الانتهاكات العمالية في المدارس الخاصة: اقبلي أو «بجيب عشرة بدالك»

الانتهاكات العمالية في المدارس الخاصة: اقبلي أو «بجيب عشرة بدالك»

الإثنين 28 آب 2017

هذا التقرير هو الجزء الأول من سلسلة في جزأين تتناول الانتهاكات العمّالية التي تواجهها المعلمات في المدارس الخاصة.

الراتب الأول الذي تلقته منال* عندما عُينت، عام 2007، معلمة في مدرسة خاصة في إربد، كان 70 دينارًا. كانت قد تخرجت قبلها بسنة؛ تخصص تاريخ في جامعة آل البيت. لكنها لم توظّف في تخصصها، بل عينت «معلمة صف» للثالث الابتدائي.

بعد ثماني سنوات من عملها في هذه المدرسة، وصل راتبها إلى 135 دينارًا، إضافة إلى 10 دنانير، كانت تتلقاها مقابل مرافقتها التلاميذ في الباص الذي يوصلهم إلى بيوتهم بعد انتهاء اليوم الدراسي. وهي جولة كانت تستغرق ساعة ونصف يوميًا.

كان راتبها أقل من الحد الأدنى للأجور، الذي كان 190 دينارًا عندما تركت المدرسة قبل سنتين. في الحقيقة، كل الرواتب التي تلقتها منال منذ بداية عملها كانت أقل من الحد الأدنى للأجور، الذي كان 110 دنانير، في السنة التي عينت فيها.

ولم يكن هذا الانتهاك الوحيد لحقوقها العمالية؛ لقد عملت أيضا سبع سنوات من دون أن توقع عقدًا مع المدرسة. كما أن مالك المدرسة لم يسجّلها في الضمان الاجتماعي إلا بعد ثلاث سنوات من تعيينها. وقد زوّد «الضمان» بكشف راتب غير حقيقي، كما فعل مع بقية زميلاتها.

في العام 2015، دخلت منال عامها الثامن في هذه المدرسة، وكانت قد بدأت تتعالى في الإعلام الأصوات المطالبة بضبط تجاوزات أصحاب المدارس الخاصة على حقوق معلميهم، فأبلغت المدرسة المعلمات أنها ستوقع معهن عقودًا. لكن المفاجأة، كما تقول، هي أن الراتب المسجل في العقد كان 190 دينارًا، فرفضت التوقيع على راتب لا تتقاضاه حقيقة. لكنها عادت ووقّعت مقابل وعد بأن رواتب جميع المعلمات سترتفع فعلًا إلى 190. وصل العام الدراسي إلى نهايته من دون تنفيذ الوعد. فسجلت شكوى في وزارة العمل، نجم عنها تحرير عدة مخالفات للمدرسة. ما أدى إلى اصطدامها مع مالك المدرسة، ثم إقالتها في السنة نفسها. رفعت منال قضية فصل تعسفي، ما زالت، منذ سنة ونصف، تراوح مكانها في المحكمة.

لدى ميسون* تجربة مشابهة مع المدارس الخاصة. هي تحمل دبلوم «إعداد معلمين» من دمشق، وبدأت العمل عام  1989 براتب 55 دينارا، ارتفع شيئًا فشيئًا إلى أن وصل بعد 24 سنة إلى 250 دينارًا. في معظم المدارس التي عملت فيها،  لم تكن تتلقى رواتب شهور العطلة الصيفية، فقد كان أصحاب العمل يجبرون المعلمات على توقيع استقالات نهاية العام الدراسي، ثم يوقعون معهن عقودًا جديدة بداية العام اللاحق. وهذا يعني أن اشتراكها في «الضمان الاجتماعي» كان يتوقف خلال هذه الفترات، ما سبب لها، كما تقول، انقطاعات كثيرة، بحيث أنها عندما بلغت، قبل سنوات، سن التقاعد المبكر، أبلغوها في «الضمان» أنها لا تستحق التقاعد لأنه ليس لديها مدة الاشتراك الكافية، رغم أنها، كما تقول، لم تنقطع عن العمل نهائيًّا خلال هذه السنين.

هي الآن تستحق تقاعد الشيخوخة بداية العام 2018. وكل ما ستحصل عليه هو راتب تقاعدي مقداره 145 دينارًا. وهذا المبلغ، على ضآلته، لم تكن لتحصّله، كما تقول، لو أنه احتسب فقط استنادًا إلى رواتبها التي تلقتها خلال سنوات عملها في المدارس. ما فعلته ميسون هو أنها قبل أربع سنوات تقريبًا، وبعد أن كبر أولادها، وتخرجوا وتوظف بعضهم، تركت العمل أخيرًا، وتمكنت من الاشتراك الاختياري في الضمان الاجتماعي محتسبة لنفسها راتبًا أعلى من الذي كانت تتلقاه، وبدأت تدفع مستحقات الضمان، ما مكّنها من تحسين راتبها التقاعدي بعض الشيء.

تعمل في المملكة 3055 مدرسة خاصة، تشكل ما نسبته 44% تقريبًا من مجمل مدارس المملكة. يدرس فيها 499 ألف تلميذ وتلميذة تقريبًا. يشكلون ما نسبته 26% تقريبًا من مجمل التلاميذ. ويعمل في هذه المدارس، قرابة 35 ألف معلم، يشكلون تقريبًا 29% من مجمل المعلمين.

وفق مسؤولين حكوميين، ونقابيين وحقوقيين، فإن حالتي منال وميسون هما مجرد أمثلة على الانتهاكات القانونية السائدة في قطاع واسع من هذه المدارس. وهي انتهاكات تتعلق بالرواتب، الشمول بالضمان الاجتماعي، الإجازات، التكليف بمهام خارج إطار الوظيفة، وغيرها من حقوق عمالية.

يجمع هؤلاء على أن هذه التجاوزات ترتكب في مستوى معين من المدارس الخاصة، التي هي شديدة التنوع، فمن مدارس تمنح معلميها رواتب 100 دينار أو أقل، إلى مدارس أخرى تصل رواتب بعض معلميها إلى 3 آلاف دينار. ومع تعذّر تحديد رقم دقيق لحجم التجاوزات، بسبب عدم وجود تصنيف للمدارس الخاصة بحسب رواتب معلميها وأقساط طلابها، إلا أن هناك تأكيدًا على اتساع رقعتها، فيقدر رئيس لجنة القضايا في نقابة المعلمين، فرع عمّان، سامي الوحش أنّ ما لا يقل عن 70-80% من المدارس يرتكب نوعا أو آخر من التجاوزات. ويقول إنه تصل إلى النقابة ما بين 20 إلى 30 شكوى يوميًّا.

أمر آخر يجمع عليه مسؤولون، حقوقيون ونقابيون، هو أن المعلمات يمثلن السواد الأعظم من ضحايا الانتهاكات. ليس فقط لأنهن يشكلن غالبية معلمي المدارس الخاصة، بنسبة 89%، بل أيضا بسبب «الهشاشة» التي يتسم بها وضعهن الاجتماعي بوصفهن نساء في مجتمع ما زال يكرسهن حلقة أضعف. يقول الناطق الإعلامي في نقابة المعلمين الأردنيين، الدكتور أحمد الحجايا، إن ما لا يقل عن 99% من الانتهاكات تقع على المعلمات بالتحديد، وإن «الظلم الواقع عليهن لا يوجد في أي شريحة عاملين في المجتمع الأردني».

ضعف الرقابة وقلة المفتشين

تتركز التجاوزات بشكل أساسي في محورين: الأجور والشمول بالضمان الاجتماعي، وهي انتهاكات تقع ضمن اختصاص جهتين هما وزارة العمل ومؤسسة الضمان الاجتماعي.

وفق الناطق الإعلامي لمؤسسة الضمان، موسى الصبيحي، والدكتورة إيمان العكور من مديرية المرأة في وزارة العمل، ومنسقة اللجنة الوطنية للإنصاف في الأجور، فإن الانتهاكات تُكشف بطريقتين: الأولى هي زيارات التفتيش، سواء الدورية أو الحملات، والثانية هي متابعة شكوى من المتضرر.

ورغم أن الصبيحي يقول إنه لا أرقام دقيقة متاحة لحجم الشكاوى الواردة من المدارس الخاصة بالتحديد، لأن الشكاوى التي ترد إلى المؤسسة، كما يقول، لا تصنّف وفق القطاعات. إلا أنه أكّد أن المدارس الخاصة من أكثر القطاعات التي ترد منها شكاوى، معلقا بأن «الانتهاكات عندهم للسما».

الصبيحي الذي يلفت إلى أن الشكاوى «خفّت شوي» بعد إخراج العقد الموحد، يقول إن من هذه الانتهاكات، عدم الإفصاح عن الراتب الحقيقي، فيكون الراتب أقل من الحد الأدنى للأجور، أو يكون، في بعض الحالات، أعلى منه، لكن صاحب العمل يورّد الحدَّ الأدنى لمؤسسة الضمان، كي يخفف على نفسه النسبة التي يدفعها للمؤسسة، الأمر الذي يضر، في ما بعد، بحِسبة الراتب التقاعدي للمعلمة.

يضاف إلى ذلك، يقول الصبيحي، حالات إجبار المعلمات على دفع كامل مستحقات «الضمان»، أي دفع نسبة الاقتطاع المقررة على العامل ، وهي 7.5% من الراتب، وتلك المقررة على صاحب العمل، ومقدارها 14.25%.

أما الانتهاك الأهم، بحسبه، فهو إيقاف اشتراك المعلمة، نتيجة توقف دفع الأجور شهرين أو ثلاثة في السنة، وأحيانا في عطلة ما بين الفصلين أيضا. ووفقه، فقد حدثت حالات وفاةٍ أثناء الانقطاع، ولم يحصل الورثة على راتب الضمان. كما حدثت حالات عجز لكنها عوملت بوصفها حالات عجز خارج الخدمة، لأن المعلمة كانت منقطعة.

شكل آخر للتضرر من انقطاع الخدمة، هو كما تقول الدكتورة ميرفت الرجوب، من قسم الإصابات في مؤسسة الضمان الاجتماعي، فرع إربد، هو فقدان المعلمة حقها في راتب إجازة الأمومة، إذ يشترط قانون الضمان خدمة 6 أشهر متواصلة قبل الولادة، كي تستحق المعلمة تأمين الأمومة. وحدَث، بحسب الرجوب، أن فقدت معلمات حقهن في تأمين الأمومة، لأن ولادتهن وقعت في عطلة الصيف.

تقول وزارة العمل، من ناحيتها، إنه لا أرقام متاحة أيضا لحجم الشكاوى، وللسبب نفسه؛ هو أنها، كما تقول العكور، لا تصنَّف وفق القطاعات. لكنها تؤكد أيضا ورود الكثير من الشكاوى إلى مركز الشكاوى في الوزارة، ومكاتب العمل الموزعة على المحافظات، المتركزة حول عدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور.

في ما يتعلق بالتفتيش الدوري، يكشف الصبيحي والعكور النقص الخطير في عدد المفتشين، قياسًا إلى عدد المنشآت. فهناك في الضمان الاجتماعي، 140 مفتشًا لكامل المملكة، يغطون قرابة الـ50 ألف منشأة مشمولة بأحكام «الضمان». أما في في وزارة العمل، فهم، بحسب العكور، 150 مفتشًا تقريبًا، يغطّون قرابة 65 ألف منشأة.

تفتقر عملية التفتيش إلى عنصر «المتابعة والتقييم»، فالزيارات التفتيشية للمؤسسات المخالفة تنتهي دون متابعة لاحقة.

ولا تقف المشكلة في وزارة العمل، بحسب العكور، عند قلة الكوادر، بل تتجاوزها إلى افتقار عملية التفتيش إلى عنصر مهم هو «متابعة وتقييم» المؤسسات التي خضعت للتفتيش. فالزيارات التفتيشية تنفّذ وتنتهي، في حال وجود تجاوزات، إما بتحرير مخالفة للمؤسسة، أو إحالتها إلى المحكمة. وينتهي بذلك دور وزارة العمل، من دون أن يكون هناك متابعة لاحقة للمؤسسات التي ارتكبت هذه التجاوزات، للتأكد من أنها لم تستمر. وهو وضع تقول العكور إن هناك مساعي لتطويره.  

قلة عدد المفتشين التي تعيق متابعة المؤسسات المخالفة للتثبّت من عدم استمرار التجاوزات يعني، على الأرجح، استمرارها، وهذا ما حدث مع مدرسة منال، فالمخالفات، كما تقول، حررت في نيسان (أبريل) 2015، لكن الرواتب لم تُرفع إلى الحد الأدنى للأجور حتى تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، وهو الشهر الذي فُصلت فيه.

يقول الصبيحي إن عقوبات «الضمان» على المتجاوزين تصل إلى غرامة 30% من قيمة الراتب في حالة الاقتطاع على غير الأجور الحقيقية، في حين تقول منيرة نايف، وهي واحدة من سبعة مفتشين في مكتب عمل إربد، إن عقوبة عدم الالتزام بالحد الأدنى من الأجور هي 50 دينارا عن كل شهر لكل عامل. لكنها تلفت أن هذه العقوبة يمكن أن تكون رادعة، فقط في حال كان هناك متابعة للمدرسة. وهو أمر لا يتحقق، كما تقول، مع قلة عدد المفتشين.

المعلمات يتركن وحيدات

وضع كهذا، يجعل إيصال الانتهاكات إلى الجهات الرقابية، بشكل أساسي، مسؤولية المعلمات. والحقيقة هي أن هناك ما يؤشر بقوة على أن الشكاوى التي ترد إلى «العمل» و«الضمان» على كثرتها، لا تكشف إلا جزءًا بسيطًا من الانتهاكات على الأرض؛ ذلك أن كثيرًا من المعلمات، كما أجمع الذي قوبلوا في إطار هذا التقرير يفضلن عدم الشكوى. يؤكد ذلك مدير إدارة التعليم الخاص في وزارة التربية، أمين شديفات، معلقا إن «الجبن» عن التقدم بشكوى ما زال هو الغالب، وهو ما «يطمّع» بعض أصحاب المدارس الخاصة: «مرة إجتني مديرة [مدرسة] قالت إنها بتوخذ 170، فسألتها ليش بتقبلي بهيك شرط مجحف، قالت بدي أطعمي أولادي».

تقول نايف، المفتشة في مكتب عمل إربد: «كثير مدارس أنا بكون عارفة من الناس إنها بتدفع رواتب أقل من الحد الأدنى، بس لمّا نروح تفتيش ونسأل المعلمات ما بحكوا الصحيح. وصار أكثر من مرة إني شفت معلمات بعد ما يطلعوا من المدرسة [التي فتشت عليها] يعترفوا إنه رواتبهن كانت أقل من الحدّ (…) وأنا في المقابل، ما بقدر أسجل مخالفة على صاحب المدرسة إذا هنّ نفسهن ما حكن».  

المعلمات يذهبن أبعد، فيساعدن صاحب المدرسة على التحايل؛ عندما «يختبئن» أثناء زيارة مفتشي الضمان. جمانة، مثلا، عملت، عام 2013، معلمة إنجليزي في مدرسة في قرية بإربد، وبدأت براتب 60 دينارًا. وكان النظام في هذه المدرسة، كما تقول، هو تسجيل المعلمة في الضمان الاجتماعي بعد مرور 3 سنوات على تعيينها، تقول إنها، عندما جاء مرّة مفتش، كانت واحدةً من سبع معلمات غير مشمولات بالضمان: «خلّونا ننزل نتخبّى في التسوية». مثلها فداء*، التي تعمل منذ 10 سنوات معلمة لغة عربية، وأمضت الست سنوات الأولى من دون عقد ولا اشتراك في الضمان، تقول إنه عند التفتيش، كان مالك المدرسة يجعلهن يصعدن إلى سطح المدرسة، أو يذهبن إلى قسم الروضة إذا بدأ التفتيش في قسم المدرسة، ثم يعدن إلى المدرسة، عندما ينتقل المفتش إلى الروضة. وتقول إنهن في واحدة من المرات: «رحنا عند الجيران».

يطلب الصبيحي من المعلمات أن يكّن «أكثر شجاعة» ويبادرن بتسجيل شكاوى، في حين يحمّلهن نقيب أصحاب المدارس الخاصة، منذر الصوراني، المسؤولية، ويقول إن الأصل هو تطبيق القانون، وإن المشكلة أساسا هي في المعلمة المفترض أنها «كبيرة وعاقلة وفهمانة»، وتقبل، مع ذلك، بشروط عمل غير لائقة، ثم تبدأ بالشكوى «الحق عليها هيّه، هي اللي بتقبل بأقل الأسعار، وبتقبل بأي عمل وبعدين بتصير تشكي (…) يعني هي بتقبل بأقل راتب وبتتازل عن حقوقها، يعني أنا أكون عليها شرطي؟».

«روحي .. بجيب عشرة بدالك»

لكن الوضع، كما تظهر الوقائع، أكثر تعقيدا من مجرد قرارات فردية، تأخذها معلمات لم يتحلين بشجاعة كافية. إن الأمر يتعلق بمنظومة  متكاملة تحكم علاقة المعلمة بصاحب العمل، تضافر فيها الاقتصادي والاجتماعي والقانوني لخلق بيئة عمل، بنى أصحاب المدارس فيها تحالفًا تدعمه الاختلالات الرقابية والقانونية، وترهل السياسات، وضعف التمثيل النقابي، ما سمح لهذا التحالف بفرض شروط عمل أصبحت فيها الانتهاكات العمالية في قطاع واسع من المدارس الخاصة هي القاعدة. بل وتحولت الشكوى من أداة تنال المعلمة بها حقوقها، إلى أداة عقاب لها.

اقتصاديًّا، يحدث مع المعلمات ما يحدث مع أي مهنة يفيض المعروض  منها عن حاجة السوق. فالتعيينات الحكومية المرغوبة من قبل المعلمات لامتيازاتها النسبية مقارنة بالقطاع الخاص، ومنها الأجر، حيث يبدأ المعلم براتب 380 دينارًا، هذه التعيينات أقل بكثير من طلبات التوظيف المسجلة في ديوان الخدمة المدنية.

وفق قانون التربية والتعليم، لا يعين معلمًا، إلا الحاصل على البكالوريوس. وتستثنى من ذلك بعض الحالات، التي تمنح وفق القانون، إجازة تعليم «مؤقتة» إلى حين تصويب وضعها. وهذا القانون يسرى حتى على المدارس الخاصة لكن الوزارة تغض النظر عنها.

هذا يعني أن القطاع الحكومي مغلق أمام حاملات الدبلوم، مثل آية، التي تحمل دبلوم تربية طفل، وبدأت العام 2007 في مدرسة خاصة في عمان براتب 85 دينارا. لقد وصل راتبها بعد عشر سنوات إلى 230 دينارًا، وهو الراتب التي تقول إن معلمة أخرى خبرتها 21 سنة تتقاضاه، وهو أيضا الراتب الذي تتقاضاه كل من تعيّن حديثا في المدرسة، في إشارة صريحة من مالك المدرسة إلى أن الحد الأدنى للأجور سيكون هو السقف الذي سيدفعه. وهو إضافة إلى ذلك، يدفع في شهر حزيران (يونيو) فقط عن أيام الدوام، التي قد لا تتجاوز نصف الشهر.

هذا لا يعني أن قطاع الحكومة مُشرع لحاملات البكالوريوس، اللواتي تتزايد طلباتهن في ديوان الخدمة المدنية باضطراد لا يتناسب مع الوظائف المعروضة. حسب أرقام ديوان الخدمة المدنية للعام 2014، فقد بلغ العدد التراكمي لطلبات توظيف الإناث الجامعيات في المهن التعليمية 98 ألف طلب تقريبًا، ارتفع العام الحالي إلى 118 ألف طلب، بزيادة مقدارها 20% تقريبًا خلال أربع سنوات.

في المقابل، لا تنمو، بالنسبة نفسها، أعداد المعلمات في القطاعين الآخرين اللذين يستقطبان المعلمات، وهما الحكومة ووكالة الغوث. ففي العام 2014، بلغ عدد معلمات القطاع الحكومي ووكالة الغوث، 51314 معلمة، ارتفع عام 2016 إلى 52220 معلمة، بزيادة 906 معلمات.

وهذا يعني أنه لا يبقى أمام الخريجات إلا القطاع الخاص، بما فيهن خريجات البكالوريوس، بخاصة صاحبات التخصصات الراكدة، مثل جمانة، التي تخرجت العام 2011 بكالوريوس لغات حديثة وترتيبها في ديوان الخدمة المدنية، في آخر مرة تفقدته هو 233 على اللواء الذي تنتمي إليه. وبحسبها، فإن هناك واحدة على الأكثر تُعيّن كل سنة من اللواء، وهذا يعني، كما تقول: «بدّي 233 سنة حتى يوصلني دور».

يعرض هذا القطاع فرصًا بشروط عمل متردية تقبل بها المعلمة، وهي مدركة أنها إن رفضتها، فإن بديلتها جاهزة. تقول زين، التي تحمل البكالوريوس في الرياضيات، وتعمل منذ أربع سنوات معلمة في جرش، إن أي معلمة تعرف أن لدى المدرسة التي تعمل فيها ما لا يقل عن عشرة أو خمس عشرة طلب توظيف لمعلمات في تخصصها، وأنه مهما بلغ سوء شروط العمل، فإنه سيكون من بينهن من تقبل. زين التي بدأت براتب 80 دينارًا، وتتقاضى الآن 150 دينارًا، ولم تتقاض قط أي راتب عن العطلة الصيفية، لم تفكر يوما بالاحتجاج لأنه ليس هناك أسهل من أن يقال لها: «مع السلامة»، كما تقول. أمر تؤكده منيرة، التي تقول إن طلبات التوظيف في أي مدرسة تكون بـ«الكومة»، وإن جواب مالك المدرسة للمعلمة التي تعترض على أي ظلم هو «روحي.. بجيب بدالك عشرة».  

ورغم أن الفكرة السائدة هي أن المعلمات يقبلن بسبب تردي أوضاعهن الاقتصادية، لكن هذا في الحقيقة، واحد من العوامل الأساسية التي تدفعهن إلى ذلك. هناك، كما تقول المعلمات عامل آخر، لا يقل أهمية، يدفع حتى من لا يعانين ظروفا اقتصادية قاهرة للعمل بهذه الشروط، هو الحاجة إلى اكتساب خبرة. فمن يحملن درجة البكالوريوس ولديهن فرصة التعيين الحكومي، ولو بعد سنوات طويلة، يمثل العمل في المدارس الخاصة بالنسبة إليهن فترة انتقالية تمهد للاستقرار في القطاع الحكومي، وتستغل لاكتساب سنوات خبرة، ستحتسب لهن عند تعيينهن في القطاع العام.

سنوات الخبرة هذه تستغل أيضًا، خلال سنوات الانتظار، للانتقال على سلم تراتبي (غير مدون)  للمدارس الخاصة، فيبدأن بمدارس تعيّن خريجات جدد، برواتب بالغة الضآلة، ثم ينتقلن إلى مدارس تشترط خبرة، وتمنح رواتب أعلى. وهي رواتب ليست أعلى بكثير، لدرجة أن الأمر، لا يستحق في كثير من الأحيان عناء البحث عن فرص جديدة، فتفضل المعلمات البقاء في المدرسة ذاتها، وتقبل الزيادات السلحفائية، كما تقول فاطمة، التي تخرجت عام 2006 معلم صف، وتعمل في مدرسة في الزرقاء: «تقوليش كل أصحاب المدارس الخاصة حاكيين مع بعض ومتفقين!».

الشكوى؛ من أداة لنيل الحق إلى عقاب   

مفهومٌ أن يؤدي الفائض في العرض إلى خفض الرواتب إلى الحد الأدنى القانوني. ومفهوم أيضا ظهور تجاوزات هنا وهناك في بيئات العمل التي لا تملك الجهات الرقابية عليها آلية تفتيش فعالة، لكن ما يثير التساؤل هو موقف المعلمات السلبي، والمتمثل في قبولهن بأقل من حقوقهن القانونية، بل وتواطئهن، أحيانا، مع صاحب العمل لتضليل الجهات الرقابية المكلفة بالتفتيش.

قرار رفع قضية على صاحب العمل، ليس -في مجتمعنا- قرارا شخصيًّا للمرأة، بل هو قرار العائلة كلها.

تقول المحامية هالة عاهد، التي تابعت الحراك المطالب بحقوق معلمات المدارس الخاصة منذ بدايته، وتقدم استشارات قانونية للمعلمات في حملة «قم مع المعلم»، كما تتابع قضيتين لمعلمتين فصلتا على خلفية مشاركتهما في هذا الحراك، تقول إن واحدًا من العوامل المهمة الذي يجعل المعلمات يتراجعن عن التقاضي هو أن قرار رفع قضية على صاحب العمل، ليس -في مجتمعنا- قرارا شخصيًّا للمرأة، بل «قرار العائلة كلها، يجب أن يوافق عليه الأب والأخ والزوج»، وفي مجتمع، كما تقول،  ما زال يتعامل بحساسية بالغة مع دخول المرأة إلى المحاكم، فإن النساء يجبرن في معظم الأحيان على الانسحاب. بل ويمنعن، في أحيان كثيرة، حتى من الشهادة في المحكمة لصالح زميلة قدمت شكوى.

أما لمن تقرر المواجهة والتقدم بشكوى، فإن هناك الكثير، كما تقول عاهد، من المحبطات التي تُفقد الشكوى جدواها؛ هناك طول مدة التقاضي التي قد تمتد في بعض القضايا إلى ثلاث سنوات. وهناك أيضا أتعاب المحامي، التي قد تلتهم أكثر من نصف التعويض المحكوم به: «يعني ممكن تقعد القضية سنتين في المحكمة عشان ألف دينار».

بالطبع، لا تصل كل شكاوى الانتهاكات، بالضرورة، إلى المحاكم، ففي الحالات التي يكون فيها النص القانوني واضحًا، مثل الأجور على سبيل المثال، يلزم صاحب العمل بدفع الأجر المستحق في الحال. لكن أول ما يفعله صاحب العمل بعدها، كما تقول معلمات، هو ألا يجدد العقد في السنة اللاحقة للمعلمة التي تسببت له بمخالفة. فالقانون، كما تقول عاهد «يجبر صاحب العمل على إعطاء المعلمة حقوقها عن الفترة التي عملت فيها، لكنه لا يجبره على تجديد العقد معها».

والضرر لا يقف هنا؛ تقول زين إن أحد الأسباب المهمة التي تمنعها وغيرها من الشكوى، هو أنها تعرف أن هذا غالبا سيقضي على فرصها في التوظيف في المدارس الأخرى: «أصحاب المدارس شبكة زي اللوبي، اللي بتشتكي وبتعمل مشكلة مستحيل تلاقي شغل في المنطقة نفسها، إلا يمكن إذا بتطلع على محافظة ثانية».

وهذا بالضبط ما حدث مع منال، التي لم تتمكن خلال السنتين الماضيتين من إيجاد أي فرصة عمل، رغم أن لديها خبرة 8 سنوات: «قدمت لأكثر من 10 مدارس، ولقيتهم كلهم عارفين قصتي. وكانوا يحكولي صراحة ما بدهم معلمة عندها نشاط حقوقي». تضيف منال: «حاسّة زي اللي معمّم عليّ».


*تم تغيير أسماء المعلمات بناءً على طلبهن للحفاظ على خصوصيتهن.

** تم إعداد هذا التقرير بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان.