كليات الإعلام: مناهج بالية وتدريس تقليدي

الأحد 15 أيار 2016

هذا التقرير هو جزء ثانٍ من سلسلة من جزأين حول وضع كليات الإعلام في الأردن. لقراءة الجزء الأول، اضغط/ي هنا.

تشترط هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي في معايير تخصصات الصحافة والإعلام، توفير «مختبر للتحرير والإخراج الصحفي موصول بشبكة الإنترنت يحتوي على أجهزة حاسوب لا تقل عن 21 جهازًا مع ما يتطلبه من البرامج الحديثة للإخراج الصحفي والصوت والصورة، بالإضافة إلى مستلزمات التصوير والتسجيل».

وتلتزم الجامعات، وفقًا لمعايير الاعتماد الخاص للتخصصات الإنسانية، ومنها الإعلام، «بتخصيص مكتبة إعلامية توفر للطلبة إمكانية الإطلاع على الصحف والدوريات، قواعد البيانات، المواد السمعية والبصرية، المعاجم والموسوعات والمراجع اللازمة للتخصص. وتلتزم بتوفير الكتب على ألا يقل مجموع العناوين عن 300 عنوان في التخصص»، مع مراعاة توفير «عدد مناسب باللغات الأجنبية» و«10% من العناوين بإصدارات حديثة لآخر سنتين».

في الواقع، يعتمد طلاب الإعلام بشكل رئيسي على «كراسات» أو «دوسيهات» يجمعها المدرس من مصادر مختلفة، يشتريها الطلاب من مكتبات داخل الجامعة، يحفظها الطلاب ويمتحنون بها. غالبية المساقات نظرية وتعتمد في تقييم الطالب على الامتحانات النظرية بنسبة 70-90% من العلامة، بالإضافة إلى 10% على المشاركة و0-20% على الأبحاث. وفي المساقات التطبيقية يعتمد تقييم الطالب بنسبة 40-60% من علامة الطالب على الامتحانات النظرية والبقية على التطبيقات الإعلامية.  

وللوقوف على واقع المناهج التي تدرس في كليات الإعلام الأردنية، يراجع هذا التقرير عينة من مناهج كليتي الصحافة والإعلام بجامعتي اليرموك (الحكومية) والبترا (الخاصة). والعينة مكونة من 23 كراسة و3 كتب تدرس في 24 مساقا في كلا الجامعتين. وتشكل العينة قرابة 28% من 85 مساقا من متطلبات الكلية وتخصصي الصحافة والإذاعة والتلفزيون، الإجبارية والاختيارية، في الجامعتين. واعتمدت المراجعة أيضا على مقابلات شخصية مع ستة طلاب من الكليتين.

يوضح الرسم التباين بين وصف المساقات وأساليب تدريسها وتقييم الطالب في التوزيع بين النظري والتطبيقي:  

مصدر المعلومات

في عينة التقرير، بعض الكراسات التي تدرس في كلية الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك غير محدثة وتتضمن معلومات، مراجع ونماذج تعود لعشرات السنين. فمنها ما ليس لها تاريخ لكن أحدث مراجعها يعود إلى السبعينيات، وإن وجد تاريخ على غلاف بعضها الآخر فلا ذكر للمراجع أو المصادر ولا توثيق للمعلومات فيها. وفي إحدى الكراسات ورد التاريخ (2013-2014) على الغلاف في حين أن أحدث مراجعها يعود إلى الثمانينيات. وفي بعض المساقات تتكرر أسئلة الامتحانات لأعوام متتالية.

الكثير من الكراسات تعتمد على الترجمة الحرفية أو على النقل الحرفي من مناهج كليات إعلام عربية، وبخاصة مصرية.

وتركز إحدى كراسات قسم الصحافة في اليرموك، على الصحافة الورقية، التي اضمحلت بعد الأزمة الاقتصادية منذ عام 2008، ولا تذكر المواقع الالكترونية الإخبارية التي انتشرت بالمئات خلال السنوات العشر الأخيرة، وكذلك عشرات المحطات الإذاعية والتلفزيونية الأردنية الخاصة التي انطلقت بعد عام 2002.

وتشكو ثلاث طالبات إعلام حديثات التخرج من اليرموك، استطلعت آراؤهم في التقرير، من غياب القضايا الإعلامية الراهنة عن المساقات، سواء في الكراسات أو المحاضرات التي تقتصر على معلومات نظرية قديمة غير متصلة بسوق العمل.

وفي كلية الصحافة والإعلام في جامعة البترا، تقل الكراسات التي تتضمن نماذج أو أمثلة، وإن وجدت فتكون من مجتمعات بعيدة زمنيا وجغرافيا، مثل الدعاية الإعلامية في عهد النظام النازي بألمانيا. ولا يرد في الكراسة أي نموذج للدعاية في الإعلام الأردني الرسمي مثلا.

في المقابل، تستند كراسة «أخلاقيات الإعلام» في كلا الجامعتين على ميثاق شرف نقابة الصحفيين الأردنيين فقط، مع أنها غير محدثة منذ عام 2003 وهي مثار جدل بين الصحفيين لما فيها من قيود على حرية الإعلام. وتغيب عن الكراسة وعن المناقشات خلال المحاضرة النماذج الدولية المتنوعة في أخلاقيات الإعلام، وفقا لطلاب حديثي التخرج من كليتي الصحافة والإعلام في جامعتي اليرموك والبترا.

وفي حين يدرس مساق «الصحافة الإلكترونية» في اليرموك نظريا بتتبع تاريخ تطور الإنترنت وسمات الصحافة الالكترونية، يدرس مساق «الإعلام الرقمي» في البترا كمادة حاسوب أكثر منه إعلام، فمثلا، يتركز المساق على مهارات البحث على محرك غوغل.

وفي المساقات التي تدرس في أكثر من شعبة يظهر تضارب بين كراستي مدرسي نفس المادة، وفي بعض الحالات يكون الفارق جذريا. ووفقا لطلاب الجامعتين المستطلعة آراؤهم، تتفاوت جودة تدريس المساق بين مدرس وآخر، وتنتشر السمعة بين الطلاب فيتزاحمون على شعبة الأكفأ ويضطر الآخر إلى رفع علامات الطلاب لإغرائهم بالتسجيل في شعبته، أو تضطر إدارة القسم إلى إعلان الخطة الدراسية بوجود مساقات «غير محدد» اسم مدرسها.

أدناه آراء عدد من الأساتذة في كليات الإعلام بجامعات اليرموك وبترا والشرق الأوسط.

وفيما كان يمكن لمساق التدريب الميداني الإجباري (ست ساعات معتمدة وتعادل 90 ساعة أو الفصل الصيفي كاملًا) يقضيها الطالب في وسيلة إعلام يختارها، أن يكون فرصة للطالب ليتلقى تدريبا عمليا يوازن ثقل التعليم النظري في الجامعة. ساهم عدم تعاون العديد من وسائل الإعلام في توفير برامج تدريب فعالة للطلاب المتدربين إلى دفع إدارة كلية الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك مؤخرا إلى إصدار قرار بإلزامية تنفيذ التدريب في وسائل الإعلام التابعة لجامعة اليرموك، وهما إذاعة اليرموك وصحيفة اليرموك.

القرار لقي اعتراضات من طلاب عبروا عن رأيهم على صفحة للكلية على فيسبوك. كتبت الطالبة نور:

الفكرة من التدريب العملي، هي اكتشاف الواقع الحقيقي للعمل الاعلامي خارج «المدينة الفاضلة» الي بندرس فيها بالجامعة. هو حق للطلاب حتى يعرفوا كيف يشتغلوا بعيداً عن مناهج العصر الحجري. الطالب حقه يجرب ويتعلم بشيء عملي، يقدر من خلاله يعرف حاله شو بده ووين بده يكون.
من تجربتي كطالبة اعلام تخصص إذاعة وتلفزيون، ما اعتمدت على المناهج الي بناخدها في الجامعة، لأنها فعليا هي نظريات لا تطبق على أرض الواقع. كم طالب فعلياً بعرف يكتب خبر، يصور بالكاميرا، يمنتج، أو فاهم الشغل الحقيقي كيف بكون، وبنسأل حالنا الدكاكين الصحفية من وين بتطلع، وليه ما في فرص عمل للخريجين.
للأسف، اليرموك ما كانت هيك لكن الحالة الي واصله إلها الكلية محزنة، نحن بحاجة تغيير مناهج، عقليات، وأساليب منهجية، وشوية حرية. إزا طلاب الإعلام ما بعرفوا يعبروا عن مطالبهم، وحقهم في تعليم أفضل كيف بدنا نبني «سلطة رابعة» في المجتمع!

نائب عميد الكلية، د. خلف الطاهات، دافع عن القرار بأن 95% من طلاب الكلية من سكان إربد وبالتالي فإن المسافة بين الكلية ومؤسسات الإعلام في عمان كبيرة وتستهلك وقت وجهد الطالب، بالإضافة إلى صعوبة المتابعة ومراقبة جدية تدرب الطلاب في المؤسسات الإعلامية فالتجربة أثبتت أن التدريب غير جدي ولا يوجد خطط واضحة لدى المؤسسات الإعلامية لتدريب الطلاب. وسيتضمن التدريب في وسائل إعلام الكلية استقطاب مدربين من أصحاب الخبرة في سوق الإعلام ليقدموا التدريب في الكلية.

حاليًا، تضم كلية الصحافة والإعلام في اليرموك 554 طالب بكالوريوس و22 عضو هيئة تدريس في قسمي الصحافة والإذاعة والتلفزيون، بالإضافة إلى 652 طالبا و10 أعضاء هيئة تدريس في قسم العلاقات العامة والإعلان. وتضم كلية الصحافة والإعلام في البترا 409 طالب بكالوريوس و18 عضوا في الهيئة التدريسية. فيما يلتحق بكلية الإعلام في جامعة الشرق الأوسط 198 طالب بكالوريوس وعدد أعضاء الهيئة التدريسية 13 عضوا. هذا بالإضافة إلى نحو 500 طالب وطالبة في أقسام الإعلام في جامعات جدارا، الزرقاء وفيلادلفيا.

وتواصل كليات وأقسام الإعلام تخريج مئات الطلبة ممن حفظوا «كراسات» قديمة وغير مفيدة، وامتحنوا ونجحوا فيها. وينتقل قسم منهم إلى وسائل الإعلام ليصبحوا صحفيين أو إعلاميين، وهم بالكاد قرأوا كتابا أو مرجعا معمقا وحديثا في الإعلام. وهكذا، تتفاقم مشكلة ضعف مقدرات الصحفيين المتعلقة بالثقافة والمعرفة، التفكير النقدي والتحليل، الإبداع وحل المشكلات.