منعٌ، فتهديدٌ، فاختطافٌ وتعذيب: كيف وصل يونس قنديل إلى المستشفى؟

الإثنين 12 تشرين الثاني 2018
قنديل يرقد في المستشفى بعد أن تعرض للاختطاف والتعذيب يوم الجمعة 9 تشرين الثاني. تصوير عمار الشقيري.

تحديث: أصدرت مديرية الأمن العام مساء الخميس نتائج تحقيقها في الحادثة لتشير إلى أن قنديل اختلق اختطافه بمساعدة من ابن أخته، وإلى أن قنديل اعترف بالاختلاق، ليتم توقيفه 15 يومًا وتسند إليه أربع تهم من بينها الافتراء وإثارة النعرات وإذاعة أنباء كاذبة. وستنشر حبر تحديثًا مفصلًا للقضية في الأيام المقبلة.

بعد أن أمضى يونس قنديل وزميلاه معاذ بني عامر ورائد الخطيب أكثر من أسبوعٍ في محاولة تأمين الحماية لأنفسهم بتقديم شكوى ضدَّ من هددهم بالقتل على خلفيّة الإعلان عن اعتزامهم عقد مؤتمر يُناقش المجتمعات والسرديات الإسلاميّة، تعرّض قنديل للاختطاف والتعذيب من قبل مجهولين مساء الجمعة الماضي.

هذه الحادثة جاءت بمثابة ذروة لتسلسل أحداث بدأ بعد أن أعلنت مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» للدراسات والأبحاث، التي يشغل قنديل منصب أمينها العام، بالشراكة مع مركز «مسارات تنوير»، الذي يشغل الخطيب منصب مدير المديرين فيه، بداية تشرين الأول الماضي عن نيّتهما عقد مؤتمر بعنوان «انسدادات المجتمعات الإسلامية والسرديات الإسلامية الجديدة» بين 2 و4 تشرين الثاني الجاري في عمّان.

تقدّم بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ بشكوى إلى النائب في البرلمان ديمة طهبوب، وعلى إثر ذلك «قدمت شكواهم لوزير الداخليّة»، كما تقول، بعد أن زارت «الموقع الذي فيه إعلان المؤتمر، واطّلعت على عناوين ومضامين الأوراق النقاشيّة».

بحسب الخطيب، أخبرَ موظفٌ في وزارة الداخليّة أحد القائمين على المؤتمر بإلغائه في 22 تشرين الأوّل، دون توضيح سبب المنع في البداية، ودون أن يُعلَن السبب في وسائل الإعلام. «حاولنا نعرف ليش، بعض الجهات الرسميّة بلّغتنا إنه في ناس تقدّمت بشكوى إنّه هذا المؤتمر يدعو إلى الإلحاد. وهذا الكلام بعيد كل البُعد عن الحقيقة»، يقول الخطيب.

بعد منع الداخلية للمؤتمر، وصفته مواقع إخباريّة أردنية بأنَّه «يُسيء للذات الإلهيّة»، مستدلّة على ذلك بعنوان إحدى الأوراق البحثيّة في المؤتمر وهو «تاريخ الله إسلاميًّا: النُسختان العالِمة والشعبيّة» للباحث الأردنيّ معاذ بني عامر، وقالت إن المشاركين فيه «عدد منهم مشهورون بإلحادهم». فيما استخدم مذيعٌ في حلقة على فضائيّة أردنيّة عن المؤتمر توصيف «علمانيّة إلحاديّة»، وفسّر أحد المتحدّثين في ذات الحلقة عقد المؤتمر بأن «الأردنّ مستهدف وقيادته مستهدفه والشعب الأردني مستهدف لأنه مسلمٌ سنيّ».

على إثر قرار الداخلية، دعا المنظّمون إلى مؤتمر صحفي يوم 30 تشرين الأوّل في رابطة الكتّاب الأردنيين، إلا أنه تم إلغاء المؤتمر قبل موعده بقليل.

يقول بني عامر والخطيب وقنديل إن وتيرة التهديدات دفعتهم إلى اللجوء إلى القضاء والمركز الوطني لحقوق الإنسان، لكن دون جدوى، إذ لم يفلح الثلاثة في منع تعرض أحدهم للاختطاف والتعذيب، فيما يشعر الآخران بأن حياتهما لا زالت في خطر.

سرد أحداث اعتداء معلن

يوم الخميس 1 تشرين الثاني، توجه كلّ من قنديل وبني عامر والخطيب إلى قصر العدل لتقديم إخطار عن تعرضهم للتهديد بالقتل من قبل بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، والتحريض من قبل وزير الداخلية سمير مبيضين، و النائبين خليل عطية وديمة طهبوب، والنائب السابق بسام العموش، والنائب السابق زكريا الشيخ، وعلى بعض المشاركين في برامج حواريّة، منهم شاكر العاروري، وحاتم العرموطي، وينال فريحات، وسليمان الدقور، متّهمين إياهم بالتحريض على قتلهم. «شرحناله [للمدعي العامّ] فيها الوضع وقال أنا بحكي معكو تلفون، وهظاك يوم وهاظ يوم»، يقول بني عامر.

أعاد الثلاثة المحاولة بعدها بأيام، ووكّلوا محاميًا من أجل تقديم شكوى على مَن اعتبروا أنه أساء وحرّض ضدهم، وتوجهوا في اليوم التالي إلى المدعي العام، الذي قال لهم إنه سيحقق في الشكوى مباشرة وطلب منهم الحضور صباح اليوم التالي، الخامس من تشرين الثاني، حسبما يقول بني عامر. لكن الثلاثة انتظروا صباح ذلك اليوم ثلاث ساعات دون تلقي جواب، قبل أن تحوّل الشكوى إلى مدعٍ عام آخر في قصر العدل.

«حقوق الإنسان من المفروض أن يقول لي أنا سأتصل بالدولة لتأمين حماية لك وبعدها، فليناقشني في الورقة».

أبلغ المدعي العام المتقدمين بالشكوى أنه لا يستطيع تسجيل دعوى على النائبين طهبوب وعطية لأنهما يتمتعان بالحصانة، لكنه يستطيع تسجيلها على الناس العاديين، بحسب بني عامر. «نحن رفضنا، إمّا أن تُسجّل الدعوى كاملة أو لا تُسجلّها». طلب الثلاثة من المدعي العام تسجيل القضيّة ورفعها على النواب في شهر شباط حين تنفض دورة مجلس النواب، لكنه رفض كما يقول معاذ.

توجه الثلاثة بعدها، يوم السادس من تشرين الثاني، إلى المجلس القضائيّ «بسبب هذا الاستعصاء»، وقابلوا أحد القضاة هناك. وبعدها بيومين، عاد رائد الخطيب لقصر العدل، وتم قبول القضيّة وتسجيل الدعوى، بعد حذف اسم وزير الداخلية من الشكوى.

في هذه الأثناء، توجه معاذ بني عامر للمركز الوطني لحقوق الإنسان لطلب الحماية، وقابل عاطف المجالي، مفوض الحماية في المركز. يقول بني عامر: «ذهبت لأقول له أننا معرّضون للقتل والتهديد والتصفية الجسدية، قال لي موظف ما المشكلة؟ فشرحتُ له القضيّة، وعندما قلت له عن ورقتي، «تاريخ الله إسلاميًّا، النسختان العالمة والشعبية» قال لي بالحرف الواحد: من أنتَ لتكتب عن الله؟ وقال لي إذا أردت أن تتم الشكوى أحضر ورقتك حتى يقرأها مجموعة من العُلماء لدينا».

يقول المجالي لحبر إن معاذ دخل معه في «جدال بيزنطي»، مضيفًا: «قلتله ليش أنتَ محدد تاريخ الله إسلاميًا يعني؟ قلي لأ، بده يتحدث عن تاريخ الله إسلاميًا، قلتله يعني أنتَ عارف كإحدى المسلّمات كدين وشغلة يقينية هي وجود الله».

«كيف ستقرأ ورقتي وتحكم علي؟»، يقول بني عامر عمّا حصل معه في المركز الوطني لحقوق الإنسان. «حقوق الإنسان من المفروض أن يقول لي أنا سأتصل بالدولة لتأمين حماية لك وبعدها، فليناقشني في الورقة».

«قضيّتنا مثل قضيّة موت مُعلن لماركيز، الكلّ كان يعرف أن هناك جريمة قتل ستقع لكن أحدًا لم يتقدم خطوة واحدة. كانت الدولة تنتظر أن يُقتل أحد ليتحركوا. لم يُشكلّوا لنا أي حماية. مَن حمونا وجدانيًا هم الأصدقاء، شعرنا أن هناك تجريح للقانون وانتهاك لحقوقنا السياسية»، يقول بني عامر تعليقًا على إجراءات التقاضي أمام المدعي العامّ.

أثناء محاولات تسجيل الدعوى، تواصلت التهديدات والتحريض سواء عبر الفضائيات والمواقع الإخباريّة والفيسبوك، أو عبر رسائل شخصية ليونس ومعاذ، بحسب قولهما. وشعر الثلاثة بأن الخطر بات أقرب.

في يوم الحادثة اتصل بني عامر بقنديل، وفي نهاية الحديث نصح قنديل بني عامر بأن يأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر. بعد ساعتين من تلك المكالمة، اختطف يونس قنديل.

خبر اختطاف

يروي عادل قنديل، شقيق يونس، أن الأخير خرج من منزله في منطقة طبربور في الساعة الرابعة من عصر يوم الجمعة 9 تشرين الثاني، ليمرّ على قبر والده، ومن ثم لصلاة المغرب في المسجد القريب. بعد الصلاة توجه للحلّاق، وتواعد مع صديق له في مقهى قريب. تأخر الصديق، فخرج يونس قاصدًا العودة للبيت.

«الكلّ كان يعرف أن هناك جريمة قتل ستقع لكن أحدًا لم يتقدم خطوة واحدة. كانت الدولة تنتظر أن يُقتل أحد ليتحركوا. لم يُشكلّوا لنا أي حماية».

يضيف عادل أن يونس عادة ما يتجنب أزمة طبربور بسلوك طريق «أوتوستراد الزرقاء، نزول عين غزال». يومها، توقف على إشارات طبربور وهاتف زوجته في الساعة 8:26 مساءً وقال لها: «5 دقائق وبكون عندكم»، بحسب عادل، الذي كان بجانبها.

ما حدث بعد تلك المكالمة يرويه قنديل من فراشه في المستشفى.

تعرّضت سيّارة قنديل إلى مهاجمة ثلاثة ملثمين. أغلقوا الطريق بالحجارة واقتادوه قرابة 400 متر سيرًا على الأقدام نحو منطقة حُرجيّة. دقيقتان فقط هي المدة التي استطاع خلالها قنديل مخاطبة مختطفيه الملثمين والمسلحين بمسدسات. بعدها ربطوه لشجرة، وخلعوا ملابسه وبدأوا باستخدام أدوات حادة للكتابة على ظهره. تعرّض يونس للشتم والضرب على الرأس، مع تهديدات بالقتل، ويقول إنه تعرض لنوبات إغماء متفرقة.

بعد 20 دقيقة من مكالمته الأولى مع عائلته، حاول أهله الاتصال به بسبب تأخره لكنه لم يُجب. «توغوشنا عليه فتحركت أنا بالمسار اللي متعود يسلكه. وأنا نازل نزول عين غزال لفّيت وأجيت بدي آجي باتجاه طبربور فوجدت السيارة مضوية وشغالة والشارع مسكّر بحجار»، يقول عادل، الذي أبلغ الجهات الأمنية عن اختفاء شقيقه.

في الساعة 12:46، أعلن الأمن العامّ إنَّ مديرية شمال عمّان تلقّت بلاغًا «باختفاء أحد المواطنين في منطقة طارق بعد العثور على مركبته وهو ليس بداخلها وبوشرت التحقيقات والبحث جارٍ عنه»، ليعثر الأمن على يونس الساعة 4:30 فجرًا.

صباح السبت، زار وزير الثقافة والشباب، محمَّد أبو رمّان، قنديل في المستشفى حيث أكَّد له «رفض استخدام العنف والتحريض وخطاب الكراهية، وأننا في الحكومة ننتظر معرفة التفاصيل والجهات التي تقف وراء الحدث وخلفية ذلك، ولن نستبق التحقيقات الأمنية».

عند تواصل حبر مع النائب ديمة طهبوب، التي يتهمها قنديل والخطيب وبني عامر بالتحريض ضدهم، قالت أنه «لا تعليق» لديها وإنه «رفعنا قضايا».

لكن بيانًا صادرًا عن حزب جبهة العمل الإسلامي، وصلت حبر نسخة منه، استنكر ما وصفه بـ«الحملة الظالمة» بحق العرموطي وطهبوب والحركة الإسلامية بشكل عام «من جهات تهدف إلى إثارة الفتنة وترويع المجتمع وبث الكراهية وإشغاله بمعارك لإلهائه عن مطالبه المحقة في محاربة الفساد والفاسدين وإنجاز الإصلاح الشامل».

وأدان البيان «العنف من أي طرف وتجاه أي مكون من مكونات المجتمع»، مطالبًا بـ«إعمال دور القانون في أي قضية بعيدًا عن الاتهامات الجاهزة». لكنه أدان في الوقت نفسه ما أسماه «أي محاولة لتغيير هوية المجتمع الأردني القائمة على قيم العروبة والإسلام»، و«المحاولات المشبوهة الممولة من الخارج والتي تحاول العبث بمناهجنا ونشر الرذيلة والخنا في المجتمع».

القيادي السابق في جبهة العمل الإسلامي، زكي بني ارشيد، أدان الاعتداء وقال على صفحته على فيسبوك: «إذا صح الخبر بأن السيد يونس قنديل تعرض للاختطاف والترهيب والترويع والتعذيب فإنني بوضوح كامل لا يحتمل إلّا معنى الإدانة الكاملة لهذا العمل الجبان، وإنني أعتبر هذا السلوك -في حال ثبوته- مخالف لأحكام الدين وقيم المجتمع ونصوص الدستور ودولة المؤسسات والقانون».

بحسب مصدر طبي في المستشفى التي يعالج فيها، فإن قنديل يعاني من رضوض في الرأس وفي بعض أجزاء جسمه، بالإضافة إلى حروق من الدرجتين الأولى والثانية على الظهر، وجروح سطحية بفعل أدوات حادة، لكن وضعه العامّ مستقرّ. ويستدرك المصدر ذاته قائلًا: «يونس نفسيًا مهشّم».

حاليًا، يلازم عنصران من الأمن العام باب غرف قنديل في المستشفى لحمايته. وظهر الأحد 11 تشرين الثاني، استمع مدعي عام عمّان، محمود الخرابشة، ليونس في غرفته في المستشفى، بوصفه شاهد حق عامّ في قضيّة الاختطاف والاعتداء عليه.