مدمنو مخدرات يسعون للتعافي: ليتنا ما بدأنا

مدمنو مخدرات يسعون للتعافي: ليتنا ما بدأنا

حين يدور الحديث عن المخدرات ومتعاطيها تحت قبة البرلمان، أو في الخطط الحكومية، أو في الكثير من وسائل الإعلام، يغيب عن النقاش الشباب الذين يقعون في قلب المسألة. وهو ما حدث مؤخرًا أثناء النقاش حول العودة لحبس المتعاطي لأوّل مرة.

بطبيعة الحال، فمساحة الخوض في عالم المخدرات لفهمه محدودة جدًا ومحاطة بالمحاذير. فهو بالنسبة لمن هم فيه عالم يكاد يكون موازيًا للعالم الحقيقي، له قانونه وقادته وصراعه الخاص، ومصطلحاته وأغانيه؛ عالمٌ في الظل. بعض المدمنين يؤمنون أنهم لم يعودوا جزءًا من العالم الحقيقي، وتدفعهم ظروف اجتماعية واقتصادية لتصديق ذلك، ويجدون الأمان عبر تعاطي المخدرات ونسيان حقيقة وجودهم، بينما يناضل بعضهم للعودة إلى الحياة الطبيعية. لكن أي تصور عن هذا العالم ومخاطره وطرق الخروج منه سيظل سطحيًا من الخارج.

في المركز الوطني لتأهيل المدمنين التابع لوزارة الصحة، قابلنا عددًا ممن كانوا جزءًا من هذا العالم ثم ابتعدوا عنه قليلًا مختارين ليروا الصورة كاملة، ويحاولوا التعافي من إدمانهم.

يخضع المدمنون داخل المركز للعلاج ضمن برنامج من ثلاث مراحل، الأولى قائمة على التخلص من السموم في جسم المدمن، ثم مرحلة إعادة التأهيل، ثم المتابعة والرعاية. ويتم كل هذا بسرية وبشكل مجاني، علمًا بأن تكلفة علاج المدمن يوميًا تزيد عن 350 دينارًا، وقد تصل مدة علاج المدمن إلى شهرين.

ويضمن قانون المخدرات والمؤثرات العقلية عدم ملاحقة المدمنين قانونيًا وإعفاءهم من العقاب في حال توجهوا للمركز بشكل طوعي، كما يتم تحويل المقبوض عليهم من المتعاطين لأوّل مرة لتلقي العلاج في المركز.

مؤخرًا، عاد النقاش حول المخدرات وآلية مكافحتها في الأردن إلى الواجهة بعد أن أعاد مجلس النواب وقانونية مجلس الأعيان حبس متعاطي المخدرات لأوّل مرة وتشديد العقوبة على متعاطي ومروجي المخدرات، والتعامل مع متعاطي المخدرات أوّل مرة كمجرم بدلًا من تحويله لمركز لعلاج الإدمان، مبررين هذه الخطوة بمحاولة للسيطرة على ازدياد قضايا تعاطي المخدرات في الأردن، التي يؤكد الأمن العام إنها ارتفعت لكن معدلها ما زال ضمن المعدل الطبيعي، رغم الإقرار بظهور أنواع جديدة من المخدرات الإدمان عليها أكثر خطورة خلال السنوات القليلة الماضية.

من الصف إلى دوائر الجوكر  

بدأ يوسف*، ذو التسعة عشرة عامًا، تعاطي الحشيش عندما كان طالبًا في الصف التاسع عن طريق أحد أصدقائه في المدرسة الذي قدمها له على أنها سيجارة تبغ عادية، لكن جزءًا من تركيبها كان من الحشيش، والذي كان خطوته الأولى نحو إدمان المخدرات الذي تعقدت وزادت حدته، وحوله من طالبٍ مدرسة إلى متعاطٍ يصارع للتخلص من إدمانه.

يتعالج يوسف من الإدمان منذ نحو 40 يومًا. يعيش وحيدًا في غرفة منفردة، لا تحتوي إلا على سرير بسيط وخزانة فيها بعض الثياب، وعلى جدرانها بعض الكتابات والملصقات.

IMG_5887
IMG_5832
IMG_5837
IMG_5841
IMG_5844

يروي يوسف قصة تعاطيه المخدرات لأوّل مرة وبصوت هادئ ولغة واثقة: «بلشت تعاطي وأنا بالمدرسة، انتقل واحد جديد علينا على الصف، كان يدخن حشيش، علّم أكمن شب وضلّهم يدخنوا. أنا كنت أشوفهم وأحاول أبعد، بس كنت أشوف كيف الواحد منهم بصير نعسان وبتعب وبدوخ، أنا مرضيتش آخذها. في يوم من الأيام الشباب كانوا بدهم يسطِلوني، حطّولي إياها بسيجارة عادية، دَكّها دكّ، اعطاني إياها، ولّعِت، سحبت سحبتين، ضليت نص يوم مش صاحي، وبلّشت بالتعاطي بعدها، وأنا صرت أدور عليها».

بهذه البساطة دخل يوسف الذي كان في الخامسة عشرة من عمره وقتها عالم المخدرات الذي كان يزداد تعقيدًا وصعوبة كلما أمضى فيه وقتًا أطول، خاصة بعد أن تعرف على الحشيش الصناعي أو ما يعرف شعبيًا بـ«الجوكر»، الذي يؤكد يوسف أنه منتشر بشكل كبير بين أقرانه المتعاطين، بينما تؤكد الأرقام الرسمية الصادرة عن الأمن العام إنه تم القبض على 336 طالب مدرسي وجامعي يتعاطى المخدرات خلال العام 2015.

يتابع يوسف، والذي يسكن منطقة طبربور في عمان، قائلًا: «كنت صف تاسع، صاحبي عرفني على التاجر، وأنا صرت أروح أجيب، انقطع الحشيش (الشقرة) فترة وأنا كرّزت، صار جسمي محتاج المادة، فأنا حكيتله بدي أي نوع، بدي أدخن مش قادر، إلا هو بحكيلي في نوع جديد نزل اسمه الجوكر، حق الكيس 25-30 دينار، جمّعنا كلنا وجبناه. هو أعطانا إياه وقلّنا أنا ما بدي أدخن منه، وأنا كنت مفكر جوّه عادي. دخن صاحبي، ارتمى على الأرض. وصل الدور عندي، دخنت، قمت من القعدة وهربت، فجأة زي كإنه ضرب شورت براسي، زي كإنه حد بعصاية ضربني على راسي، هربت من القعدة، صار يتهيّأ لي قسمًا بالله إنه في مكافحة وراي إنه بلحقوا وراي وبدهم يضربوني، بعدها غمّقت وصرت أدخن أكثر، وما قدرت أوقف».

يصطلح مدمنو المخدرات على وصف حاجتهم الشديدة للمخدر بالتكريز. «التكريز إشي كثير صعب، بروح لما توخذ المادة، ولما ما توخذها، بجيك رجفة، نرفزة، عرق، عصبية، بتبطل اتطيق حد، وبتصير بدك تضرب الناس، وكل جسمك بصير بده المادة».

كان يوسف يتقاسم تكلفة الحصول على الجرعة اليومية من «الجوكر» مع زملائه بالصف. يقول: «بالمدرسة كنا نحوش أنا والشباب، أوّل مرة واحد من الشباب جابلنا إياه. كنا نشتري كل يوم، في بعشرة وفي بعشرين، كان أصبع، كانت تعمل خمس سجاير سِك، يعني كانت تعمل عشر سجاير مكسورة بسجاير عادية، بس آخر إشي الواحد بطل يجاوب معاه أي إشي، فصرنا نشربها سِك».

زادت حياة يوسف سوءًا بشكل تدريجي مع زيادة إدمانه على الحشيش الصناعي الذي أصبح غير كافٍ لسد حاجته للنشوة، وهو ما دفعه لتجربة «بودرة الجوكر» وهي المادة الخام التي يصنع منها المخدر والتي كان لها آثار نفسية صعبة عليه. «البودرة شطبتني شطب. إشي صعب الناس تعاملك زي هيك، الواحد بصير نفسه يموت، بصير يكثر بالجرعة حتى يخلص. غير نظرة الناس إلك وأنت ماشي بالشارع ويحكوا هاد بتعاطى خليني أبعد عنه. وحتى صحابي، مش همه اللي بعّدوا عني، أنا الي بعدت عنهم. بالعكس إلي صحاب مناح كانوا يجوني، بس أنا صرت ما أمشي غير مع المتعاطين، اللي بتعاطى صاحبي وحبيبي، وصرت أكره القعدة مع الناس الثانيين، وصرت بدي ألقى حجة وأطلع من هون، بس لما يجي تاجر بقعد معاه».

IMG_5909

علمت عائلة يوسف بإدمانه على المخدرات وحاولت مساعدته بكل الطرق الممكنة إلا أن عناد يوسف كان يقف دائمًا في وجه جهودهم. وفي إحدى المرات حاول الانتحار بجرح نفسه عندما حاول خاله إيهامه بأنه سيطلب الشرطة في حال أصر على الاستمرار بالتعاطي، إلا أنه نجا من تلك المحاولة، ثم استسلم ووافق على الذهاب إلى المركز الوطني لتأهيل المدمنين. لكن تجربته الأولى التي استمرت نحو 20 يومًا قبل عام لم تكن كافية لإيقافه عن التعاطي، فسرعان ما عاد للمخدرات قبل أن يعود إلى بيته.

«أنا ثاني مرة باجي هون. أوّل مرة قعدت 20 يوم، صار مشكلة صغيرة وطلعت. أنا كنت بدي أطلع، كنت ناوي أبطلها، والله العظيم لسا بدخل على الحارة، قبل ما أدخل على البيت، انتكست، ودخنت. عنا حارة كاملة الكل بتعاطى فيها. والله العظيم عنا أطفال بيبيعوا جوكر، تشرّد صار عنا. والله بدخل الواحد عنا على الحارة بنكون عارفين إنه هاد داخل بده جوكر، فببعثوا ولد صغير عليه، وبخلوا الكياس مع ولد صغير، علشان إذا انمسك ما يصير معاه إشي، بحاسبه وبطلع. هدول بعملوا الجوكر في بيوتهم، هسا كل الناس صارت تعمل الجوكر بالبيوت».

الحصار الاجتماعي الذي تعرض له يوسف، بالإضافة إلى تعطيل مستقبله الدراسي وإحساسه بأن العالم الذي دخله عبثي دفعه إلى العودة مجددًا إلى المركز الوطني لتأهيل المدمنين. «المرة هاي عرفت قدّيه العالم اللي كنت فيه سيء، بينت معي بعد 20 يوم. هسا صحصت على حالي وحاسس حالي انولدت هلأ، حاسس حالي عم بشوف الناس والحياة لأوّل مرة، وأنا هلأ بكره المادة، لما أطلع من هون راح أبعد عن هداك العالم، عمري ما راح أرجعله، أبدًا».

ويقول يوسف إن البيئة الموجودة في المركز ساعدته كثيرًا في علاجه. «هون الكل بسمع، ما بتعاملوا معك على إنهم دكاترة ومشرفين، بتحسهم صحابك، وعارفين شو بدك وكيف ممكن يساعدوك».

البحث عن النشوة الأوّلى

تخيل أن تكون في السابعة والأربعين من عمرك، وأن تكون قضيت نصف هذا العمر وأنت تتعاطى مادة الهيروين المخدرة، وجزءًا كبيرًا آخر منه وأنت تحاول التخلص من إدمانك عليها. هذا هو ببساطة ملخص قصة أحمد*.

أحمد أب لثلاثة أبناء، أكبرهم بنت جامعية، بدأ تعاطي المخدرات وهو في الثالثة والعشرين من العمر، يتعاطى مادة الهيروين المخدرة التي تعد من المواد الأشد إدمانًا وخطورة. كاد يفقد حياته أكثر من مرة، وفقد أحد اصدقائه بجرعة زائدة، ويحاول الآن للمرة السادسة التخلص من إدمانه على هذه المادة في المركز الوطني لتأهيل المدمنين، الذي بات يعرف تفاصيله أكثر من غيره.

يقيم أحمد في منفردًا غرفته التي تشبه غرف باقي زملائه، لكن تميزها مجموعة الكتب الدينية الموجودة على طاولة صغيرة قريبة من سريره، التي تمنحك انطباعًا عن أكثر ما يشغل باله.

IMG_5773
IMG_5732
IMG_5736
IMG_5738

يروي أحمد بداية قصته مع الإدمان بصوت متقطع ومتعب. «أنا بلشت بداية التسعينات، ما كنت أعرف شو هاي المادة، كنت أقعد مع شاب صاحبي، ومرة قلّي جربها، وكل إنسان فضولي، وحبيت أجرب هاي المادة. شربتها على القصديرة حَرِق. أعطتني جو فوق فوق العلالي، وصرت أشرب بعدها وأحاول أرجع النشوة الأولى وما قدرت أرجّعها».

بحث أحمد عن النشوة الأولى استمر لأكثر من 20 عامًا، وهو ما قاده إلى تدمير مهنته التي كان يعمل فيها من أجل تأمين النقود لشراء الهيروين. «كان عندي كراج ميكانيك آليات ثقيلة، وكان عندي سيارة. طبعًا بعتهم علشان أشتري مخدرات. بالتسعينات كنا نشتري جرام الهيروين بـ50 دينار، هلأ بدك أكثر من 300 دينار، وأنا بدي تقريبًا جرعة كل يوم».

ويقول أحمد أنه لم يكن يجد صعوبة في تأمين جرعته اليومية من المخدرات، لكن ذلك أجبره على خوض مسارات سيئة في حياته أدخلته إلى السجن أكثر من مرة. «ما في صعوبة بالوصول إلى التجار، بعد ما شربتها صرت لحالي أعرف اللي بجيبها وأشتري منه، هو نفسه ما تغير، وفي غيره كثير، ولما كنا ننحبس كنا نتعرف كثير على تجار ونوخذ أرقام تلفوناتهم، حتى نشتري منهم لما نطلع».

يتابع «لما تكون في عالم المخدرات ما بتكون واعي لحالك. عالم كله بالليل، ما بتعرف النهار، ما بتشوف خَضار وشمس زي اللي بتشوفها بمركز علاج الإدمان، ما بتكون إنت».

IMG_5795
IMG_5799

إدمان الهيروين جعل أحمد يشعر دومًا أنه وحيد ومنبوذ، وهو ما جعل المادة المخدرة الشيء الأكثر أهمية في حياته. «بعد ما صرت أتعاطى هيروين، صرت أحب القعدة لحالي أكثر، والناس اللي بعرفهم صاروا يقِلوا شوي شوي، وغير هيك بتحس كل الناس بتعرف إنك بتتعاطى، يعني لما تكون بتتعاطى بتكون منبوذ بين الناس، الكل بحاول يتجنبك، الصاحب الكويس ما بمشي معاي».

يتابع «وأنا لو خيرتني بين صاحبي والمادة، بختار المادة، سيارتي وِلّا المادة بختار المادة، أي شيء والمادة بختار المادة».

ولا تقف مخاطر تعاطي مادة الهيروين عند هذا الحد. يقول أحمد: «وصلت ثلاث أربع مرات لحالة النهاية وكنت أحس حالي راح أموت، المادة جهنمية، في إلنا صحاب ماتوا وهم بتعاطوا، مرة توفى معي صاحبي، أخذ جرعة زيادة وكان شارب قبلها حبوب، مات قدامي، وما عرفت أعمل شيء».

كل هذا جعل حياة أحمد عذابًا حاول الهروب منه بأي ثمن. «حاولت مرتين أقتل حالي، أرتاح وأريح حالي من كل هالتعب وما قدرت».

ورغم تعاطيه للمخدرات، إلا أنه كان يشعر بالمسؤولية تجاه أطفاله الثلاثة، وهو ما كان يدفعه للتعاطي بعيدًا عنهم قدر الإمكان، رغم أنهم كانوا يعرفون أنه متعاطٍ. «كنا نتعاطى على السطح، بالسيارة، أي مكان بعيد، المهم بعيد عن البيت، حتى ما يشوفوني ولادي، وحتى ما يتعلموا. بعرف واحد كان يشرب قدام ولاده وهسا كلهم الأربعة بتعاطوا، بينهم بنتين».

«بتمنى إني ما بلشت، كان عادي لو ضلّت حياتي عادية، الطريق هاد ملوش آخر، نفسي أترك، مش قادر. الإدمان شكله راح يضل معي طول حياتي»، يقول أحمد.

لكنه يعود ويقول: «أنا تعبت، وقرفت من حياتي، وزهقت من الحياة بالغلط، لمتى بدي أضل ماشي بالغلط، خليني مرة أمشي صح». بهذه الكلمات يصف أحمد السبب الذي دفعه للدخول إلى مركز علاج الإدمان للمرة السادسة في حياته «أنا هاي المرة جاي علشاني، مش علشان إمي ولا ولادي، علشان حالي أنا، وبدي أخلص من التعاطي، خلص».

أن تفقد إحساسك بالزمن

«عمرك حسيت كل عيون الناس عم تطلع عليك؟ عم تطلع عليك كإنها بتعرف إنك بتتعاطى مخدرات، وفي أي لحظة بدهم يبلغوا عنك؟ هيك كنت أحس، وهاد اللي خلاني أحشر حالي بالغرفة، وأضل بس أشرب جوكر وأنام وأصحى».

إلى هذا الحد وصلت قصة يحيى* ابن الثامنة عشر مع الإدمان على المخدرات، التي بدأها بدافع الفضول في السادسة عشر من عمره، قبل أن تتحكم بحياته.

ترك يحيى المدرسة في الصف العاشر. وضعه الاجتماعي والمادي لم يكن يسمح بأن يواصل الدراسة، كما يقول، وهو ما دفعه للتوجه إلى سوق العمل، الذي اختبر فيه لأوّل مرة المخدرات التي سرعان ما أدمن عليها.

دخل يحيى مركز العلاج من الإدمان ووزنه 48 كغم. تحسن وزنه قليلًا، لكنه ما زال نحيلًا والإرهاق بادٍ على وجهه، رغم أنه يستعد لمغادرة المركز بعد أن قضى فيه أكثر من 50 يومًا ويستعد لبدايته الجديدة.

IMG_5969
IMG_5925
IMG_5987
IMG_5993

«أنا كنت اتعاطى أول شيء فراولة، اللي هي حبوب الترامادول. كنت أشتغل أنا وصاحب إلي مدمن ترامادول، وما بشتغل إلا وهو متعاطي، فأنا صار عندي فضول أعرف شو بصير معاه لما يتعاطاه ويشتغل، فأخذت حبة حتى أعرف شو جوّها. أخذت حبة وحبيت جوها، وصرت نشيط وأشتغل أكثر، وصرت ما أنزل على الشغل إلا وأنا ماخذها، بعدين صرت آخذ حبتين، بعدين حبيتن ونص، بعدين ثلاث، بعدين بطلت توفي معي فصرت أجوكر».

وسرعان ما أدمن يحيى على الجوكر، والذي جمد حياته بالكامل، ولم يعد بعدها مواصلة العمل أو ممارسة أي نشاط باستثناء تعاطيها. «الجوكر دمرني، صار إحساسي بالزمن بعدها صفر، وصرت كسول وما أقدر أتحرك، وعلشان أجيب حقها صرت أبيعها».

يتابع يحيى الذي يعيش في أحد مخيمات إربد: «كل الناس اللى حواليّ بيتعاطوا جوكر، وبصنعوها، وين ما تروح، مرات أوّل ما تطلع على الحارة بتلاقي الشباب لافين لك سيجارة، هاد خلّا كل حياتي حوالين الجوكر».

«في يوم من الأيام مجموعة من صحابي كانوا بتعاطوا الجوكر. وهم بدخنوا صاحب إلنا مات، فما عرفوا شو يعملوا، فأخذوه وحطوا جثته على باب المستشفى، وتركوه وهربوا».

ومع زيادة تعاطي يحيى كانت تزداد حدة إدمانه وآثارها على صحته وهو ما دفعه في آخر أيامه في الخارج إلى الانعزال التام عن الناس والعائلة. «قعدت بغرفتي وبس أدخن وأنام وأنا مش حاسس بشيء، لحد ما وصلت لمرحلة بطلت قادر أتحمل، فنزلت على أهلي وحكيتلهم إني مدمن وإنه بدي أروح اتعالج بالمركز».

يتابع: «كان لازم أتخذ قرار. اللي بتعاطى مخدرات يا بموت، يا بنسجن، يا بخسر كل الناس اللي حواليه، وأنا ما بدي أي شيء من هدول».

بطبيعة الحال، فالتخلص من الإدمان على المخدرات ليس مسألة سهلة، إذ يؤكد المختصون أن نسبة الانتكاس بين المتعالجين من الإدمان عالية. ويعي المدمنون ذلك تمامًا، كما يعيه المختصون القائمون على المركز الوطني الذين يؤكدون على ضرورة خلق سلوكيات صحية جديدة كشرط أساسي لمواصلة الإقلاع عن المواد المخدرة.

ويمارس المدمنون المتعافون الرياضة بشكل يومي بالمركز الذي يعمل على تنظيم مسابقات رياضية بشكل دوري، كما يقوم بتحفيز المتعافين للذهاب إلى المكتبة والقراءة، لأن معركتهم ليست فقط جسدية، وهو ما يحاول أحد الملصقات  في زاوية من زوايا المركز قوله: «الإدمان فكرة، لا يمكنك التغلب عليها دون فهمها».

*اسم مستعار