رأي

تحرير المرأة من «التمكين»

الخميس 06 نيسان 2017
من عمل فني للفنانة الهولندية تجا لينغ.

قد نتساءل لماذا بدأت وسائل الإعلام فجأة بالتهليل لـ«تمكين المرأة»؟ ولماذا تزداد المناسبات التي نطري فيها على نجاح النساء: مؤتمرات تحتفل بدورهنَّ الاقتصادي، وبدورهنّ السياسي، وتقدّم لنا نساءً نموذجيات لنحتذي بهن. في استعراضات شبيهة بمسابقات جمال تتم وفقًا لمعايير النجاح الليبرالي.

أهو فعلًا نصر، في عصر فشل الثورات؟ أشك بذلك.

يرافق التهليل الإعلامي انتشار لدراسات حول الفائدة الموضوعية لارتقاء النساء مهنيًا. النساء اليوم: لديهن شهادات أعلى، مؤهلّات بشكل أفضل، جديرات بالثّقة، أكثر فاعلية. ونقرأ في دراسات أخرى أن الشركة التي تعطي مناصب للمرأة هي شركة أكثر تناغمًا وفعاليةً. اليوم أصبح تمكين المرأة مثل تناول الخضروات الخالية من المواد الكيميائيّة، أو ممارسة اليوغا، إنه الوصفة السريعة للحصول على مجتمع عالي الأداء، خالٍ من العيوب، مجتمعٍ جديرٍ بدعايةٍ تلفزيونيةٍ.

هكذا تتم صناعة المرأة النموذجية، المرأة القدوة: فكرة تجريديّة تجسّدها نساءٌ ناجحات، سواء كنّ فنّانات أو نائبات في برلمان أو صاحبات مشاريع، يرتدين أجمل فساتينهن ليلعبن دور البطولة في مقاطع فيديو «تحفيزية» ويروين لنا قصص نجاحهن. يؤكدن لنا أن كل امرأة منّا تستطيع أن تنضم إلى ركْبهنّ. ربما كانت صاحبات الرسالة صادقات في كثير من الأحيان، ولكن هذا الاستعراض بحد ذاته، بكل البهرجة الإعلامية التي ترافقه، يقدم خطابا نخبويًا توعويًا، يختزل نضال المرأة في قصة فيلم هوليوديّ بنهاية وردية.

يجب أن نفهم أن بعض أشكال التحرر التي نحتفل بها اليوم ليست إلا قناعًا للعبودية.

الأهم من كل ذلك، تتوجه هذه الدعوة إلى الوعي الفردي للمرأة، إلى المرأة المنعزلة التي يفترض أن تحصّل حقوقها من العالم عن طريق إرادتها وعزيمتها فحسب. وفق هذا المنطق تَحرّر المرأة يعني تحقيقها تفوقًا مهنيًا شخصيًا، وخصوصًا أن النماذج التي تسوّق لنا التمكين هي امرأةٌ لا يمكن التشكيك بنجاحها المهني. سواء كانت ممثلة أو كاتبة أو وزيرة أو ناشطة، وهي حين تقدّم نفسها كرائدة في مجال تحرير المرأة كأنها بذلك تقول: «نجاحي الشخصي هو نصر للمرأة، نضال المرأة يبرر سلطتي ومكتسباتي».

وعلى هذه الأسس وُضعت أهداف النضال من أجل حقوق المرأة: أن تتلقى المرأة أجرًا مساويًا لأجر الرجل، أن يسمح لها بتبوّء مناصب قيادية، أن تشارك في القرار السياسي. كلها حقوق بديهية لسنا في صدد مناقشتها، لا يمكن لإنسان بكامل عقله أن يوافق على أن تتلقى المرأة أقل مما يتلقاه الرجل مقابل تأدية ذات العمل. ولكن هل يمكن اختزال نضال المرأة في هذه المسائل المحددة فحسب؟

لا أعتقد أن حرية المرأة تعني حصولها على الحق بتمضية 12 ساعة سجينة المكتب. نظام سوق العمل الحالي يقتل حرية الرجل كما المرأة، ولذا لا أسعى للنجاح وفق هذه المعايير، ولا أريد المشاركة في سباق الفئران هذا. ولن أحتفل بفوز أحد المشاركين فيه، حتى لو كانت امرأة.

هدفي الأساسي ليس النجاح المهني، ولا الثراء. لا أريد دورًا تعيسًا في مسرحية تسلّق السلم المهني أو السياسي. لا أريد أن أوزّع ساعات يومي بين سجنين، سجن المنزل وسجن المكتب، لا أريد أن أمثّل دور المرأة المثالية، الناجحة في عملها وبيتها، التي تلبي رغبات زوجها وتجيد الطبخ والنفخ وتصنيف الملفات وتربية الأطفال وإدارة الشركات دون أن تؤثر هذه المهام على رونق وجهها أو مزاجها الوديع.

كذبة شعار «تمكين المرأة» تكمن في البتّ بأنّ تحرير المرأة لا يكون إلا بتحقيق تفوّق مهني فردي، أي بالكسب المادي، وبذلك فهو مجرّد نسخة محدّثة من الحلم الأمريكي الذي يجد غايته في الاستهلاك. المرأة المناضلة، وفق هذا المنطق، هي امرأة ناجحة في عملها. ولكن النضال لا يتعلق بالكسب، كثير من المناضلين خسروا صحتهم أو عملهم أو مالهم أو حتى مناصبهم الوظيفية في سبيل القضايا التي يناضلون لأجلها.

التحرّر ليس طريقًا سريعًا مخصصًا لفئةٍ واحدةٍ من المجتمع: الفئة التي تدخل في سباق التراتبية الوظيفية. لا يمكن اجتزاء الحرية. لا يمكن الفصل بين حرية المرأة وحرية الرجل، وحرية الأطفال وحرية مجتمع بكامله. الحرية هي للجميع. ومن غير المعقول أن يتحقق تحرير المرأة بطرق ملتفة داخل مكاتب خانقة. تقدّم المرأة ليس رهنًا بحسن نية مدير العمل أو صاحب القرار.

أنادي بحريتي وحرية جميع النساء اللواتي يغضضن الأبصار ويطأطئن الرؤوس ويخفضن الأصوات لغياب أيّ خيار آخر. ولكنني أعرف أن الطريق نحو التحرير محفوف بالمخاطر، يهدد الأطر المألوفة، ويحتاج التشكيك بنظم المجتمع القائمة. الحرية ليست الخضوع لسيطرة المال. الأمر يتطلّب أكثر من ذلك بكثير.

ولست أدعو إلى التخلي عن دورنا في الحياة العامة. فالاستقلال يتطلب حتمًا استقلالًا ماديًا، وإذا عاشت النساء في رهاب فقدان مصادر الدخل وسبل العيش لن نحقق أي شيء. بالمقابل يجب أن نفهم أن بعض أشكال التحرر التي نحتفل بها اليوم ليست إلا قناعًا للعبودية.

ما أطالب به هو أن تتحرر المرأة من «تمكين المرأة» والذي ليس سوى أداة منمّقة من أدوات القهر والسيطرة. أدعوها للخروج عن كل النظم، إلى هز أسس المجتمع الحالي، لأن هذه النظم هي التي دفعت الرجل إلى إقصاء المرأة من اللعبة، ومن التصويت ومن العمل، خوفا من ألا تطيع القوانين التي فرضها. لذا بدلًا من الخضوع بإرادتنا لهذه الشروط تحت رعاية الآلة الإعلامية السياسية، فلنقم بما يخشونه فعلًا: لنحطم هذا بأكمله.

  • Lara Ali atoum

    عصر الثورات…؟؟!!؟؟
    لا شك ان مقومات النجاح و التميز في الوطن العربي هو ما ذكرت و لكن هناك الكثير في الاجزاء الاخرى من العالم
    لعدم مرور الحركات بمراحلها الطبيعبه و عدم تعرضها لضغط طبيعي في الوطن العربي نرى ما نراه و على سبيل المثال الحركه النسويه
    مما كان من الطبيعي ظهور تسمية صناعة و اتفق معك تماما ” صناعة الافراد…الخ” و الاهم ان الوطن العربي مصمم على تسمية الحركة النسويه و انا هنا اعتقد ان الدعم النسوي هو الانسب و هنا يظهر ما يسمى التمكين .
    ما حصلت عليه المرأه في الغرب نتيجة صراع عقود و ايام اخذته المرأه العربيه على طبق من ذهب و هنا يظهر الفرق فيما يسمى التقدير appreciation .
    لا ادري ما هو الذي ترينه من نجاح فردي لمرأه او نجاح مجموعه نسويه او دعم امرأه لاخرى في الوطن العربي حتى تدعي لتحرير المرأه من التمكين
    التمكين الذي اعطى المرأه الحق في العمل ؛ قرل رأيها؛ التعليم ؛ …الخ و لمعلوماتك في الاردن اخذت المرأه ما تأخذه بدعم من الهاشميين
    و هنا ادعوك للاطلاع على تجربة سمو الاميرة منى الحسين في التمريض اذ افترض انك على درايه بتجربة سمو الاميره بسمه بحث المرأه على العمل ؛ للتتعرفي على العراقيل و المموانع التي واجهت المرأه بحجة الدين …طبعا ناهيك عن المشاركه السياسيه للمرأه التي كانت بإراده هاشميه سياسيه ..
    من تطالب ،،؟؟!
    اعتقد اما انك غير محيط بتفاصيل وضع المرأه في الاردن او انك افترضت واقع في عقلك اعتمدت عليه
    المشوار طويل و الطريق غير سهله خاصه في هذه الايام القوى فيها عو المال ..
    كل التقدير