رأي

أبناء الشعب الواحد: ما لم تقله صور «الوحدة الوطنية»

الخميس 10 تشرين الثاني 2016
إحدى يافطات الحملة المشتركة بين جريدة الغد وأمانة عمان الكبرى في أحد شوارع المدينة.

أطلّت علينا صحيفة «الغد» اليومية منذ أيام بتعاونٍ مشتركٍ مع أمانة عمّان الكبرى، وأطلقت مبادرة «إحنا الشعب الواحد»، فانتشرت على دواوير عمّان العديد من اللافتات التي يَفترض من وضعها أنها تعزّز «الوحدة الوطنية» بين أبناء الشعب الواحد.

تجد من حولك صورة للشهيد الأردني معاذ الكساسبة، الذي قُتل على أيدي «داعش» في عام 2015، وأخرى للاعب أحمد أبو غوش الذي أحرز الميدالية الذهبية في الأولمبيات الأخيرة، وغيرهما. لكن مشاعر من يشاهد الصور لا تتحرّك بالاتجاه المطلوب.

أتذكرون مثال الراحل يعقوب زيادين ابن الكرك الذي نجح في القدس في انتخابات عام 1956؟ والأمثلة عن المناضلين السياسيين الذين اختلفت أصولهم ومنابتهم والتقوا في سجن الجفر في الخمسينيات من القرن الماضي أيضًا؟ أتذكرون القصص التي تجدها حين تنبّش بين أكوام القصص المدفونة عن الفدائي الشرق الأردني والعسكري الفلسطيني؟ أتذكرون الصورة الأكثر رواجًا في الأعوام الأخيرة للكنيسة التي لا زالت موجودة بجانب الجامع؟

كلها أمثلة استهلكت، وكنت للأمانة ممّن استهلك بعضًا منها لغايات تكريس الوحدة الوطنية وتطهير الذاكرة من الروايات غير الدقيقة لأحداث هامة في تاريخنا المعاصر، تؤسس لكراهية تتوارثها أجيال من الأردنيين. ولكن صديقًا حكيمًا استوقفني ذات يوم وأخبرني أن البحث عن هذه القصص وإظهارها في الإعلام أمر جميل، يحلو لمن يحب أن يقرأ للترف، ولكنه لا يغيّر شيئًا في مفاهيم الناس التي تتشكّل فعليًا في ضوء مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية اليومية. وأحسب أن رأيه يحتمل الصواب في جزءٍ كبيرٍ من المسألة.

لو كانت الصحيفة، والعقل المفكّر خلف هذه المبادرة، جادّين في التصدي لأعداء «الوحدة الوطنية»، فليوّجهوا المبادرة إلى من يهدم كل أساس للوحدة الوطنية ويبقي الوضع القائم على ما هو عليه.

لذا، فإن هذه الصور المنشورة لن تؤثر في شريحة واسعة من الناس بما يخدم الهدف المعلن منها، إلى جانب كونها خالية من المضمون. تجد مثل هذه الصور، برأيي، صداها لدى مجموعة من الناس الذين يعتبرون أن وحدتنا الوطنية متينة، وديمقراطيتنا مكتملة منذ صدور الميثاق الوطني في عام 1992، والأجندة الوطنية، وإعلان شعاري الأردن أولًا، وكلنا الأردن. ولم تأتِ هذه الصور إلا للتأكيد على حقيقةٍ راسخةٍ في أذهانهم إما لأنهم لا يحتكّون بالناس بالشكل الكافي، أو لأنهم مستفيدون من الوضع القائم الذي يضرب بالكفاءة والعدالة عرض الحائط لأجل تعزيز الهويات المتناحرة. أي أن ما أُنفق على المبادرة كأنما أُنفق على إنشاء ما هو قائم بالفعل، متوجهًا لمن لا يحتاجون سماعه.

لو كانت الصحيفة، والعقل المفكّر خلف هذه المبادرة، جادّين في التصدي لأعداء «الوحدة الوطنية»، الساعين للنيل من الحصن المنيع، وكل ما يتبع ذلك من عبارات حفظناها عن ظهر قلب في حصص تعبير الصف الخامس الابتدائي، فليوّجهوا المبادرة إلى من يهدم كل أساس للوحدة الوطنية ويبقي الوضع القائم على ما هو عليه.

فلنصوّر وضع الوحدة الوطنية كما هو، كما يُدار خلف الكواليس وأمام مكاتب المؤسسات العامة والخاصة على حدٍ سواء، كما هو في الأعمدة اليومية في الصحف المحسوبة على الحكومة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي.  

فلتكُن هناك، مثلًا، صورة على دوار لقاتل، وليكُن إلى جانبه من يسأله عند إصدار الحكم «هل أنت أردني بالفعل أم ابن أردنية؟». ولتكُن هناك صورة لمؤسسة حكومية، يسأل فيها الموظف المراجع عن بلدته الأصلية دون أن يكون لها علاقة بموضوع المعاملة. ولتكُن هناك صورة لمسؤول التوظيف في شركة كبرى وهو يفلتر الطلبات حسب الأسماء الأخيرة.

وفي صورةٍ أخرى، فليظهر رافضو تعديل قانون الانتخاب، وهم يخاطبون المرأة الشركسية والمسيحية ويقولون لها إنه لا يمكن لها الترشح وفي قائمتها رجل مسيحي أو شركسي، ومن ثم يلتفتون لبدو الوسط ويذكّرونهم بالموقع الذي يُسمح لهم الترشح فيه.

ولتكُن هناك صورة لشرطي يصّر ألا يحرّر مخالفة لسائق لمجرد إعجابه باسمه الأخير على الرغم من رجاء السائق للشرطي بالالتزام بالقانون وتحرير المخالفة. وليكُن هناك صورة لكاتب نشر رأيه واعتبر كثيرون دمه حلالًا، ولنقُل لكل هؤلاء والكثيرين غيرهم أنهم «أعداء الوحدة الوطنية».

بالطبع، لا أحد يريد المخاطرة بوضع مثل هذه اللافتات في العلن. فلنعلّق صورًا أخرى أسلم، ولندفن رأسنا في الرمال لعقدٍ آخرٍ، ولنرى أي صور ستعلّق في الشوارع بحلول العام 2025!