في انتظار «لمّ الشمل»: أردنيات عالقات في الضفة الغربية المحتلّة

في انتظار «لمّ الشمل»: أردنيات عالقات في الضفة الغربية المحتلّة

الثلاثاء 04 أيلول 2018

عيد* ميلاد آخر قضته هنا، في رام الله، هذا معناه أن عامًا آخر قد مرّ من دون أن تُحلّ قضيتها، وقضية الآلاف غيرها. خلال الأعوام الماضية، تركت آلافُ النساء مكان نشأتهنّ في الأردن، واتجهن رفقة أزواجهنّ الفلسطينيّين، ودخلنَ فلسطين المحتلة بتأشيراتٍ مؤقتة. وبعد انتهاء مدّة التأشيرة، التي لا تتجاوز في العادة شهرًا واحدًا، لم يكن لديهنّ خيارٌ إلاّ مخالفةُ مدّة التأشيرة والبقاء مع أسرهنّ الجديدة.

تقدّمت العائلات حينها بطلب «لمّ الشمل» عبر هيئة الشؤون المدنيّة التابعة للسلطة الفلسطينية. طلبٌ يُضاف، بحسب الهيئة، إلى أكثر من أربعةِ آلاف طلبٍ مكدّس، تقدّم بمعظمها فلسطينيّون بالنيابة عن زوجاتهم الأردنيّات، أو الفلسطينيات اللواتي يحملن وثائق أردنية ولا يحملن ما يدل على كونهن فلسطينيات، ليتمكنّ من العيش في فلسطين بصورةٍ «قانونيّة». هذه الطلبات المكدّسة جمّدها الاحتلال الإسرائيليّ بعد الانتفاضة الثانية، فأصبحت كلمة «مُخالِفة» كفيلةً بشرحِ جزء مهم من قصص حياتهنّ.

«النشميّات» في رام الله

تفاجأت سمر**، بأنّ زميلتها حينما كانت طالبة في الإعداديّة في مدينة عمّان «مخالِفة» مثلها حين صادفتها في مدينة رام الله. ثمّ قادتها صدفةٌ أخرى، سعيدة على نحوٍ ساخر، إلى خمسِ نساءٍ مخالفات، التقت بهنّ افتراضيًّا عبر تعليقاتٍ على صفحة فيسبوك اسمها «النشميّات». وهكذا أصبحنَ صديقات، يعتبرنَ هذه المجموعة الصغيرة دافعًا لمتابعة قضيّة لمّ الشمل، ومعرفة جوانبها القانونيّة، بعد أن كدنَ يستسلمن للأمر الواقع.

كما اعتبرن هذه المجموعة فرصة لإحياء حياتهنّ الاجتماعيّة التي اضطررن لإعادة بنائها من الصفر بعد انتقالهن للعيش في فلسطين؛ فهؤلاء النساء لا تجمعهنّ اهتماماتٌ مشتركة بقدرِ ما يجمعهنّ همُّ تفهمنه كلّهنّ: «إحنا صداقتنا رحمة إلنا، لأنّا فاهمين وجع بعض». وعند سؤالهن عن الوضع بعد هذه السنوات من الغربة القسرية تشاركن في وصف فلسطين بأنّها أشبه بالسجن، المشكلة بحسبهن ليست المكان بحدّ ذاته، بل في أنّهنّ علقن فيه، وانعزلن عن كلّ ما تعلّقن به في الأردن.

العائلة عن بُعد

إذا فكّرت إحداهنّ بالسفر إلى الأردن، فلن يكون بإمكانها العودة إلى فلسطين، ولن يكون لأطفالها أيّ فرصةٍ بأن يكونوا «أردنيّين» ما دام القانون الأردنيّ لا يسمحُ للنساء بإعطاء الجنسيّة لأبنائهنّ، ويحدّ من إمكانية تحصيلهم إقامة طويلة الأجل. وإذا بقينَ في فلسطين، فهذا يعني فراق عائلاتهنّ في الأردن، والعيش بقلق خلف أبوابٍ مُوارَبة.

تقول سمر إنّها وصلت إلى حدّ كراهية التحدّث عبر الهاتف مع عائلتها في الأردن، فمكالمات الفيديو لا تُشعرها إلّا برغبةٍ يائسة في كسر شاشة الهاتف حتى تكون معهم. تتفحّصُ صورَ أقاربها بعناية لتراقبَ ما تغيّر في ملامحهم عن آخر صورةٍ وصلتها، فتلحظُ تجعيدًا جديدًا في وجه أمّها، وتدرك أنّ أختها الصغرى لم تعد طفلة.

لقد تغيّرت هي الأخرى خلال السنوات السبعة الماضية، وأصبحتْ أمًّا لثلاثةِ أطفالٍ أنجبتهم جميعًا بعيدًا عن والدتها، وهو ما يزيد من شعورها بالغربة.

حين توفيَّ والدُ سمر في نيسان الماضي، لم تصدّق الخبر، إلى أن ألقتْ نظرة الوداع على وجهه عبر كاميرا الهاتف، ووصلها بعد أيّامٍ آخر قميصٍ قطنيّ ارتداه: «ريحته فيه، وما غسَلته».

خلال السنوات التي قضتها سمر في فلسطين، استطاعت عائلتها أن تزورها مرّتيْن، بتأشيرةٍ سياحيّة لأسبوعٍ واحد، يُخصم منه يوم الوصول ويوم الرحيل. تصف سمر مشاعرها خلال تلك الزيارات: «من أول ثانية بستقبلهم فيها، ببدأ أفكر بلحظة الوداع، ولا مرّة كنت أشبع منهم».

لا يحقّ لحملةِ الجوازات الأردنيّة أن يتقدّموا بطلبٍ لتأشيرةٍ ثانية إلّا بعد مرور ستّة شهورٍ من حصولهم على الأولى، ولا يضمن ذلك نجاحهم في استصدارها، إذ يستطيع الاحتلال رفضها دون تقديم أيّ مبررات.

قضتْ أسيل نفسَ المدّةِ التي قضتها صديقتها سمر في رام الله، بعد زواجها من فلسطينيّ. في لحظةٍ ما، راودتهما الفكرة نفسها بأنْ تتركا كلّ شيء وتعودا إلى عمّان، لكسبِ دقيقةٍ واحدةٍ مع أحبّائهما. عام 2012، بعد إنجاب أسيل طفلها الأوّل بأقلّ من شهر، فقدتْ أخاها وقد كان شابًّا في التاسعة عشر من عمره. حاولتْ حينها الوصول إلى عمّان عبر تهريبها في سيّارة إسعاف، لكنّها أدركتْ أن رحيلها لن يسمح لها بالعودة مجددًا إلى الضفة الغربيّة: «لو أقدر بس أشوفه مرّة أخيرة وأرجع».

الخوفُ من أن تفوتهنّ الحياة حقيقيّ جدًا، تعبّر عنه سمر بقولها: «مع السنين بتبيّن صعوبة هذا الوضع، أهلك بيكبروا، الناس بتموت، تتم فرحة ونجاح وعرس، بس إنتِ دايمًا غايبة».

أيّ لمّ شمل؟

أن تتنقّل دون بطاقة هويّة أمرٌ صعبٌ بحدّ ذاته، فما بالك في فلسطين؟ ابتكرت «النشميّات» استراتيجيّاتٍ لتجنّب التفتيش على حواجز الاحتلال العسكريّة في مدن فلسطين وقراها. من بينها أن يتجنّبنَ الخروجَ من مركز المدينة أصلًا، يعني أن يبقيْن حبيساتٍ وسطَ رام الله، وأنْ يتظاهرنَ بالنوم كلّما مررنَ بالسيّارةِ على حاجز، أو ينشغلنَ بتهدئةِ طفلهنّ الذي بكى في الوقت المناسب، وحين يُسألن، يقلن: «نسيت الهويّة»، على أمل ألّا يشكّ الجنديّ بقولهنّ. المسألة ببساطة مسألة حظّ، واحتلال استعماريّ استيطانيّ طبعًا.

تنطبق تسمية لمّ الشمل على عدّة معاملات؛ أولًا تلك التي يحتاجها زوجان مقيمان في «الأراضي الفلسطينيّة»، وكلاهما يحملان هويّة فلسطينيّة، لكن أحدهما من غزّة والآخر من الضفة الغربيّة. وهناك لمّ شملٍ آخر، لزوجيْن أحدهما من حَمَلة الهويّة الإسرائيليّة أو المقدسيّة والآخر من حَمَلة الهويّة الفلسطينيّة. ونوع آخر يُعنى به الفلسطينيّون المتزوجون بأشخاصٍ من حملةِ جوازاتٍ عربيّة أو أجنبيّة.

يحتكر الاحتلال السيطرة على السجل المدنيّ للفلسطينيّين، وبالتالي إصدار بطاقات تعريفيّة بهم، ومنح حَمَلة الجوازات الأجنبيّة منهم تأشيرات زيارةٍ لفلسطين. وبعد اندلاعِ الانتفاضة الثانية، تحديدًا مع نهايةِ أيلول عام 2000، جمّد الاحتلال الإسرائيليّ المعاملاتِ المُطالبة بلم شمل الفلسطينيّين مع أفراد عائلاتهم المقيمين في الخارج، والتي تقدّر هيئة الشؤون المدنيّة عددها بـ40 ألف طلب.

ادّعى الاحتلالُ حينئذ عدم استلامه تلك المعاملات ملقيًا اللومَ على السلطة الفلسطينيّة، ومدعيًا أنّها فشلت في تبليغه بالطلبات. منذ ذلك الوقت مُنحت مئات الإقامات بشكل استثنائيّ لعائلاتٍ فلسطينيّة، لكنّ سياسة الاحتلال تجاه هذه القضيّة غير متسقة ومتغيّرة باستمرار، كما أنها لا تقدّم أسبابًا للرفض أو القبول.

في العام 2009، صرّح رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية، حسين الشيخ، لوكالة «فلسطين اليوم الإخباريّة» بأنّ ملفّ لم الشمل الداخلي سينتهي قريبًا. مرّت حوالي عشر سنواتٍ ولم ينته الملف، بل ازداد تعقيدًا. حين تواصلت حبر مع مهند عناتي، مدير عام إدارة تسجيل السكان في الهيئة، كان تصريحه مقتضبًا: «لا جديد». لكن الهيئة أكّدت مرارًا، عبر منشوراتٍ على صفحتها في فيسبوك، أنّ هذا الملفّ من أولويّاتها، ولكنّه معلّق من قبل «الجانب الإسرائيليّ».

الدخول

بتأشيرات سياحيّة، بحجّة السياحة الدينيّة، أو بإدراج أسمائهنّ في قائمةِ مشاركين في مؤتمر ما، أو فرقةٍ للدبكة الشعبيّة، كلّها طرقٌ تعتمدُها النساءُ للدخول إلى فلسطين للّحاق بأزواجهنّ.

ليست كلّ هذه الطرق مجانيّة بالضرورة، فقد دفعت فادية 12 ألف دولار من أجل الدخول إلى فلسطين في المرّة الأولى، تقاضاها محامٍ إسرائيليّ مقابل تسهيله استصدار تأشيرة. دخلتْ يومها مع ستّ نساءٍ أخريات، أغلبهنّ متزوجات من فلسطينيّين ولديهنّ أطفال، أوصاهنّ المحامي الإسرائيليّ بالوصول إلى جسر الملك حسين في يومٍ وساعةٍ محدديْن، للتعاملِ مع موظّفين معيّنين متعاونين معه، وبالفعل كان هناك من ينتظرهنّ ومعه سبع تأشيراتٍ مؤقتة للدخول.

يقول المحامي هيثم خطيب إنّ الاحتلال طرحَ بعض التسهيلات لزيارة الأجانب إلى فلسطين، لكنّه لم يعنِ استفادة العرب منها. هناك ثلاث طرقٍ لدخول الضفة الغربيّة: الأولى عبر تصريح زيارةٍ عن طريق السلطة الفلسطينيّة، متاح نظريًّا للدول حتى وإن لم يكن لها علاقة دبلوماسيّة مع الاحتلال.

الطريقة الثانية هي الحصول على تأشيرة دخول إلى «إسرائيل»، قد تصل مدّتها إلى عاميْن قابلة للتجديد، والطريقة الثالثة هي تأشيرة للدخول إلى الضفّة عبر «إسرائيل» للدول التي لديها علاقات دبلوماسيّة مع الاحتلال فقط، ما عدا 11 دولة، منها الأردن. لذا فإنّ امتياز تمديد التأشيرة غير متاح للأردنيّين مثلما هو متاح للأوروبيّين مثلًا.

لا يعني ذلك أنّ زواج الفلسطينيّين من حملة الجوازات غير العربيّة أقل صعوبة، فقد أعاق الاحتلال مؤخرًا، وبشكلٍ متزايد، تجديدَ العديد من تأشيرات الإقامة للأجانب، واضعًا الكثيرَ من الأسر في مواجهةِ احتمالاتٍ بترحيل أفرادها، وتشتيتهم، ما دعا إلى انطلاقِ حملاتٍ حقوقيّة فلسطينيّة وعالميّة لضمان الحقّ في الدخول إلى فلسطين، للأزواج والناشطين والأكاديميّين.

الاحتيال على الأمل

أحدث المُنْضمّات إلى مجموعةِ النشميّات، منال، قرّرت أنْ تبحث عن حلٍّ غير الانتظار، فتواصلت مع محامٍ وعدَها بإمكانية استصدار بطاقة هويّة عن طريق المحاكم الإسرائيليّة، وطلب منها 5000 دولار في المقابل. ولولا استشارتها صديقاتها، لما علمت عن الآلاف التي دفعنها مقابل وعدٍ كاذب بحلّ قضيّة مجمّدة بقرارٍ سياسيّ. ليس من الصعب إيجاد هذا النوع من المحامين، فهم يراسلون النساء بأنفسهم ويبحثون عنهم باستمرار. يطلبون المبالغ على قسطيْن، واحد قبل البدء بالمعاملة، والثاني بعد أن يختفوا دون أثر.

تتعلّقُ الأسرُ الفلسطينيّة بأيّ بادرة أمل، وتمضي الأسر أعوامها رهنًا لأي خبر جديد، قّلما يزيدُ فحواه على كلمتيْن: «الملفّ مجمّد». آخر الأخبار التي نُشرت على الفيسبوك بين أوساط المخالِفات كانت حول استصدار 117 هويّة لمّ شمل أواخر حزيران الماضي. تزامن هذا الخبر مع نشرِ شركة الأخبار الإسرائيلية (القناة الثانية سابقًا) خبرًا حول خلافٍ حادّ بين وزير الأمن الإسرائيليّ، أفيغدور ليبرمان، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) نداف أرغمان، وذلك على خلفية طلب أرغمان للمصادقة على حوالي 100 حالة لم شمل، متجاوزًا ليبرمان.

إثر ذلك الخبر دعت مجموعة من المقيمين في فلسطين لاعتصامٍ أمام مقر الرئاسة الفلسطينيّة في رام الله، احتجاجًا على كون الهويات التي شاع خبرُ إصدارها، قد منحت لأشخاص مقرّبين من السلطة، وبقرارٍ من الرئيس محمود عبّاس.

تواصلت حبر مع إحدى منظِّمات الاعتصام، ديما زيادة، التي أكّدت إلغاء الاعتصام وعدم انعقاده، لأنّ المنظّمين علموا أنّ الاحتلال قد أوقف إصدار الهويات الـ117. من جانبها، نفت هيئة الشؤون المدنيّة هذا الخبر، وقالت إنّها مجرّد «إشاعات عارية عن الصحّة»، وأنه لم تكن هناك هويّات بالأساس حتى يتم إيقافها أو استصدارها، حسب التصريح.

«كنت أفكر الموضوع رح يخلص بسنة كحد أقصى. حكولي مثل ما طلع التصريح، بتطلع الهوية. ما توقعت يمرق 7 سنين»، قالت سمر، وصديقاتها يومين برؤوسهنّ، يؤكّدن على خوضهنّ رحلةَ الأمل والخيبة ذاتها. حين حاولت والدة سمر أن تقدّم طلبًا لتصريح من أجل زيارة ابنتها خلال عيد الأضحى الماضي، أخبرها أحد موظفي هيئة الشوون المدنيّة أنّ عدد التصاريح التي تستطيعُ الهيئة تمريرها للجانب الإسرائيليّ محدود، وأولويّة استصدار تصاريح الزيارة، هي للـ«زوجات اللي بدهن يخالفن»، أي لنساءٍ أردنيَّات ينتظرنَ فرصةً لدخول فلسطين والاجتماع بأزواجهنّ، ما يعني أنّ الحكاية ذاتها ستتكرر مجددًا، وستضطر نساءٌ أخريات للّجوء للحلّ الوحيد ليلتئم شملهنّ وعائلاتهنّ، وسيعلقنَ في الضفّة الغربيّة المحتلّة.


*ساعد في إنجاز هذا التقرير محمود الخواجا

** تم استخدام أسماء مستعارة حرصًا على حماية الأشخاص قانونيًا وحفاظًا على خصوصيتهم.