عتّالو الحجارة: ظهورٌ محنية تحت الشمس

عتّالو الحجارة: ظهورٌ محنية تحت الشمس

الثلاثاء 19 نيسان 2016

تخيل أنك قرأت يومًا طلب توظيف بالشروط التالية: «مطلوب عامل يستطيع رفع حجارة تزن 250 كغم كحدٍ أدنى، على أن يقوم بنقل 50 حجر منها يوميًا على الأقل إلى شاحنة ارتفاعها ثلاثة أمتار، وأن يعمل لعشر ساعات في منطقة صحراوية. ولا يلتزم صاحب العمل بتسجيله في التأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي أو تعويضه أو علاجه في حال تعرض لأصابة عمل أو توفي خلال العمل. الراتب بحسب المجهود، لكنه في أحسن الأحوال لن يتجاوز 350 دينار شهريًا».

هذه وظيفة حقيقية، يمتهنها أشخاص حقيقون، بعضهم قارب الخمسين، في بيئة تعج بالانتهاكات الحقوقية.

على بعد نحو 220 كم جنوب عمّان، وفي عمق صحراء محافظة معان، تقع مجموعة من مقالع استخراج الحجر الجيري التي تستخدم في بناء واجهات المنازل. الوصول إلى تلك المنطقة دون سيارة دفع رباعي ودليل يعرف تلك الصحراء مهمة صعبة، إلا أنها رحلة تستحق العناء بالنسبة لأصحاب تلك المحاجر الذين يستخرجون أفضل أنواع الحجارة الجيرية وأغلاها ثمنًا في الأردن، بحسبهم ووفقًا لمهندسين مختصين. ورغم دخول المعدات الحديثة في عملية استخراج الحجارة، إلا أن جزءًا مهمًا من عملية نقل تلك الصخور الضخمة ما زال قائمًا على الجهد البشري.

«عِتالة الحجارة» هي مهنة قائمة على نقل الحجارة متوسطة الحجم من المحاجر إلى شاحنات تمهيدًا لنقلها إلى «الكسارات» حيث يتم تقطيعها قبل إرسالها إلى السوق. بدأت المهنة في سبعينيات القرن الماضي مع بداية استخراج حجر البناء في الأردن، وكان عمّالها حينها مزيجًا من المصريين والأردنيين الذين هجروها لاحقًا، وكانت منتشرة في معظم مناطق استخراج الحجارة كمنطقة الرويشد الحدودية مع العراق ومنطقة المشقّر القريبة من مادبا، إلا أنها انحصرت في النهاية في محافظة معان.

هذا النوع والحجم من الحجارة يطلبه أصحاب الكسارات ومناشير الحجر القديمة، لأن مناشيرهم لا تستطيع تقطيع الحجارة الكبيرة. ولخشيتهم من تعرض الحجارة للكسر أو التلف في حال نقلها بواسطة الجرافات أو الآليات الحديثة، يعمدون لنقلها يدويًا على ظهور «العتّالين»، في حين تُنقل الحجارة الكبيرة التي تقطع على المناشير الحديثة الكبيرة بالآليات والجرافات.

طلعت منصور، عامل مصري الجنسية، دخل الأردن عام 1993 بتصريح عمل إنشائي، وعن طريق مجموعة من أقربائه بدأ العمل «بالعتالة»، وهو من أقدم العاملين فيها حاليًا. يقول منصور «جيت على الأردن علشان أشتغل، وأوّل ما وصلت دلّوني قرايبي هنا على المحاجرـ ونصحوني أشتغل الشغلانة دي لأنه فيها فلوس أكثر شوية من أي شغل ثاني، لكنها أصعب من أي مهنة ثانية، ويمكن ما فيش أصعب منها».

«بدأت أشتغل بالعتالة وأنا عمري 20 سنة، كنت لسا طالع من الجيش، وعايز أشتغل وأأسس حالي»، يتابع منصور ابن السادسة والأربعين. «كنت أقول لحالي سنتين، ثلاثة، وحَ اتركها، لكن دلوقتي بقالي 23 سنة بشتغلها».

عند سؤاله عن السبب وراء عدم تركه للمهنة يقول «مفيش مادة، مفيش فلوس، أنا عندي دلوقتي ثلاث عيال أكبرهم عمره 17 سنة، ولازم أعيّشهم وأدرّسهم، وأنا معرفش أشتغل شغلانة ثانية غير دي».

مهنة لها طقوسها وتاريخها

يذكر طلعت وزملاؤه عاملًا مصريًا آخر قدم لهم عام 1975 أداة سهّلت عملهم لسنين تلت. فحامد أبو وجيه استحدث ما أسموه بـ«الياك»، وهي أشبه بحقبية يضعونها على ظهورهم تساعدهم في رفع الحجارة، مصنوعة من الكاوشوك الصناعي والأسفنج، وهو ما ساهم في زيادة حجم الحجارة التي يتم رفعها والكميات التي تنقل يوميًا.

ورغم صعوبة «عتالة الحجارة» إلا أنك تلمس فخر العاملين فيها بأنفسهم، حيث يتباهى كل واحد منهم بقدرته على رفع أثقل حجر أثناء العمل الذي يبدأونه عادةً بنشاط عالٍ وبكلماتٍ يتحدون فيها بعضهم «حنشوف النهاردة مين حيرفع أكثر»، لكن سرعان ما يتحول ذلك إلى عصبية وشجار أحيانًا، ثم يحل التعب في النهاية بعد عشر ساعات من العمل.

ينتمي معظم من يعمل في هذه المهنة إلى مدينة المنصورة، ولا يوجد سبب وراء ذلك إلا أن أوّل من عمل في هذه المهنة كانوا من تلك المحافظة وعملوا لاحقًا على جلب معارفهم للعمل في الأردن في المهنة نفسها.

ياسر (أعلاه) أيضًا ممن يعمل هنا منذ بداية التسعينات، بدأ شابًا بعمر التاسعة عشرة والآن عمره ستة وأربعون عامًا، إلا أن أهله في مصر لا يعرفون نهائيًا أنه يعمل في هذه المهنة، يقول ياسر «محدش من أهلي أو من أهل الشباب هنا يعرف أننا بنشتغل الشغلانة دي. (..) لو يعرفوا مش حَ يودونا الأردن تاني».

«في البداية أنت بتكون مبسوط أنك بتشتغل الشغلانة دي، لكن بعد ما تكبر وتتصاب وتمرض بتتمنى أنك ما اشتغلتهاش نهائيًا»، يقول ياسر.

بيئة تعج بالانتهاكات

تغيب فئة عمال التعدين والمحاجر عادةً عن التقارير السنوية للمراكز الحقوقية الأهلية وشبه الرسمية المتمثلة بالمركز الوطني لحقوق الإنسان، ومع ذلك يُظهر الكشف الميداني واللقاء المباشر لمن يعمل في هذا القطاع حجم الانتهاكات التي يتعرضون لها.

التقرير السنوي لوزارة العمل للعام 2014 يقول إن عدد العمال المهاجرين في قطاع التعدين والمحاجر في الأردن بلغ 628 عاملًا، من بينهم 512 مصريًا، أما ما تبقى فتتوزع جنسياتهم ما بين السيرلانكية والفلبينية والهندية والتركية، يعمل معظمهم في قيادة الجرافات والآليات أو في مناصب إدارية.

بحسب العمّال الذين قابلتهم حبر، فمنذ عام 2012 إلى الآن توفي في معان ثلاثة أشخاص ممن يعملون في عتالة الحجارة بسبب أداء عملهم بشكل مباشر، أو نتيجة بيئة العمل وظروفه بعامة، ولم يتم تعويضهم أو تعويض أهلهم أو حتى متابعتهم صحيًا بعد إصابتهم في بعض الحالات.

من بين الذين توفوا، العامل حسن رمضان، الذي تعرض لسكتة قلبية أثناء عمله في عتالة الصخور في صيف 2012. يذكر طلعت منصور حادثة وفاة رمضان قائلًا «حسن مات قدامي، كان بشيل حجر على التريلا [الشاحنة]. وهو في نص الطريق وقع وما قامش ثاني».

وفي عام 2014 تعرض العامل كريم العوضي إلى إصابة بالرأس بصخرة أثناء إجراء عملية تفجير داخل المحجر، مما أدى إلى إصابته بشكل مباشر بكسر خطير في الجمجمة، عولج بعدها على حسابه في الأردن لعدد من الأيام قبل أن يُنقل إلى مصر ويتوفى هناك، بحسب العمّال الذين قابلتهم حبر.

ويؤكد طلعت وعدد من زملائه أنهم يتعرضون إلى إصابات اثناء عملهم بشكل دوري، إلا أنهم يضطرون إلى تحمل كلف العلاج وحدهم لعدم شمولهم في التأمين الصحي أو الضمان الاجتماعي.

يقول طلعت «عام 2013 تعوّرت وأنا بشتغل، وقعت من فوق التريلا [الشاحنة] وأنا شايل حجر. تعور ظهري وقعدت عن الشغل لمدة شهر، روحت على مصر وتعالجت على حسابي. مفيش حد هنا مبتعوّرش مرة أو مرتين بالسنة».

«الكارثة الحقيقة مش أنك تتعور»، يتابع طلعت. «الكارثة أنك تنصاب بالديسك وتعقد عن الشغل، وكثير مننا انصاب بالديسك وقعد عن الشغل، كثير أوي».

تلزم المادة الرابعة من قانون الضمان الاجتماعي للعام 2014 تسجيل العاملين في الضمان، الذي تنطبق شروطه على العاملين في هذه الفئة، إلا أن التأمين الصحي اختياري للمؤسسات والأفراد، بينما تنادي بعض الأصوات الحقوقية أن يكون إلزاميًا في المهن الخطيرة.

ويقول منصور «مفيش حد مننا مسجل بالضمان على حساب صاحب الشغل أو الكفيل، واحد مننا مسجل بس على حسابه، حتى تكاليف التصريح إحنا بندفعها كل سنة».

وتبلغ رسوم تصريح العمل للعاملين في هذا القطاع، بحسب نظام رسوم تصاريح عمل العمالة غير الأردنية الصادر عام 2014، 180 دينارًا.

وعن سبب عدم تسجيل العاملين في هذا القطاع بالضمان على حساب صاحب العمل أو دفع رسوم التصريح، يقول أبو مهند أحد اصحاب مناشير الحجر في معان «إحنا متفقين على هيك، همه بتكلفوا بتكاليف التصريح وأنا بأمنلهم الشغل وبحاسبهم، وهمه أحرار بدهم يسجلوا بالضمان ويلتزموا زي ما بدهم».

أما في قضايا الأجور، فأصحاب الكسارات والمناشير هم عادةً من يكونون كُفلاء العمال المهاجرين المصريين عتّالي الصخور، ورغم أنهم يأتون إلى الأردن على عقد عمل شهري، إلا أنهم يفضلون التعامل مع العمال بناءً على عدد «النقلات» التي ينجزونها في اليوم، وهو ما يراه الطرفان منصفًا. فبينما ينص العقد الشهري على راتب يبلغ 190 دينارًا، قد يستطيع العامل أن يحقق أجرًا شهريًا قدره 300 دينار مقابل بذل مجهود أكبر، لكنه غير ثابت ومن الممكن أن يكون أقل من ذلك.

يقول ياسر «إحنا بنشتغل كمجموعة، بنكون خمس أو ست أشخاص وبنحمل التريلا [الشاحنة] اللي حمولتها 20 أو 30 طن مقابل 25 أو 30 دينار، فالعامل بيطلعه على كل نقلة خمس دنانير، وممكن نعمل نقلتين في اليوم. (..) لكن الشغل مش ثابت، أحيانًا بنشتغل وأحيانًا لا، وبالشتا كدا كدا قاعدين، يعني يا دوب بنهاية الشهر بنوفر ورقتين دولار [مئتي دولار] وبنبعثهم لمصر».

فوق ذلك، يقول طلعت منصور إن عددًا كبيرًا من أصحاب الكسارات يتأخر في تسديد المستحقات المالية للعاملين. كما أن الكثير من العمال يعملون لعشر ساعاتٍ يوميًا، وهو ما يخالف قانون العمل الأردني.

ورغم أن عتّالي الصخور يعملون في بيئة صحراوية، إلا أن المحجر الذي زارته حبر والذي يبعد عن أقرب مستشفى نحو 30 كم لم يحتوِ على أدوات أسعاف أولية.

وزارة العمل بدورها تقول على لسان الناطق الإعلامي باسمها محمد الخطيب إن بُعد المحاجر ووجودها في الصحراء لا يمنع أن تقوم الوزارة بتنفيذ زيارات تفتيشية لها، حيث نفذت خلال العام الماضي عددًا من الزيارات كان من بينها زيارات تفتيشية لمحاجر محافظة معان.

يقول الخطيب «لدينا كوادر مدربة ومختصة بمواضيع السلامة العامة، ونفذنا عدد من الزيارات التفتيشية للمحاجر في معان، وضبطنا مخالفات»، دون تحديد طبيعتها أو عددها.

ولعل هذا الواقع يفسر سر انخفاض عدد العمالة الوافدة العاملة المرخصة في التعدين والمحاجر بشكل عام، فبينما كانت يقدرون بنحو 1542 عاملاً عام 2011 اصبحوا فقط 628 عاملاً في نهاية عام 2014.  

أما في محافظة معان، فيقدر العامل طلعت منصور عدد العاملين في هذه المهنة الآن  بنحو 30 عاملًا فقط، مع أنهم كانوا بالمئات في فترة ما. «اللي بشتغل بالمهنة دي دلوقتي 27 واحد أو بيوصلوا 30 نفر»، يقول طلعت. «كانوا أكثر من كده بكثير بالتسعينات، لكن المعظم طِفِش وزهقوا من الشغلانة الصعبة دي».

 * تم إعداد هذا التقرير بالتعاون مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR).

  • د.ماهر الزبيدي

    نعم يا سيدي ان المواطن الأردني بنظرهم هم فقط انه المساحه الحقيره بين الكندرة والحطه او الشماغ. هكذا يروننا وهكذا سنمضي الى ان نموت بلا حس ولا صوت وهمس