاملت مع الاعتراف المبدئي كمسلّمة نهائية، إلى حد إدانتها بشكل نهائي مثلما فعلت وكالة «خبرني» التي عنونت خادمة تقتل تسعينيًا وزوجته بإربد، ولم تشر إلى جنسية المشتبه بها في العنوان، لكنها ذكرته في المتن، بينما نشرت صحيفة السبيل الخبر بالإشارة في العنوان إلى جنسية المشتبه بها، مثلما فعلت مواقع أخرى.

بعدها بأسبوعين تقريبًا، اتهمت عاملة منزل تحمل الجنسية البنغالية بقتل سيدة في مدينة مادبا. موقع قناة رؤيا الإخبارية نشر الخبر تحت عنوان «جريمة بشعة .. عاملة منزل تقتل ثمانينية مقعدة في مأدبا»، ونشرت معظم وسائل الإعلام الخبر وتعاملت معه تقريبًا بذات الطريقة التي تعامل معها مع خبر إربد، مثلما فعلت السبيل، وأحداث اليوم.

التعسّف يبدأ من التسمية

لا يعترف قاموس مصطلحات منظمة العمل الدولية، المنشور حديثًا، بمصطلح «خادمة أو خادم» لوصف من يعملون في المنازل، إنما يعتمد مصطلح «عامل منزلي»، ويعرّفهم: «العامل المنزلي هو الفرد الذي يقوم بالواجبات المنزلية مثل التنظيف والطبخ وأعمال الرعاية (بالأطفال والمسنين والمعوقين) في المنزل في إطار علاقة عمل (..) ويكونون عادة عمالًا مهاجرين»، وتؤكد المنظمة على أهمية استخدام مصطلح «عامل منزلي» لأنه يعزز علاقة العمل ويشدّد على أن العمل المنزلي هو عمل كغيره، يرتّب واجبات على صاحب العمل، منها الأجر والدوام المحدد والعطلة الأسبوعية، كما تؤكد، لحبر، الباحثة المختصة كارول كرباج، والتي عملت مع منظمة العمل الدولية على إعداد قاموس المصطلحات.

مع ذلك، لا تزال وسائل الإعلام في الأردن تستخدم مصطلح «خادم أو خادمة» وهو ما يعزز الصورة النمطية ضد العاملين في هذا القطاع والدلالات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالمصطلح.

صحيفة الرأي الحكومية، أصدرت تقريرًا عن الموضوع وحمل عنوان: «الجرائم المرتكبة من بعض عاملات المنازل تستدعي التشديد على أسس الاستقدام»، وفي التقرير يعزو «الخبير الاجتماعي» الدكتور مجد الدين خمش ارتكاب العاملات المنزليات لجرائم، «وتقصّدهن لكبار السن لتنفيذ هذه الجرائم، [إلى] أنهن يعشن في بيئات مليئة بالجرائم في بلادهن، فيقسن الخصم الذي أمامهن من ناحية العمر والقوة الجسدية، وينفّذن حسب هذا المقياس». لكن ما لا يقوله تقرير صحيفة الرأي هو أن معدّل ارتكاب الجرائم في الأردن وفي بنغلادش هو نفسه؛ 2.8 جريمة قتل عمد لكل 100 ألف شخص، بحسب بيانات البنك الدولي.

وكانت الرأي قد نشرت مطلع العام تقريرًا آخر يحمل عنوان: «العمالة الوافدة ترتكب جرائم أكثر من العاطلين عن العمل»، ونسبت فيه إلى مصدر أمني طلبه «ترحيل كل عاملٍ وافدٍ يرتكب أي جريمة سواء صغيرة أو كبيرة، نظرًا للأعباء التي يخلّفونها على الميزانية والحياة الاجتماعية».

معدّل ارتكاب الجرائم في الأردن وفي بنغلادش هو نفسه؛ 2.8 جريمة قتل عمد لكل 100 ألف شخص، بحسب بيانات البنك الدولي.

ضمن ذات الإطار نشر موقع «خبرني» تصريحًا، مثيرًا للجدل، على لسان الأمين العام لوزارة العمل فاروق الحديدي يقول فيه إنه يقدّر عدد الجرائم التي ترتكبها العمالة الوافدة في الأردن بربع عدد الجرائم الكلّي، لكن إلى أي مدى هذا «التقدير» صحيح؟ ولماذا نشرت وسائل الإعلام هذا التصريح دون العودة إلى الجهة المسؤولة عن إصدار هذه الأرقام، وهي مديرية الأمن العام؟

تنشر مديرية الأمن العام تقريرًا إحصائيًا سنويًا عن الجرائم في الأردن، ويخصص التقرير قسمًا خاصًا للجرائم التي يتهم بارتكبها الأجانب في الأردن وبالإمكان الوصول إليه بسهولة. تقول الأرقام المنشورة، إن نسبة الجرائم التي ارتكبها «الأجانب» في الأردن وصلت في عام 2015 إلى نحو 14% من مجمل الجرائم المرتكبة في الأردن، من بينها 67% تقريبًا قضايا جنحوية وهي الجرائم الأصغر من الجنايات، مثل السرقة البسيطة والاعتداء والتي يخالف عليها بعقوبات لا تتجاوز مدد الحبس فيها ثلاث سنوات أو بالغرامة، ويقدّر عدد الأجانب في الأردن بنحو ثلاثة ملايين شخص، أي ما يعادل تقريبًا 30.1% من مجمل السكان، من بينهم 315 ألف عامل وافد مسجّل في وزارة العمل، ونفس العدد تقريبًا غير مسجلين، بينما يقدر عدد عاملات المنازل بنحو 50 ألف عاملة.

ويقول الحديدي في ذات الخبر: «إن هناك العديد من الجرائم البشعة التي اقترفها عمال وافدون في السنوات الأخيرة تتعلق بالدعارة والاتجار بالبشر»، ولكن عند النظر في الأرقام نرى أن عدد قضايا الدعارة و«الزنا» التي اتهم «أجانب» بارتكابها لم تزد عن  73 قضية من أصل نحو 3584 قضية حتى بداية 2016، أي ما نسبته 2%. أما قضايا الاتجار بالبشر فوصل عددها تقريبًا إلى نحو 196 قضية حقق فيها، وعادةً ما يكون العمال الوافدون هم ضحايا الاتجار بالبشر.

ردًا على هذا، يقول الحديدي إن «خبرني» فهمت تصريحه بشكل خاطئ، فيقول إنه إنما كان يقول أن «ربع عدد سكان الأردن من العمالة الوافدة»، وليس ربع عدد مرتكبي الجرائم من العمالة المهاجرة، مشيرًا إلى أنه في ذات الوقت ما زال يعتقد أن معدل ارتكاب الجرائم من قبل الأجانب في الأردن مرتفع، لكنه يقول أننا عندما نتحدث عن الجرائم لا نعني بذلك «جرائم القتل»، فقد تكون هذه الجرائم بسيطة جدًا.

مديرة مركز تمكين للمساندة والدعم المختص بالتعامل مع العمالة المهاجرة ليندا كلش تقول إن الإعلام يتعامل مع القضايا التي يكون العامل المهاجر طرفًا فيها بتسطيح شديد، ويكتفي بالمتابعة الآنية السريعة ولا يتابع تداعيات الموضوع ولا يحاول أن يوازن الأخبار التي تصله عادةً من بعض الجهات الحكومية ويقوم بنشر المعلومات والأخبار من طرفٍ واحد.

وتقول: «ما في علاقة بين المتهم بارتكاب جريمة وجنسيته، لكن الإعلام بصر دائمًا على ذكرها، وبتناسى إنه بحرّض على جنسية كاملة، ومع هيك للأسف أوّل ما يرتكب عامل جنسية، أوّل شيء تذكر جنسيته».

وعن خطاب الحكومة تقول كلش: «الخطاب الحكومي أحيانًا بحرّض على العمالة المهاجرة، في تعاطي خاطئ ونشر معلومات ومصطلحات غير دقيقة مثلًا زي تصريح ربع الجرائم خلفها العمالة الوافدة، وهذا غير دقيق على الإطلاق، لكن للأسف الخبر انتشر الآن، وما حد حاول يتأكد منه قبل ما ينشره».

الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم الصادرة عن الأمم المتحدة تعتبر العمال المهاجرين «فئة مستضعفة» وذلك لبعدهم عن دولهم وأفراد أسرهم مما يزيد من الصعوبات التي قد تواجهم، وخاصة صعوبة التقاضي والوصول إلى العدالة.

حل المشاكل، مهما تكن طبيعتها، يحتاج إلى توصيفها بشكل دقيق ومبنيٍ على معلومات كاملة ودقيقة، وضمان نقاشها ببيئة صحية، لكن على ما يبدو أن هذا آخر ما يحصل عندما يكون الموضوع متعلقًا بالعمالة الوافدة بالأردن، التي تحلّ عادةً بطريقة «خلينا نثير القضية مع زوبعة.. وراح تسمع ردود فعل طيبة»، التي لا نعرف إلى أين ستوصلنا، لكن بالتأكيد أنها ستكون على حساب «الفئة الأضعف» في هذه المعادلة.