أن تعيش بالحد الأدنى

الثلاثاء 04 نيسان 2017
تصوير خالد بشير

وسط سيل من أخبار رفع الرسوم والضرائب الأخيرة، التي تصدّرت أحاديث الأردنيين منذ مطلع العام الحالي، مرّ خبرٌ آخرٌ مرور الكرام بدون أن يلفت نظر كثيرين، وهو خبر رفع الحكومة الحد الأدنى للأجور للأردنيين من 190 دينارًا إلى 220 دينارًا.

أصبح هذا القرار نافذًا ابتداءً من شهر آذار الفائت، ولكنّ كثيرين ممن يفترض أن يستهدفهم لم يأبهوا به، إما لأنهم لم يصلوا في سابق عهدهم للحد الأدنى السابق، ولم تطال عيون مفتشي وزارة العمل أرباب عملهم يومًا على الرغم من هذه المخالفة القانونية الصريحة، أو لأنهم يعتقدون أن هذا الرقم لا يزال مدعاة للسخرية، فهو بالكاد يلبي حاجاتهم الأساسية.

التقت حبر بثلاث نساء، يتقاضين الحد الأدنى أو ما دونه، يروين كيف تتأقلم عائلاتهنّ مع هذا الرقم وتتدبر مصاريفها الشهرية الأساسية، بعد «البركة» التي ذكرها أغلبها مرارًا وتكرارًا لوصف حالتها.

عمل 365 يومًا في السنة

صحيح أن يوم الجمعة هو يوم العطلة الرسمية الوحيدة الممنوحة لها، ولكن سهر، والتي تعمل في شركة حماية مكلفة بحماية مبنى تجاري في مدينة عمّان، تفضّل ألا تستريح في منزلها وتتقاضى أجرًا إضافيًا مقابل هذا اليوم، ليصل مجموع ما تتقاضاه شهريًا إلى 230 دينارًا.

تقول الموظفة التي تبلغ من العمر 39 عامًا «ما بعطل ولا يوم. حكوا لي إذا بتضطري تعطلي، بنعطّلك ما بنخصم، إذا اضطريتِ. غير هيك لأ»، ولكنها تؤكد أنها اضطرت ذات يوم إلى الغياب بسبب ظرف عائلي لمدة 10 أيام وخُصم أجر هذه الأيام بالكامل من راتبها.

وتضيف أن دوامها الذي يبدأ الساعة الثامنة صباحًا ينتهي في الساعة الرابعة عصرًا، ولكنها تتأخر في كثير من الأحيان في العودة، لأنها تنتظر قدوم زميلها الذي يأتي من وظيفته الصباحية الأولى ليستلم الموقع منها في الليل، وذلك «كمساعدة، ربك ما بنسى حدا، ربنا بيعطيني بعدين».

تسكن سهر مع زوجها وابنها الوحيد البالغ من العمر 13 عامًا في منطقة اليادودة في بيتٍ استأجرته من جارتها، التي تقبل بأجرة 80 دينارًا تقديرًا منها لظروف العائلة. وتتكفّل هي وحدها بدفع الإيجار وكل نفقات البيت، وكذلك بتعليم ابنها الذي تصر على إرساله إلى مدرسة خاصة يبلغ قسطها سنويًا 700 دينارًا، فقلّما يساهم زوجها في كل هذه النفقات رغم أنه يعمل.

رغم هذه الكلفة العالية، إلا أن هناك ما يبرّر هذا الإصرار على المدرسة الخاصة على حد تعبيرها، حيث تقول أن السبب «خوف على ابني من الطلاب (..) لا ما بخاف عليه بالمدرسة الخاصة، لأنه المعلمات منتبهات إله مش زي مدرسة الحكومة أو الوكالة (..) المدرسة الخاصة بترن عليكِ تلفون بتقولكِ ابنك مريض، الوكالة أو الحكومة ما هي مستعدة ترن عليكِ (..) الطلاب يوم ما يروحوا ما حداش بيتابعهم، هسا يوم ما بيروّح المس بتوصله لباب البيت (..) ابني بيضله ابني، مالك؟».

بيد أن سهر تعترف أنها لم تعد قادرة على تحمل هذه الكلفة، وسترسله في العام القادم إلى مدرسة حكومية بعد أن تكون قد اطمأنت إلى أنه كبر وعرف من يصادق.

إذا سارت الأمور على ما يرام، أي بدون طوارئ غير محسوبة، تنفق سهر ما يقارب 70 دينارًا  للمواصلات من بيتها إلى مكان عملها وبالعكس، حيث تستقل الباص والسرفيس، وأحيانًا لا تجد الباص، فتسير على قدميها لمسافة بعيدة قبل أن تركب السرفيس.

ولأنها غير مؤمنة صحيًا، فهي تُنفق على أدوية شهرية تحتاجها على الدوام لعلاج التهابات الحبال الصوتية المزمنة حوالي 20 دينارًا، ومن ثم تقرّر كيفية الإنفاق على الأكل والشرب فيما تبّقى.

قبل أيام، حدث مكروه من النوع الذي يتطلب مصروفًا لم يتوقعه أحد، فقد كُسر كتف ابنها، وصاح من شدة الألم في ذلك المساء. لا مال في البيت، لذا، طلبت منه أن يصبر على الألم حتى الصباح. كنّ قليلًا ثم عاد يصيح من الألم، «قلت له روح ع السوبرماركت»، ليحاول الاستدانة من صاحبه، فأخذ ثمن صورة الأشعة في المركز الصحي الخاص القريب من بيتهم.

تقول سهر «هذا غير اللي بيجيكي فجأة (..) قبل فترة، صار معي تمزق بإجري، ولهسا، بس أنا مش مهتمة للوجع. بتكلّف، علاجات، غير [إنه] بدي أنام بالفراش ممنوع أقوم (..) رحت على دكتور بيقول لي معاكِ تمزّق، وما ضليت مستمرة، طنّشت».

في مثل هذه الظروف، تضطر سهر للاستدانة ومن ثم السداد فيما بعد. هذه المرة من صاحب السوبرماركت، وفي مرة سابقة، أخذت قرضًا من صندوق المرأة الذي نصحتها صديقاتها باللجوء إليه، فكان عليها أن تدفع قسط مدرسة ابنها واشتراك الباص. انتهت من تسديد ذاك القرض، مستعينةً بمهارتها الأخرى في تصوير الحفلات، والتي تدر عليها دخلًا لا بأس به في فصل الصيف حصرًا، حين تكثر الأعراس والمناسبات.

لا تزال مدينة لمدرسة ابنها في الوقت الحالي، وقد بحثت في فصل الشتاء الفائت عن عمل إضافي آخر بلا جدوى، فما بقي أمامها سوى انتظار فصل الصيف على أحر من الجمر.  

يأخذ ابنها صباحًا 30 قرشًا مصروفًا لمدرسته، ولكنه يشعر أحيانًا بأن أمه لا تملك ما تعطيه، فيذهب بدون أن يطلب مصروفه. تقول سهر أن ابنها يقدّر ظروفها أحيانًا، ولكنه يتناسى ذلك أحيانًا أخرى، فيُكثر من طلباته. «بيضله يزن عليّ بده كمبيوتر، بقوله بعدين بعدين بعدين. مرات بيحلم أنه يشتري بسكليتة يلعب عليها، أنا ما بقدر. والله ما بعرف قديش حقه، ما سعّرته (..) في إشي أبدى منه».

كيف تخفّف من وطأة هذا الهم؟ توّقفت عن التفكير، وتشغل بالها طيلة النهار بالنظر إلى الهاتف واللعب عليه، وحينما يبلغ همها ذروته، تجد في الصراخ مخرجًا أو في السجود في وضح النهار في الشارع كما فعلت ذات مرة، وظنّها المارة فقدت وعيها، فأبعدتهم وطلبت أن يتركوها ساجدةً تناجي ربها بحرارة.

ليست مشتركة في الضمان الاجتماعي، على الرغم من أنه إجباري، حتى لا يتم خصم قرش إضافي واحد من الراتب، وتعي بأن تعبها هذا الذي لا يعرف عيدًا ولا إجازة سنوية لن يدخر لها شيئًا في شيخوختها، فتتكّل على «ربّك وابني» لتلك المرحلة من عمرها، أو على الأقل هكذا تحل المسألة الآن.

أخبرت رب العمل أنها تتوقع الحصول على أجر إضافي هذا الشهر، بعد أن رفعت الحكومة الحد الأدنى، ولكن ما من مجيب. تستحلفك بالله ألا تستشهد بالقانون وأنت تحدّثها عن استحالة تملص رب عمل من حقوقها المكفولة بالقانون، فأين مفتشو العمل الذين ما وطأوا المبنى الذي تعمل فيه ليسألوا لماذا تعمل 365 يومًا في السنة؟

لا رحلة مدرسية سوى بقرض 

لم تكن مرام لتقبل بوظيفة في متجر في مادبا، تتطلب دوامًا يوميًا، حتى أيام الجمعة، من الساعة التاسعة وحتى الساعة الخامسة والنصف مقابل 150 دينارًا، لو لم يُقتطع كل راتب زوجها العسكري، الذي يبلغ 400 دينارًا، فور وروده إلى البنك.

هذا الراتب الأساسي للبيت لا يصل إلى البيت كما هو، بل يُقتطع منه قرض للإسكان، وقرض لمشروع كان يُرجى منه الخير ولكنه فشل، وقروض صغيرة أخرى هي مجرد سداد أثمان شاشات وأجهزة كهربائية وما شابه لم يستخدموها يومًا، بل اشتراها زوجها يوم تُسدّ الطرق في وجهه بالتقسيط بدون دفعة أولى لبيعها و«تكييش» ثمنها، فتقول «لما بده يتضايق، من وين بده يروح يجيب؟».

لم يتوّقف زوجها عن شراء هذه الحاجيات وبيعها، فهو على وشك أن يجد ما يشتريه ليبيعه بالطريقة ذاتها بعد أن وصلت مرام رسالة من المشرفة على قروض الأونروا تبلغها بأنهم رفعوا اسمها للإجراءات القانونية، إذ لم تسدّد قرضًا آخرًا كانت قد أخذته بقيمة 500 دينارًا من الأونروا في العيد الفائت.

تقول مرام (32 عامًا) إن قرض الأونروا كان سببه أن «الثلاجة خربت، وما قدرت أسد مي وكهرباء. العيد والمي والكهرباء والثلاجة». إلى جانب حاجتها لدفع 45 دينارًا شهريًا للقرض، تدفع مرام، وهي أم لأربعة أطفال، 30 دينارًا لروضة ابنها الأصغر ذي الأربعة أعوام، وما بين 15 إلى 20 دينارًا للمواصلات، فتستقل السرفيس يوميًا بكلفة 60 قرشًا وأحيانًا التاكسي إن لم تجد الأول فيأخذ دينارًا واحدًا.

ثم تشرح أنها تقسم المصروف كما يلي «ولادي بدهم مصروف كل يوم عالمدرسة ربع دينار، بعدين بتركلهم دينارين يجيبوا حمص أو إشي هيك بس يروحوا، وبس أنا أروح بعطيهم كمان دينارين بيجيبوا كفتة، إشي هيك. هذا لما يكون في!».

تقول مرام «أي شي بيخرب بالبيت ما بيتزبط، حنفية المطبخ.. الثلاجة»، كما يبقى الكثير في نفوس أبنائها ممّا لا يستطيعون تلبيته، كتلك الرحلة المدرسية التي تريد ابنتها الذهاب إليها وتكلف ستة دنانير. دفعت ابنتها «من مصروفها تصور الورقة [نموذج الموافقة من ولي الأمر] المعلمة بتقول لها روحي اشحدي ع باب الجامع وجيبي عشان تروحي الرحلة»، الأمر الذي استهجنته مرام من المعلمة وجعلها ترغب في الذهاب للمدرسة لرؤيتها، هذا إن تمكنّت من مغادرة عملها.

وسط هذا كله، بقي أمل وحيد، إذا تمكن والدها من تدبير المبلغ لسداد القرض، قد يزيد بحوزته ستة دنانير لتأمين مصاريف الرحلة. عدا ذلك، «مستحيل!».

التعليم ينتظر تقاعد الأخ

تعمل رانيا، (33 عامًا) في متجر صغير في ناعور منذ سبع سنوات. ورغم أن راتبها قد ارتفع من 150 دينارًا في بداية عملها إلى 175 دينارًا اليوم، إلا أنه لم يصل بعد للحد الأدنى القديم، ولا أحد يعلم إن كان سيواكب التعديلات الأخيرة.

لم تكمل رانيا دراستها لأسباب مادية، ثم عملت في صالون تصفيف شعر نسائي، ومصنع وحضانة. وظيفتها في المصنع تكاد تكون الأفضل برأيها، حيث كانت تتقاضى فيه راتبًا أساسيًا إضافة إلى العمولة، فيتراوح ما بين 200 و300 دينارًا، إلا أنه نُقل إلى سحاب، فاضطرت إلى الانتقال لعمل آخر مراعاةً لتقاليد تحسب حسابًا للمسافة التي يبعدها مكان العمل عن منزل العائلة في أم البساتين.

في الوقت الحالي، تدفع رانيا، التي تعمل ستة أيّام في الأسبوع، 80 دينارًا تقريبًا للمواصلات شهريًا، حيث تستقل السرفيس وتدفع ما بين دينارين وثلاثة دنانير يوميًا. ثم تفصّل بقية المصاريف فتقول «يوميًا خبز بنص دينار للأهل حتى الجمعة. يوميًا [في أيام العمل] دينار مصروف، هي 26 دينار، إذا مش أكثر (..) بنجيب الفطور، بدينارين أنا دينار هي دينار [مشيرة إلى صديقتها التي تعمل في المتجر المجاور]، ونص قهوة، وربع دينار، قهوة وشاي، و35 للمي، بيطلعوا كثير. تقريبًا دينارين مصروف، هي 150 دينار. بيظل 25 دينار بجيب فيهم أغراض للبيت فواكه وخضرة».

تعطيها والدتها مالًا تحصل عليه هي من أخوتها الذكور لتشتري الملابس، ومن ثم تحاول هي أن تشترك في جمعيات لتسدّد ثمن هذه الألبسة لاحقًا لأمها. بالكاد تشتكي رانيا من ضيق ذات اليد، فهي تقول أنها من «النوع اللي خلص الإشي الموجود أكتفي فيه، لأنه ما في». بيد أن راتبها يبقى غير مريح، فتقول «بدي زيادة للراتب لأنه أنا مضغوطة هيك (..) هي والدتي بتعطيني مصروف اللبس، طب ليش ما أشتري مني؟».

كما تحلم رانيا باستكمال دراستها مجددًا، فهي «أهم شي ببالي»، وتخطّط لأخذ قرض للدراسة بعد أن يتقاعد أخوها، فتقول «قاعدة أستنى لأخوي يتقاعد مشان ياخذني ويجيبني، بوفّر مصاري المواصلات للقرض».  

* جميع الأسماء الواردة في هذا التقرير مستعارة بناءً على طلب صاحباتها.

  • س.

    مع إقراري بالتدني المعيب في دخول النساء الثلاث اللائي عرضت المقالة حالاتهن، إلا أنني أميل إلى أن أدين أيضاً سلوكهن الإنفاقي الذي تعوزه الحصافة و حسن التقدير. إن الحد من الفقر بالتشريعات و الرقابة و فرض القانون واجب الدولة: هذا لا جدال فيه. و لكن أكثر الفقراء الذين وقفت على حكاياتهم مسؤولون إلى حد ما عن سوء أحوالهم أو هم يزيدونها سوءاً بخيارات غير مجدية في مثل حالهم:
    استفزني كثيراً إرسال امرأة تعمل بوظائف متعددة تتقاضى عنها أجوراً بائسة ولدها (الوحيد) إلى مدرسة خاصة تلتهم شطراً لا بأس به من دخلها المتداعي. و الاعتبارات التي ساقتها غير مقنعة: نوعية التعليم في المدارس الحكومية (و يبدو أن في وسع هذه العائلة استخدام مدارس الوكالة أيضاً) ليست سيئة على الإطلاق، و ما أكثر النايغين الذين تغلبوا باجتهادهم على عقبات الفقر.. المشكلة أن الجميع يريد الالتحاق بالتعليم الجامعي (و لهذا أسبابه المتعلقة بسياسات الدولة، و سوق العمل، و ضعف التعليم المهني، و الثقافة السائدة إلخ.) – بصرف النظر عما إذا كانوا مستحقين (أعني القدرات الذهنية – لا أقصد استحقاقات و لا مكرمات و لا تفضيلات أو استثناءات من أي نوع).. يمكن لتلك السيدة بشيء من الوعي إفهام الولد بما يصح و ما لا يصح.. إنها لكارثة إذا كانت الأم تحسب أن ولدها لا يستطيع أن يحمي نفسه من أقرانه و من السوء إلا إذا حبسته في فقاعة المدرسة الخاصة (التي ليست بالجودة و التعقيم الذي تأمل على كل حال). تفقدي صحة ابنك كل صباح قبل ذهابه إلى المدرسة و لن تقلقي على ما إذا كانوا سيتصلون بك إذا مرض فجأة في المدرسة.. أستغرب هذا القرار الاستهلاكي كثيراً في بيت لا يجد ما يدفع به أتعاب الطبيب و العلاج عند حدوث طارئ ككسر في الكتف! عسى أن يقدر ولدها كل هذه التضحيات و ألا يكون جاحداً مستشعراً و حسب الفوارق بينه و بين أترابه، و لا سيما و أمه تعول عليه لشيخوختها التي ستكون بلا ضمان اجتماعي (إكراماً لعيون المدارس الخاصة – التي ليست للأغنياء فقط)..
    الثانية أنكى لأنها تنجب أربعة أطفال.. مع هكذا دخل ما كنت لأطمئن على لقمة غدي ناهيك عن إنجاب الأطفال بالجملة (و الإنجاب بالمناسبة كلمة تفترض أن الولد نجيب – أنجبت المرأة أي جاءت بمن أعقمت النساء أن يلدن مثله) و المرجح أن هذا لن يتحقق مع كثافة سكانية كهذه و شروط حياة محرومة و محدودة الفرص و الأفق إلى هذا الحد..
    الثالثة تنفق راتبها المتواضع على تناول الإفطار و الشاي و القهوة في العمل.. إن عجبي لا ينتهي من هؤلاء الذين ينفقون بأعلى و أكثر ترفاً مما تسمح به مداخيلهم.. هؤلاء الذين يصرون على مجاراة أنماط استهلاكية للطبقة الوسطى (أو طبقة تملك أن تشتري ثياباً على أي حال)! أعرف من يتقاضون أضعاف هذا الراتب و يحضرون شطيرتهم و زجاجة الماء من المنزل.
    دون التوسع في انتقاد كل حالة.. أتمنى على حبر، مع ما عهد عنها من الموضوعية و الرصانة، أن تعد دراسة استقصائية عن الكيفية التي بها يساهم الفقراء في إدامة فقرهم و تعميقه.. إذا كانت هذه الفرضية خاطئة و متحاملة و لئيمة فسيهمني كثيراً أن أستمع إلى نقيض هذا الطرح و مسوغاته.. لا يحتاج الأمر إلى دراسات معمقة و تحليلات بنيوية ليدرك مواطن العلة في أسلوب حياة السابق ذكرهن.. و المبررات موجودة دائماً (ما دمت لا أستطيع شراء سيارة (بيت… املأ الفراغ بما شئت) فلأستمتع على الأقل بالطعام الجاهز أو الهاتف الخلوي الحديث أو التدخين).. لا أقول هنا أن على الفقراء أن يعيشوا كالرهبان و الزهاد و النساك.. بلا متعة و لا نزوات استهلاكية صغيرة.. و لكن الإصرار على ما يعد ترفاً حتى عند المقتدرين (كالمدارس الخاصة) في وقت تفرغ فيه الجيوب من ثمن علاج رخيص (دعنا لا نتحدث عن تكلفة عملية كبرى ربما يحتاج إليها – لا قدر الله – وحيد السيدة و ذخرها للشيخوخة) فإن هذا يغدو ضرباً من التفريط و أوشك أن أقول السفه!
    ثمة حكايات كثيرة انتشل الفقراء فيها أنفسهم من الفقر بتعاملهم مع دخلهم و أسلوب حياتهم على نحو أكثر وعياً و مسؤولية..
    قبل أن أنهي: ربما يكون رد الفعل الأولي عىلى ما كتب أعلاه الحكم على كاتبه أو كاتبته بأنه شخص طبقي بغيض و رأسمالي شرير يكره الفقراء و يدافع عن الحكومة.. أؤكد لكم أن الأمر ليس كذلك 🙂