عن «المكياج» وصناعة الشكل «الصح»

الأربعاء 21 شباط 2018

نداء: «ما تطلعي من دون قناعك»

«هذا الوش بِنكَشِف بس على أهلي: ماما وبابا وإخواني. ما بحب يكون في ناس تانيين يشوفوه هيك Bare [خالٍ] من غير ولا إشي عليه».

تحكي نداء (25 سنة) عن حالة التوتر التي مرت بها مؤخرًا عندما حضرت عمتها المقيمة خارج البلاد، في زيارة، وأقامت في منزل العائلة أسبوعًا، اضطرت خلاله إلى أن تغسل وجهها أمامها.

نداء، التي تعمل مهندسة كهرباء، وتحضّر لدرجة الماجستير، اعتادت منذ دخولها الجامعة وضع مكياج كامل في كل مرة تخرج فيها من المنزل، أو تستقبل ضيوفًا. وبمرور الوقت، صار هذا جزءًا أساسيًا من طلّتها، إذ سرعان ما أصبحت، كما تقول، متعلقة بفكرة أنها تريد أن تكون «بنفس درجة الجمال» في كل مرة يراها الآخرون. وهذا أدى، في النهاية، إلى أن أحدًا من خارج الدائرة الضيقة لعائلتها الصغيرة، لم يعد يراها من دون مكياج.

أثناء زيارة عمتها، تقول إنها حرصت على أن تظل محافظة على مظهرها «الحلو» أمامها، فكانت تجلس إلى نهاية السهرة بمكياجها الكامل. ما تسبب لها بعناء كبير، لأنها تكون أصلًا قد وضعته في الصباح الباكر قبل خروجها إلى العمل: «بشرتك بتصير دهنية بزيادة، وبتشعري فيها بتصرخ: اغسليني».

صمدت، كما تقول، أول يومين. وفي اليوم الثالث، لم يعد بإمكانها المقاومة أكثر: «فرطت الأمور، وخَلَصْ مسحت، وبيّنت آثار الحَبْ، وبيّنت البلاوي اللي تحت الميكاب».

مشاكل بشرتها، كما أخبرها أخصائيو «جلدية» راجعتهم خلال السنوات الماضية، يزيدها سوءًا استخدامها الكثيف للمكياج، الذي يبقى في الأيام العادية على وجهها 8 ساعات في المتوسط، تصل إلى 12 ساعة في الأيام الطويلة، عندما يكون لديها محاضرات بعد العمل. وهي أيام تستعد لها بوضع أكثر من طبقة من كريم الأساس والبودرة والمثبتات. وتفعل الأمر نفسه عندما يكون لديها زيارة لموقع خارج المكتب. حيث تصحب معها حقيبة مستحضراتها، ومنتصف النهار، تنتهز الفرصة للدخول إلى الحمام، وإصلاح مكياجها.

بدأت نداء وضع المكياج العام 2010، السنة التي دخلت فيها الجامعة. لكن علاقتها به سبقت هذا بسنوات كثيرة. لقد بدأت في طفولتها خلال سنوات التسعينات، عندما نشأت محاطة بنساء تشكل مساحيق التجميل جزءًا أساسيًا في حيواتهن، هن أمها وخالاتها الخمسة، اللواتي كنّ في تلك السنوات طالبات جامعة وشابات عاملات في عشرينياتهن.

تقول إنها تتذكر جيدًا من تلك الأيام، كيف كنّ يقارن بشكل دائم أنفسهن بنجمات التلفزيون آنذاك. وأكثر ما تتذكره هو هوسهن بـ«البياض»، وكيف كنّ يستخدمن دائمًا كريمات أساس أفتح بدرجة أو اثنتين من بشراتهن «الحنطية» ليصبحن أكثر بياضًا. حتى أن والدتها التي تديّنت بعدها، وكفّت عن وضع المكياج، لم تستطع أبدًا الاستغناء عن كريم الأساس هذا، وما زالت إلى الآن لا تخرج من دونه.

تقول نداء إنها فقط عندما كبرت، اكتشفت أنهن كن جميلات: «بتطلع على صورهم زمان بلاقي وجوهم جميلة، أجسامهم جميلة. بس دايمًا كان في هاي العقدة، عقدة البشرة البيضا».

لكنها تقول إن شغفها بمساحيق التجميل، ليس نتاج تأثير مشابه للإعلام عليها، بل هي رغبتها الذاتية في أن تكون جميلة، أمر لا ترى أبدًا أنه يتعارض مع إنجازها الأكاديمي والمهني. وتقول إن الحكم بتعارضه هو جزء من الصورة النمطية التي ترى أن الفتاة المهتمة بمستحضرات التجميل هي بالضرورة «خاوية وأسيرة النمط الاستهلاكي: «بقدر أقرأ لفوكو وأحط ميكاب في نفس الوقت»».

إضافة إلى ذلك، تقول نداء إن علاقتها بالمكياج تحوّلت، بمرور السنوات، إلى «شغف»، عندما صارت تتعامل معه بوصفه فنًّا اثبتت فيه براعتها: «مش بسهولة تزبطي رسمة عينك. مش بسهولة تحطي شي على وجهك، ويطلع أملس ما فيه تكتلات أو لمعته زيادة أو ناشف كثير. هذا فعلا بوّلد نوع من الشغف: إنو أنا بدي أكون أجمل، بدي أكوّن لوحتي الخاصة، بألواني الخاصة».

لكنها تعترف أن المكياج تحوّل مع الوقت إلى نظام حياة، بحيث لم يعد بإمكانها الاستغناء عنه، مهما كان الظرف: «بكون عندي مزاج كثير سيء، وأنا مو طايقة حتى أتطلع بالمراية، بس بضطر أجرّ حالي على المراية وأحط ميكاب. يعني مثل اليوم أنا رايحة على امتحان. إنت بتعرفي ضغط الامتحان كيف بكون. كل دقيقة محسوبة عليّ وبدي أراجع. بس أنا مضطرة أحط ميكاب. ما بقدر أروح على الامتحان من دون ما أحط ميكاب»، وتضيف: «المهم ما تطلعي من دون القناع تبعك».

هذا، كما تقول، تسبب، بمرور الوقت بإنهاك بشرتها، وتوسيع مسامها، وظهور البثور، إضافة إلى ظهور ما تقول إنه «علامات شيخوخة مبكرة»، إذ بدأت تلاحظ أن الخطوط في وجهها صارت أكثر عمقًا. والمفارقة هي أنها الآن مضطرة إلى استخدام المكياج، أكثر من أي وقت مضى، من أجل إخفاء هذه العيوب. وهذا ما ضيّق، مع الوقت، دائرة الناس «المسموح» لهم أن يروها من غير مساحيق، لأنها لا تريد لغيرهم أن يلمسوا الفرق: «الناس متعودين علي بشكل معين، إنو كيف بقدر إني أطلع بدون ميكاب؟ ما بقدر. هيك يعني رح يشوفوا الفرق».

وهي تصارحنا هنا، بأن أحد هواجسها هو ارتباطها بشريك المستقبل، الذي سيراها بالضرورة من دون مساحيق. وتقول إن ما يقلقها بالتحديد هو بشرتها التي تجعلها المساحيق صافية، أكثر بكثير مما هي في الواقع. وتقول إنها تستعد لهذه اللحظة بمحاولة الاعتناء ببشرتها، على أمل الوصول إلى مرحلة لا يعود هناك هذا الفرق الحالي بينها بالمكياج ومن دونه. لكنها تعرف أنه يجب أن يكون هناك الكثير من «التفاهم» و«الحب»، كي تصل إلى مرحلة «التخفيف» من المساحيق التي تضعها أمام من سترتبط له.

عالية: عندما تجعلك النساء في الإعلام «تحسّي حالك غلط»

عندما بدأت عالية (29 سنة) دراسة التصميم الجرافيكي في جامعة خاصة، كان عليها أن تكون في موقف باصات الجامعة في تمام السابعة إلا ربعًا صباحًا، كي تلحق محاضرة الساعة الثامنة. لكن كان يجب عليها، قبل ذلك، أن تضع مكياجها، المكون في العادة من كريم الأساس، بودرة، بْلشر، كحلة، آي لاينر، قلم حواجب، ظل عيون، ماسكارا وأحمر شفاه. كان ذلك يستغرق منها 40 دقيقة تقريبًا. لهذا كان يجب عليها أن تستيقظ مبكرة جدًّا. وفي الأيام التي لا تستيقظ فيها قبل الموعد بوقت كاف، كانت تحمل معها حقيبة المستحضرات إلى الجامعة: «أول ما أروح، بدون ما أشوف ولا حدا، على التواليت على طول، عشان المراية». تقول عالية إنها كانت تصل الساعة السابعة والثلث، إلى الحمام، وتبدأ بوضع المكياج وتنتهي منه في تمام الثامنة، موعد محاضرتها الأولى.

بدأت عالية استخدام المكياج بشكل «خفيف» عندما كانت في الرابعة عشرة تقريبًا، وكان هذا بداية الألفينات، الفترة التي بدأ فيها يتنامى انتشار أجهزة الساتلايت، وبدأ بالتالي انتشار الفضائيات، التي بدأت تطرح، كما تقول عالية، نموذجًا من النساء، كنّ جميعهن بمواصفات «المودلز». تقول عالية: «كنت أروح من المدرسة، وعلى السريع أفتح عليها، وأضل طول النهار عليها. كنت بس أقعد ألاحظ كيف حاطين الميكاب، كيف عاملين شعرهم، كيف لابسين».

في تلك الفترة، تقول إنها كانت تقارن بشكل مستمر بينها وبين هؤلاء النساء، لدرجة أنه تملّكتها رغبة شديدة بأن تجري عمليات تجميل تقرّبها إليهن: «الموضوع أكل راسي». لكن هذا لم يكن بالطبع متاحًا لها. لهذا اتّخذت وقتها قرارًا أنها ستفعل ذلك عندما تتخرج من الجامعة وتعمل وتدخر. فإضافة إلى أنها كانت متضايقة من فمها التي كانت تراه وقتها أكبر من اللازم: «كنت حاطّة ببالي أول ما أكبر رح أعمل أنفي عشان يكون أرفع. كنت متعقّدة منه. وكنت متعقّدة من عيوني إنهم طالعين لفوق. كان نفسي أنزلهم لتحت».

ما كان متاحًا لها في تلك السنوات هو المكياج «الخفيف» الذي سمحت لها عائلتها باستخدامه، ولم يتجاوز الآي لاينر والماسكارا وظل العيون. لكنها عندما دخلت الجامعة العام 2007، بدأت بشكل «رسمي» وضع المكياج، وهذا كان، كما تقول، حال الغالبية الساحقة من الطالبات هناك: «اللي ما كانت تحط كنت تحسّي إنو هذا إشي غريب».

ومع أن عالية تقول إن كثافة استخدامها للمكياج، هي أقل حدّة من صديقات لها يضعن رموشًا صناعية قبل خروجهن إلى العمل صباحًا، ومن أكبر التحديّات التي يمكن أن تواجههن هو أن يظهرن بوجوههن المغسولة أمام صديقاتهن، إلا أنها، مع ذلك، وصلت حدّا من الاعتماد على المستحضرات، بالتحديد كريم الأساس الذي يغطي البشرة، ويمنحها منظرًا بالغ الصفاء، إلى درجة أنها لم تعد تتعرف على نفسها من دونه: «صرت لما أغسل وجهي بالبيت ما أتحمّل حالي. أحس إنو مش أنا هاد، أو مش وجهي فعليًا».

وإضافة إلى ذلك، بدأت تعاني من ظهور بقع على وجهها، صارت تغطيها بمزيد من كريم الأساس. إلى أن قررت السنة الماضية أن تحصر وضعها للمكياج الكامل بالمناسبات. في حين تكتفي في الأيام العادية بمكياج «خفيف» لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة مستحضرات «أساسية» للشفاه والعيون والحواجب. وهي تلفت في هذا السياق إلى التحول الذي طرأ على ما يُعدّ «خفيفًا» و «أساسيًا» بين الماضي والحاضر. فهي تقارن بين عدد المستحضرات التي كانت تستخدمها والدتها في التسعينات لعمل مكياج كامل، ولم تكن تزيد وقتها عن ستة أو سبعة منتجات، في حين أن عدد المستحضرات التي تضعها فتاة، في الوقت الحالي، على وجهها للأمر ذاته يمكن أن يصل، في المرة الواحدة، إلى 30 مستحضرًا، للترطيب والتأسيس والتلوين وإخفاء العيوب والتثبيت والإضاءة وتحديد الملامح (contouring)، وغيرها.

بين الطفلة التي كانت قبل 15 سنة مأخوذة بنساء الفضائيات، والشابة التي تعمل الآن مصممة جرافيك، وما زالت إلى الآن منغمسة في مقاطع الفيديو التي تروّج لمستحضرات التجميل، وأساليب تطبيقها، المبثوثة عبر فيسبوك، انستغرام، وسناب شات، تقول عالية إنها تعود بذاكرتها إلى الوراء وتنتبه كيف كانت النساء آنذاك بمواصفات شبه موحدة «كنت بتتفرجي عليهم كلهم نفس الشكل. في اختلافات أكيد، بس كلهم كانوا نفس النظام: أنفهم بطريقة معينة، تمهم بطريقة معينة، عيونهم، خدودهم». إنه أمر، تقول عالية، إنه ما زال مستمرًا، ويضاف إليه، كما تقول «زيف» الكثير من معايير الجمال التي يُروَّج لها. فهي بوصفها مصممة جرافيك، تقول إنها تستطيع تمييز الصور التي خضعت للتعديل بواسطة تقنيات حديثة، وتعرف أن هذا حال معظم الصور ومقاطع الفيديو المبثوثة عبر وسائل الإعلام، والتي لا تمثل الأشكال الحقيقية لهؤلاء النساء.

لكنها تدرك أنها رغم ذلك ما زالت تتأثر بها، وإن كان بطريقة غير واعية: «صرت تشوفي صورة معينة، صرت تحسّي حالك غلط، إنو عندي هون حفرة، عندي هون خط. بتصيري تحسّي حالك إنك غريبة. أنا بفكر إني من الناس اللي ما بنساقوا ورا هاد الموضوع. بس فعليًّا بلاقي حالي منساقة وأنا مش حاسّة».