«ورّاقات» الملوخية في غور الصافي: «مليح منّا إنّا عايشين»

تصوير دلال سلامة

«ورّاقات» الملوخية في غور الصافي: «مليح منّا إنّا عايشين»

الثلاثاء 19 حزيران 2018

«حطّي اسمي حلا الملوخية»، قالت حلا محافظة (13 سنة)، ضاحكة، في نهاية لقائنا على الطريق السريع المحاذي لبلدة غور الصافي، في لواء الأغوار الجنوبية بمحافظة الكرك، حيث كانت تجلس مع ثلاث من قريباتها تحت «معرّش»، يقطفن أوراق الملوخية، ويعبئنها في أكياس، ويبعنها لأصحاب السيارات المارة، أو لـ«السياح»، كما أسمتهم حلا.

كانت عطلتها الصيفية قد بدأت قبلها بأسبوع، وكما تفعل كل عطلة، باشرت العمل، الذي يتحدّد بحسب الموسم، فتعمل شتاء في تلقيط وبيع البندورة والفلفل والباذنجان والفاصولياء، وصيفًا في الملوخية، والنقود التي تحصل عليها تقسمها بينها وعائلتها. ما ستدّخره هذا الصيف، قالت إنها ستنفقه على شراء مستلزمات المدرسة، للعام الدراسي القادم، من مريول وحقيبة وقرطاسية، ومصروف يومي.

كان منتصف نهار أحد أيام رمضان اللاهبة. الهواء ثقيل ومحمّل بالتراب وعوادم السيارات التي تقطع الطريق السريع. وتحت المعرش المبني من جذوع الشجر والمسقوف بالخيش وقطع البلاستيك، كانت تجلس إلى جانب حلا ابنتا خالتها، اللتان فضّلتا التعريف عن نفسيهما بأسماء أبنائهن، أم أحمد الخنازرة (42 سنة)، وأم محمد الخليفات (44 سنة). ومع الأخيرة ابنتها ولاء (22 سنة)، وابنها مراد (15 سنة). كان قد تبقى ست ساعات كي ينتهي يوم العمل الذي يستمر في الأيام العادية 14 ساعة، حيث يبدأ في الخامسة والنصف فجرًا، وينتهي مع مغيب الشمس، لكنه في رمضان ينخفض إلى 12 ساعة، عندما تنفضّ النساء الساعة السادسة، قبل أذان المغرب، كي يجهزن الإفطار لأسرهن. تشير حلا إلى لوح خشب مرمي على جانب الطريق وتقول: «شايفة هذا الخشب اللي بحدّك؟ إيدينا زي هيك، واقفة زي الخشب وبتورّق».

حلا محافظة

«التوريق»، هو عملية فصل أوراق الملوخية عن الأعواد، بلهجة أهل البلدة، التي يبلغ عدد سكانها 27 ألف نسمة، يشكلون 81% من سكان قضاء غور الصافي بحسب التعداد السكاني للعام 2015. وهي بذلك البلدة الأكبر، بين البلدات الخمس التي تشكل القضاء، وهي إضافة إلى غور الصافي: غور فيفا، المعمورة، السلماني والغويبة. والقضاء هو أحد أشدّ المناطق فقرًا في المملكة في كل مسوحات الفقر التي أنجزتها دائرة الإحصاءات العامة، ابتداء من العام 2002. في تلك السنة، كان في المرتبة 13 بين 20 جيب فقر، وذلك بنسبة فقر بلغت 34.3%. وفي العام 2010، وهي آخر سنة أعلنت فيها دائرة الإحصاءات العامة أرقامًا رسمية بهذا الخصوص، ارتفعت نسبة الفقر في القضاء إلى 61.9%، ليقفز بذلك إلى المرتبة الثالثة بين 27 جيب فقر في المملكة.

في هذه المنطقة، مهنة الزراعة هي مصدر الرزق الأساسي للأهالي، والنساء هن العمود الفقري لهذه المهنة. يعود المعرش الذي تجلس تحته المجموعة  إلى أم أحمد الخنازرة. وهو واحد من عشرات المعرشات على جانبي الطريق، تدير غالبيتها نساء. تعمل أم أحمد على مدار العام، في تلقيط وبيع الخضار، لتعيل أسرة مكونة من خمسة أبناء، أكبرهم في الثامنة عشرة، والصغير في الرابعة. زوجها عسكري متقاعد. اقترض قبل سبع سنوات بضمان راتبه التقاعدي ليعمروا منزلهم، ولم يعد يتبقى من هذا الراتب إلا 40 دينارًا. بالنسبة إليها، موسم الملوخية هو الأصعب: «البندورة والخضرة أسهل، بس عليك تلقطيها وتحطيها هون وتظلك قاعدة. بس الملوخية طول ما إنت قاعدة وإنت شغالة».

تذهب أم أحمد مع رفيقاتها فجرًا إلى مزارع الملوخية، فتشتري كل واحدة «خطّ» ملوخية، أو بتسمية أخرى «بربيش» ملوخية. والخط، أو«البربيش» هو وحدة القياس المستخدمة في المنطقة لحساب كمية المحصول؛ وهي تلك المزروعة على امتداد المسافة بين كل مفتاحين في خراطيم الري البلاستيكية الممدودة على الأرض، وتبلغ هذه المسافة 25 مترًا.

في حالة الملوخية، تكون الكمية في الخط الواحد 50 كيلوغرامًا في المتوسط، تنتج حوالي 17 كيلو ورق. لكن الكمية في الخط قد تزيد قليلًا أو تنقص بحسب كمية البذور التي يكون المزارع قد وضعها في الأرض، ما ينعكس بالتالي على كثافة المحصول. سعر الخطّ يختلف بحسب الوقت في الموسم، وبحسب كثافة الزرع. في ذلك اليوم، اشترينه بستة دنانير.

إذا لم تقم النساء بأنفسهن بعملية «حشّ» الملوخية في المزرعة، فإن الواحدة تدفع دينارًا لكل خطّ، أجرة عامل يقوم بذلك. ثم يحمّلنها في باص يتقاضى أجرته بحسب المسافة ما بين المزرعة والمعرش. في حالتهن، تقول أم أحمد إنهن دفعن دينارًا ونصف ذلك اليوم.

يختلف سعر الملوخية «المورّقة»، بحسب الوقت في الموسم الذي يمتد من بداية أيار (مايو) إلى بداية أيلول (سبتمبر). بداية الموسم، يصل سعرها إلى أربعة دنانير، لقلّة المعروض منها. لكن هذه تكون، بحسب أم أحمد، ملوخية «نفق»، الاسم الذي يطلقه أهل المنطقة على البيوت البلاستيكية، التي تزرع فيها الملوخية بداية آذار (مارس)، وتحمي المحصول من البرد. لكن طعمها يكون أقل جودة من الملوخية «الشمسية»، أي التي تزرع في الأرض المكشوفة، في موسمها الطبيعي أواسط نيسان (أبريل)، وتباع في الأسواق في حزيران (يونيو)، ويبلغ متوسط سعرها دينارًا ونصف للكيلو. وهي الأفضل للتنشيف، لجودة طعمها واعتدال سعرها.  تخزن أم أحمد مؤنتها من الملوخية الناشفة بالتدريج على امتداد الموسم، من الكميات التي لا تتمكن من بيعها في بعض الأيام بسبب تعنّت الشارين «اللي بنشّفوا الريق» بالمفاصلة، كما تقول، «راكبين سيارات هاي هاي، وبفاصلوا على نص ليرة وربع ليرة».

أم محمد خليفات

مراد خليفات

أختها أم محمد الخليفات بدأت العمل  في توريق الملوخية في رمضان. قبله كانت تعمل بالمياومة في «تعشيب» الملوخية، أي في إزالة الأعشاب الضارة في المزارع، حيث كانت تتقاضى ستة دنانير مقابل خمس ساعات عمل. لكنها تركت عملها ذلك لتنضم إلى شقيقتها أم أحمد: «كنا نسري على الستة، ونرجع على الـ11. بس ما كمّلت، قلت أرجع للشارع. هون بتظلي مقيّلة بمحلك، هناك بتظلي تتحركي. التوريق أسهل من التعشيب».

لدى أم محمد تسعة أبناء، أكبرهم عمره 22، والأصغر 4 سنوات. هي أيضًا معيل أساسي لأسرتها. زوجها كان يعمل في كسارة، وتعطل عن العمل قبل أربع سنوات، لخلافات مع أصحاب العمل. تقول إن عملها «في الشارع» مؤقت. فهي في كل عام عندما «تنزل» البندورة في مناطق الشفا، في الشوبك والطفيلة، تذهب مع العشرات، معظمهن نساء، للعمل في تلقيطها بأجرة 10 دنانير يوميًّا. ورغم بعد المسافة، إلا أنها تفضل ذلك العمل، لأن «اليوميّة» في غور الصافي لاتتجاوز 6 دنانير.

إلى جانب أم محمد كان يجلس ابنها مراد، الذي لم يكن يشارك في التوريق، لكن أمه كانت توجهه كي يقوم ليزن الملوخية في كل مرة يتوقف شخص للشراء. وردّا على سؤال لماذا لا يشارك في العمل، قالت أمه إنه فعل ذلك خلال اليومين الماضيين، «جمّع حق بنطلون العيد وقعد».

«صحينا على الدنيا وإحنا نزرع»

في مكان آخر من الشارع، كانت تجلس انتصار الحشوش (40 سنة)، التي كانت تعمل في توريق الملوخية، لكن بطريقة أخرى. انتصار «تتضمن» من سنوات قطعة أرض مساحتها 10 دونمات، وتزرعها على مدار العام بالمحاصيل المختلفة، مقابل نسبة هي ربع ناتج المحصول. وفق الاتفاق، يقدم صاحب الأرض المستلزمات من بذور وأسمدة ومبيدات، وهي تقوم بالعمل. ولأن الملوخية تحتاج، في المتوسط، إلى شهرين ليكتمل نموها، فإن الأرض تُزرع، في العادة، مرتين في الموسم.

انتصار أم لخمسة أبناء، تتراوح أعمارهم بين 18 و4 سنوات. تقول إن صحة زوجها لا تساعده كثيرًا على العمل، لكن «لما يصحلّه شغل بشتغل». لهذا تعتمد الأسرة عليها. أقامت انتصار عريشًا، أمام الأرض التي تزرعها، قبل ثلاث سنوات، بمساعدة ابنها الأكبر. وهي تبعد عن بيتها مسافة ساعة مشي تقريبًا. في الشتاء، عندما يكون الجو محتملًا، تمشي هذه المسافة. اما في الصيف، فهي تركب الباص، أو «أيام عيال الحلال بوقفولنا».

انتصار الحشوش

في المنطقة يحترم الباعة حدودهم، كما تقول، ولا أحد يتعدّى على معرشات الآخرين. من يفعل ذلك أحيانًا هي الحكومة، التي تزيل المعرشات عن جانب الطريق لأنها تتسبب بأزمة بسبب السيارات التي تقف للشراء، بحسب قولها، «مرّة جابوا جرافات وهدوّا المعرشات. بس ما ردّينا عليهم، وعاودنا عمرناهن مرة ثانية. هاي رزقتنا، وين بدنا نروح؟».

تنهي انتصار في الفترة ما بين السادسة صباحًا إلى السادسة مساءً «خطّ» ملوخية. وتجمّع كومة العيدان إلى جانب المعرش، لأصحاب المواشي الذين يمرّون لجمعها. تقول إن العمل يكون أسهل في غير رمضان، لأن قسمًا من أبنائها يرافقونها، ويساعدونها. أما في رمضان، فقد اضطرت للعمل وحيدة، لأن أبناءها لا يتحملون العمل وهم صيام في جو غور الصافي الحارق: «لما يكون إفطار بيجوا معي وبساعدوني. بنجيب سخّان شاي، وبنسوي أكل من الأرض».

«صحينا على الدنيا وإحنا نزرع»، تقول انتصار، التي بدأت العمل منذ سن المراهقة، فقد تركت المدرسة في الصف السابع، ونزلت بعدها بسنة لتعمل في الزراعة. كان هذا أواسط التسعينات. وكانت أول يومية حصلت عليها 3 دنانير. ثم ارتفع الأجر على مرّ السنوات، حتى وصلت أجرة عامل المياومة 6 دنانير.

قبل أن نلتقيها بيومين، كانت انتصار قد «حشّت» الدفعة الأخيرة من الملوخية، وزرعت الأرض بدورة ملوخية جديدة.  وإلى أن يحين موعد قطافها، اشترت ملوخية من المزارع، مدّتها فوق مفرش بلاستيك اتّضح أنه يافطة انتخابية لأحد مرشحي المنطقة. وإلى جانب المعرش، كان هناك يافطة أخرى.  تقول انتصار إنها لا تعرف من رماها هناك، لكن اليافطات كانت، على أي حال، مفيدة لها. أما النواب أنفسهم، فـ«حكي فاضي. هيّهم بمرّو وبشوفوا النسوان على الشارع. يلاقولهن حلّ».

تصوير دلال سلامة

الحلّ، وفقها، هو أسعار عادلة للخضار المزروعة في المنطقة. ولا يتعلق الأمر فقط بالمحاصيل التي كثيرًا ما تضربها موجات الحرّ، أو تصفرّ بسبب شحّ المياه، لأنه حتى عندما تسير الأمور كما يرام، وينجح الموسم، فإن مردوده لا يكاد يغطي الكفاف: «إحنا بنضيّع عمرنا بالزراعة، والزراعة ما بتجيب إشي معنا. يا دوب يصرف الواحد على حاله». وتضرب مثالًا على ذلك «بكسة» البندورة التي تسع 8 كيلو، وأحيانًا تُباع كلها للسوق المركزي بـ30 قرشًا، «بستغرب لما بسمع إنه الكيلو بنباع بعمان بنص دينار».

ومع ذلك، تقول إن وضع عائلتها أفضل بكثير من آخرين: «خُشّي جُوّة [البلد] وشوفي؛ ناس والله بتحزني عليهم. جارتي إمبارح بتقولي بناتها صايمات، وبتحلف ما في إشي تحطّه على الغاز».

 غرفة في العراء

يشكو مزارعو الملوخية الذين يورّدون إلى السوق المركزي بمرارة من تردّي الأسعار. محمد علي (48 سنة)، الذي يتضمن مزرعة مساحتها 20 دونمًا، اضطر قبل أيام من لقائنا به، إلى بيع كيلو الملوخية العيدان بثمانية قروش. وهو سعر يعني أنه سيكون مدينًا لـ«المعلّم»؛ أي مالك المزرعة المقيم في الكرك، لأن نسبة الربع المتفق عليها لن تغطّي المبالغ التي كان يسحبها منه لدفع أجور العمال، وللإنفاق على أسرته.

محمد مصري متزوج من أردنية. كان في السادسة عشرة عندما جاء إلى غور الصافي عام 1986، ليعمل في الزراعة. تزوج في عشرينياته من زوجته الأولى، المقيمة في مصر. ثم قبل 16 سنة تقريبًا، تزوج من الأردنية غادة الكايد (42 سنة)، وأنجب منها ولدًا عمره 15 سنة، وبنتًا عمرها 11 سنة، يعيشون جميعهم في غرفة متهالكة داخل المزرعة مساحتها 4 أمتار، ملحق بها مطبخ وحمام.

كما هي الحال في تعاقدات ضمان الأراضي، يوفر مالك المزرعة المستلزمات الزراعية، ويقدّم محمد وغادة جهدهما، حيث يستيقظان فجرًا، ويعملان في الزرع والتسميد والرش والتعشيب. ولأن المساحة كبيرة، فهما يضطران للاستعانة بأيد عاملة أخرى. وفق محمد، فإن من يعمل بالمياومة يداوم إلى الساعة الواحدة، ويأخذ أجره في كل الأحوال. أما من يتضمن الأرض، فهو من يعرّض نفسه لمخاطر الخسارة، كما حدث معه كثيرًا، آخرها هذا الموسم.

تنتج المزرعة، كما يقول، 30 طن ملوخية تقريبًا في الدورة الواحدة. بيع الكيلو بثمانية قروش، يعني بيع المحصول بـ2400 دينار. وبعد خصم أجور عمال المياومة، وعمال التحميل والتنزيل، وأجور النقل إلى عمان، وأجور السماسرة، والضرائب الحكومية المختلفة، فإن ما يتبقى من هذا المبلغ ربحًا صافيًا هو 720 دينار تقريبًا. نصيب محمد وغادة منها هو 180 دينارًا، هي ثمرة جهد شهرين. ولأن محمد سحب من المالك خلال هذين الشهرين أكثر من هذا المبلغ، لدفع أجور العمال، وللإنفاق على أسرته، فإن النتيجة هي أنه يصبح مديونًا لمالك المزرعة،  على أمل أن يسدّه في المحصول القادم، إذا كان الوضع أقلّ سوءًا.

بالنسبة إليه، الوضع المثالي هو أن يُباع المحصول بسعر يؤمن له دخلًا شهريًّا 300 دينار. ويقول إنه كان هناك أمل لتصريف المحصول، عن طريق تضمينه لواحد من تجار عمان، الذين يأتون أحيانًا ويتضمنون محاصيل عدّة مزارع، لكن تردّي أسعار الملوخية هذه السنة نفّرهم من ذلك.

تقول غادة إن تنشيف الملوخية وبيعها يمكن أن يشكّل مصدر دخل، ومنفذًا لتصريف الملوخية أيضًا، حيث يباع كيلو الملوخية الناشفة بحوالي خمسة دنانير. لكن تنشيف الملوخية يحتاج أولًا إلى مساحة واسعة تستوعب الكميات الكبيرة المطلوب تنشيفها، حيث يحتاج كيلو الناشفة إلى خمسة كيلو خضراء. أيضًا يجب أن يكون المكان بعيدًا عن التراب والأوساخ، وهذا غير متاح لها: «بدّك تبيعي الناس شغلة نظيفة، مش ملوخية البساس رايحة جاي عليها».  

يقول محمد إن الحال لم تكن بهذه الصعوبة من قبل. إنه يتذكر الفترة من منتصف الثمانينات، عندما جاء إلى الأردن، إلى التسعينات: «ما كان حد يخسر. الكل كان يستفيد، وأقل واحد كان يطلع ربح صافي 1000 أو 1500 من الموسم». بدأ تدهور الأوضاع، كما يقول، بعد العام 2000. وهو لا يفهم لماذا: «هاي سياسات ما أعرفش فيها». ما يعرفه، هو أنه لا مهرب: «مجبور أضلّ. حتهرب من هان وين بدك تروح؟ بالذات لما يكون معك عيلة».

ومع ذلك، أعدّ محمد وغادة، قبل سنتين، ما يمكن اعتباره خطّة للهرب في حال ساءت الأوضاع أكثر: بنى بيديه غرفة في أرض، مساحتها 200 متر، كان يعتقد وقتها أنها أرض حكومية، وذلك على أمل أن تُخصّص الأرض لاحقًا لغادة. يحصل هذا في المنطقة إذ يبني الناس على أراض مشاع على أمل أن تمنحهم الحكومة إياها في ما بعد، وذلك في إطار خطة حكومية، بدأتها سلطة وادي الأردن، منتصف الثمانينيات، لتخصيص وحدات سكنية لأبناء المنطقة. اتّضح بعد ذلك، كما يقول، أن الأرض ليست مشاعًا، بل تقع في ملك أحد أبناء البلدة الذي سامحه فيها.

الغرفة التي بناها محمد «لفّ»، أي من دون أعمدة، وليس فيها مطبخ أو حمام، ولا كهرباء ومياه. لكنه وغادة يشعران بالأمان لأنها موجودة، فهي مكان يمكنهم في حال «تهاوشنا مع المعلم» الانتقال إليه، بدلًا من أن ينتهيا مع طفليهما في العراء.

تصوير دلال سلامة

في غرفة المزرعة التي تسكنها العائلة حاليًّا، تقول غادة إن الجزء الأوسط من  السقف انهار قبل سنتين، ورمّمه زوجها بشكل بدائي ببعض الإسمنت. ومن يومها وهم مرعوبون من انهياره عليهم وهم نيام في الليل. لهذا ينامون ورؤوسهم ملاصقة للجدار، حتى إذا انهار السقف، يسقط على أرجلهم لا على رؤوسهم. لكن غادة تقول بامتنان إن «أصحاب المزرعة كويسين معنا، مقعدينا ببلاش، وما بوخذوا منا أجار».

أخباركم بعمّان: «اللي عنده مصاري زيادة بساوي إضرابات»

أُجريت هذه المقابلات، بعد أيام قليلة من انتهاء الاحتجاجات على مشروع قانون ضريبة الدخل. سألنا النساء عن انطباعاتهن عن الأمر، فتصدّت حلا للإجابة، وقالت بسخرية إنها أحيانًا تشاهد التلفزيون، «بنحطّ على أخباركم بعمان»، لكنها عندما رأت التظاهرات أغلقته مباشرة، لأن برأيها الذين خرجوا للتظاهر هم أصحاب الرواتب: «لو في راتب بنخلّي التلفزيون (…) هذا اللي عنده مصاري زيادة بساوي إضرابات».

لدى حلا هدف لأن تصبح من أصحاب الرواتب، فهي تنوي أن تنهي التوجيهي وتنضم إلى الأمن العام، كما فعلت العديدات من بنات بلدتها. هذه خطّتها، كما تقول، لبناء حياة يتحقق لها فيها حدّ أدنى من الأمان المادي الذي يوفره الراتب. من دون ذلك، هي تعرف أنها لن تخرج من دائرة الشقاء التي يعلق فيها أبناء مجتمعها: «الغوارنة من أول ما انخلقنا، الله وكيلكم، مسخوطين. إحنا أصلًا مليح منا إنّا عايشين، من كُثر ما انظلمنا».


تم إنتاج هذا التقرير بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان.