مسح جبل النظيف: دراسة حضرية عن أحد أكثر أحياء عمّان عشوائية

الخميس 25 حزيران 2015
جبل النظيف عمان

إن كنتم تسكنون أحد أحياء عمّان، هل فكرتم يومًا كيف بني حيّكم وما إذا تم التخطيط له، وكيف ينعكس ذلك على معالمه التي تمرّون عنها كل يوم؟

كثير من أحياء عمّان تبعث على الشعور بالعشوائية وسوء التنظيم، لكن قليلًا ما نفكر بالأسباب البنيوية لذلك الشعور، وأقل من ذلك ما تتم دراسة تلك الحالة علميًا وعلى الأرض. هذا ما وجدت فيه مؤسسة «أرني» بالشراكة مع المركز المجتمعي لمؤسسة «رواد التنمية» سؤالًا يجب الإجابة عليه، بدءًا من الحي الذي اتخذ نقطة البداية: جبل النظيف.

«مسح جبل النظيف»، هو دراسة منشورة مثلت مرحلة أولى من مشروع بدأ مع «أرني» -وهي مؤسسة خاصة غير ربحية للدراسات والأبحاث تقدم ورش عمل في العمارة، والمدنية، والفن، والتصميم- بهدف دراسة، ثم تحسين وتطوير المنطقة. سعى المسح لتوفير أساس مدروس للمنطقة بمعالمها ومشاكلها، ليكون قاعدة جيدة للتحسينات والتطويرات الحضرية فيها.

مخيم غير معترف به

arini mapping jabal al natheef

جبل النظيف الواقع شرق عمان هو أحد أحياء راس العين الأربعة، سكنه الناس لمرور سيل الزرقاء فيه وبقوا بعد جفافه. غالبية السكان فلسطينيون لجؤوا عام 1948، ولكنه لم يسجل كمخيم رسمي وقتها، بعكس مخيم الوحدات الذي سُجِّل رسميًا عام 1955م وأشرفت عليه وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفسطينيين (الأنروا). بقي معظم لاجئو المنطقة فيها لقربها من وسط المدينة، ونقاط مرور المواصلات العامة، فاستمر البناء بطريقة عشوائية دون إشراف الأونروا أو تدخل الحكومة، ليتكون ما بات يعرف بمخيم محمد أمين. تبعًا لذلك كان الاكتظاظ السكاني، وقلة الأمن، وانعدام البنية التحتية، وضيق الشوارع أو حتى انعدامها أحيانًا ووجود الممرات الصغيرة من أبرز سمات جبل النظيف.

مشروع جبل النظيف كان وليد شراكة بين «أرني» مركز «رواد التنمية»، وهو مؤسسة غير ربحية تعمل مع المجتمعات التي تسعى للتغلب على التهميش من خلال التعليم والبرامج الشبابية التطوعية وتنظيم العمل الأهلي. عن طريق متطوعي «روّاد»، تمكن فريق «أرني» من التواصل مع أهل المخيم ودخول بيوتهم والاستماع لقصصهم حول بيئة المنطقة.

بيوت ضيقة وشوارع أضيق

الكتاب الذي صدر عن هذه الدراسة غطّى منطقة جبل النظيف معماريًا، فوثَّق تخطيط البيوت المشمولة في عينة الدراسة، ومداخلها، وأسطحها، والمساحات التي يتفاعل فيها السكان اجتماعيًا. كما درست الممرات والمساحات العامة المتروكة بين البيوت، والمشاكل الناتجة عن عدم الاهتمام بها التي شكى منها السكان بشكل واضح.

لم تكن الدراسة التي نفذتها «أرني» معمارية فحسب، فكان لمقابلات السكان وأصحاب البيوت نصيب من الكتاب أيضًا. من نتائج المسح الملفتة هو أن مساحة غرفة الضيوف تشكل الربع من كامل مساحة البيوت، مع أن المساحة الكلية للمنزل بالكاد تكفي سكانها من العيش بخصوصية وأريحية؛ لأهمية الضيافة وتمثيل أصحاب المنزل في المجتمع. الرسم أدناه يعرض بعض أبرز نتائج الدراسة التي أجريت على عينة عشوائية من 72 شخصًا من سكان المنطقة.

Jabal Alnadeef-01 (1)

مشروع جبل النظيف ككل يهدف، حسبما جاء في الدراسة، لتمكين المجتمع الذي لا يملك أغلبيته ملكية سكنهم، وتنشيط اقتصاد جبل النظيف، وإيجاد طرق مبدعة لتحويل البيئة المبنية وترويج الاستدامة طويلة الأمد، وإعادة تحديد واستخدام البنية التحتية كطريقة لتطوير المنطقة كالمشاكل المدنية الصحية، وإدارة النفايات، وإضاءة الشوارع، والظروف المنزلية، ومحيط الشوارع.

معظم من تمت مقابلتهم من السكان لم يشكوا من منازلهم، بل شكوا بشكل رئيسي من ضيق المساحات بين البيوت. ولكم أن تتخيلوا ما سيحدث إن تعرض منزل وسط المخيم لانقطاع الماء، حريق، أو احتاج أحد أفراده وصول سيارة الإسعاف.

من أبرز المشاكل التي رصدتها الدراسة أيضًا انعدام الإضاءة الليلية، وتسريب المواسير المكسورة، وعدم وصول أشعة الشمس لتلك الممرات مسببة الرطوبة، تبعًا لذلك يواجه سكان الطوابق الأرضية مشاكل مع الجرذان. ومن جهة أخرى، كانت هذه الممرات مساحة بديلة للعب الأطفال بسبب انعدام المساحات المفتوحة لهم كالحدائق والملاعب.

الأسطح استُخدمت لخزانات الماء، ونشر الغسيل، وللتفاعل الاجتماعي أيضًا، فهي المكان الخارجي الوحيد المتوفر للنساء والأطفال. لكن تلك المساحات لا يتم الاستفادة منها أحيانًا لبنيتها غير الآمنة، كانعدام الأسوار حولها.

في خاتمة الدراسة، تتساءل المعمارية عهود كمال حول مستقبل المنطقة الحضري، بعد قرابة 70 عامًا على سكنه.

كأن مخيم محمد أمين ثغرة خلل في نسيج مدنية جبل النظيف. التفاف المباني بطريقة غير رسمية خالٍ من أي جهد معماري، أو تخطيطي، أو هندسي. طورت الحكومة استراتيجة ‘رفع اليد’ عن المنطقة دون تدخل وغياب مركز للشرطة، أو ترقيم للمباني، أو أي نوع من أنواع التنظيم حتى اخترقت أطراف معنية أخرى المنطقة وبادرت بمشاريع اجتماعية موجهة. بدأت الحكومة عندها بتوفير الخدمات وتوجيه مجموعة من التدخلات لزيادة نفاذية المخيم. رغم الفقر والظروف غير الصحية، يحب السكان المنطقة. بعضهم عبر عن روح المجتمع القوية التي أدى إليها التاريخ المشترك والقرب.

كيف تفاعل أهل الجبل مع متطوعين جاؤوا لدراسة حيهم؟

المختار وليد أبو عوّاد رحّب بوجود الباحثين لدراسة المنطقة، قائلًا إن وجود المعماريين وجمعهم المعلومات عن الجبل «يثلج صدور أهل الجبل ويشعرهم أن هناك أشخاص ناس تهتم بهم وتنقل صورة معاناتهم»، مشجعًا الطلاب والطالبات بالأخص على تكوين علاقات مع المجتمع المحلي.

بالنسبة للمتطوعين، اختلفت دوافع المشاركة في المشروع، لكنهم اتفقوا على فرادة التجربة الاجتماعية بالتفاعل مع قاطني المنطقة. «كانت تجربة اجتماعية مع أشخاص لا نراهم دومًا، لنتعرف عليهم وعلى البيئة من وجهة نظرهم. التجربة الاجتماعية كانت أهم بكثير من التجربة المعمارية»، يقول المتطوع من «أرني» محمد ناجي.

المعمارية هبة نجادة، إحدى مؤسسي «أرني»، أكدت عند سؤالنا عن سبب وجود جزء من الكتاب للحديث عن المقابلات مع السكان عوضًا عن جعله معماريًا بحتًا بأن «السبب الأساسي من المشروع أصلًا كان الناس».

عبد الله محفوظ، أحد متطوعي «رواد» من سكان جبل النظيف، عبر عن كون مشاركته في الدراسة جزءًا من العمل مع محيطه المحلي نحو تحسين بيئة المنطقة التي يسكنونها. «الكثير من الناس يسكنون هنا منذ وقت طويل ولم يحاول أحد أن يفتح لهم طريقًا أو يخلق لهم متنفسًا ويتحدث معهم ليرى ما الذي ينقصهم وما الذي يمكن تطويره في المنطقة».

بعض المتطوعين تحمس للعمل في مشاريع معمارية تستفيد منها مجموعة أكبر من الأشخاص عوضًا عن شخص أو عائلة واحدة فقط، وفقًا لما قالته المعمارية هديل محمد. «لم يكن مرضيًا أن أعمل على منتج بمعايير عالية يقتصر على ناس يستطيعون تحمل  تكلفته. كنت أود كمصممة أن يكون لي دور أكبر في بيئة الفضاء العام التي يستطيع كل الناس الاستفادة منها في حياتهم ويمرون بها كل يوم».

كمعمارية، تقول المتطوعة زينة الثوابتة إن دراسة الأحياء المبنية عن كثب أكثر إثارة من دراسة المساحات المخططة. «مسح الجبل أعطى لجيلي من المعماريين الفرصة للتفاعل مع جزء هام من تاريخ المدينة (..) سكان المخيم لديهم فهم عميق لواقعهم على نطاق المخيم و المدينة (..) دراسة المخيمات وغيرها من الأماكن المهمشة في المدينة واجب علينا كأكاديميين؛ لأن هذه الدراسات هي المفتاح لفهم الطبقات المتعددة لمدينة عمان».

المشروع الآن في مرحلته الثانية، ويعمل على مقابلة قادة المنطقة لدراسة التدخلات التطويرية الأهم والأشد إلحاحًا. الكتاب مجاني وتعطى نسخة منه لمن يطلب. يمكنكم الاطلاع على نسخة إلكترونية منه بالضغط هنا.