تدوينة

اندماج في اتجاه واحد؟ تجربة في مدارس الدمج الألمانية

الإثنين 26 تشرين الثاني 2018
لاجئون يحضرون دورة لغة ألمانية في مبنى خُصص مؤقتًا للاجئين في برلين، آب 2015. تصوير توبياس شوارتز، أ ف ب، جيتي إيمجز.

في أيلول/سبتمبر الماضي، كنت في منحة إقامة في بيت الكاتب الألماني هاينريش بول في مدينة كولونيا. هناك، التقيت بوزير الخارجية آنذاك زيغمار غابرييل خلال زيارته للمكان والكتاب المقيمين فيه، ودار حديث طويل حول سياسات ألمانيا في المنطقة العربية، وعن اندماج اللاجئين في ألمانيا. سرد غابرييل كيف استصعب التعامل مع عائلة سورية كان قد اصطحبها معه خلال زيارة للزعتري لتقطن في بيته. ومع أن كلامه لم يكن جارحًا وتناول قضايا مهمة عن أهمية تقبلهم لقوانين وعادات ألمانية، إلّا أنه تطرّق أيضًا في حديثه عن الصعوبات إلى عاداتهم التي لا تتعارض مع القانون ولا تؤثر على التواصل أو التعامل الإنساني معهم. هذا الموقف دفعني للتساؤل: لماذا لا تحاول أنت أيضًا أن تندمج مع عاداتهم التي تخصهم وتؤثر عليهم وحدهم؟

غابرييل، الذي عمل في التدريس، تحدث عن أن المدارس مرحلة مهمة تخفف من تعميم الأحكام المسبقة وتردم فجوات عديدة مع الآخر أساسها الجهل. في ألمانيا التي يشكل مجتمعها خليطًا من توجهات سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة ومتناقضة أحيانًا، يشكل الطلاب الأجانب ما نسبته 10.7% من كل الطلاب. في ضوء هذه النسبة غير البسيطة، لماذا يستمر الخطاب الإعلامي الألماني بالحديث عن الاندماج بوصفه إعادة قولبة للطالب المهاجر/اللاجئ ليصبح على شاكلة «الألماني»، وهي صورة موحّدة غير موجودة أصلًا؟ 

بعد انتهاء منحتي في بيت هاينريش بول، قدمت كغيري طلب لجوء في ألمانيا، نظرًا للأوضاع القائمة في سوريا، وإلى أن الأردن، الذي سكنت فيه قرابة الأربعة أعوام بنيت خلالها حياة كاملة من أصدقاء وعمل وإنتاج رغم صعوبة الأوضاع فيه، ختم جواز سفري بعدم السماح بالعودة إليه.

لماذا يستمر الخطاب الإعلامي الألماني بالحديث عن الاندماج بوصفه إعادة قولبة للطالب المهاجر/اللاجئ ليصبح على شاكلة «الألماني»، وهي صورة موحّدة غير موجودة أصلًا؟ 

في إحدى بلدات شمال الراين، بدأتُ دورة الاندماج، وهي دورة يدخلها كل اللاجئين بعد حصولهم على الإقامة أو في انتظار الحصول عليها. وهنا نفرق بين قسمين لهذه الدورات، فالأولى تتعلق باللغة وتركز على أن يحصل اللاجئ/المهاجر على مستوى الـB1، وهو المستوى الذي يحقق لحامله التواصل ببساطة باللغة الألمانية. والقسم الآخر هو دورة تعريفية بالتاريخ والمجتمع والسياسية الألمانية وعلى كل شخص يود الحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية في ألمانيا أن يكون قد اجتاز امتحان هذه الدورة. وعلى أهمية هذه الأخيرة إلا أنها فقدت جزءًا كبيرًا من دورها في تقديم مفاتيح معرفية أو حقائق أو معلومات من الممكن أن تفيد آخذها. إننا نجبر على أخذها بعد انتهاء دورة الـB1 وقبل أن يعرف أحدنا إن كان قد اجتازها أم لا، وهذا المستوى لا يكفي لفهم المصطلحات المتعلقة بالحقوق والواجبات والتاريخ والأحزاب. وعليه فإن تخطينا جميعًا لهذا الامتحان كان بحفظ أشكال الأسئلة المؤتمتة وأرقام أجوبتها التي لا تتغير في أغلب الأحيان. 

كتلميذ في هذه الدورة، وبعد سؤال ومراقبة لدورات أخرى، وجدت أن العديد من الأساتذة الألمان يحاولون عند ذكرهم للتاريخ النازي أن يفصلوه تمامًا عن ألمانيا الحالية وتقديم ألمانيا على أنها من أكثر البلدان تحررًا وذات أفضلية، وبعيدًا عن تقييم الديمقراطية والحقوق والحريات في ألمانيا الآن، إلا أن هذا الفصل عن الماضي غير منطقي ويتعامى عن صعود اليمين المتطرف في ألمانيا بطريقة تتقاطع مع طرق صعوده سابقًا. إلى جانب ذلك، كثيرًا ما يتم تحييد نقاشات حول متاجرة أحزاب ألمانية بورقة اللاجئين. فرغم أن بعضها ساعدت في فتح الأبواب لهم، إلا أن لها أيضًا انعكاسات سلبية على الداخل الألماني لطبيعة خطابها المنحاز لمصالحها الحزبية. 

ساعات هذه الدورة لا تسمح بنقاشات كبيرة، ما يعني أن المناوشات السياسية الكبيرة حاليًا بين الأحزاب الألمانية والقائمة على إشكاليات لها علاقة مباشرة بقضايا الهجرة واللجوء لن نرى لها أي انعكاس حقيقي داخل الغرف التدريسية، على الرغم من وجود طلاب من مختلف الجنسيات والتوجهات والخبرات العلمية السابقة أو العملية، ما يؤدي إلى تسطيح السؤال حول اللجوء وتقديم الأحزاب السياسية كأنهما طرفان، أحدهما الشرير الذي يريد تدمير ألمانيا ومن عليها، والآخر المنقذ المخلص. هذه الحدّية لن تساعد أي شخص يخرج من هذه الدورة على دخول أي نقاش على أي مستوى مع أصغر متطرف يميني هنا.

الضغط الكبير على المدارس في السنوات الأخيرة بسبب موجات الهجرة السورية دفعت الكثير من المدارس إلى تعيين أساتذة غير مؤهلين، في أحد الصفوف التي أخذتها كانت هناك مدرّسة تم توجيه شكاوى جماعية من جميع الطلاب بشأنها، إلا أن المدرسة لم تستطع توفير أي مدرس بديل. هذا الحال جعل من دورات اللغة والاندماج «تيك أوي»، بتعبير لأحد أساتذتي ممن رأوا هذه الدورات قد تراجعت كثيرًا عن السنوات السابقة سواء على مستوى تعليم اللغة أو الدورة التوجيهية.

بعض محاور الدورة تركز على تفاصيل ساذجة في الحياة كإشارات المرور، مما يضع اللاجئ/المهاجر أمام مشاعر انتقاص كبيرة، عدا عن أنها تحرض على تمييزات عنصرية ما بين اللاجئين أو المهاجرين أنفسهم. أحد المهاجرين من اليونان قال لي أنه أتى من دولة أوروبية وأنه ليس بحاجة لهذه الدورة التوجيهية التي كانت برأيه موجهة فقط لنا كدول «عالم ثالث»، وهذا ما يعمّق الفجوة ما بين المهاجرين أنفسهم، وكذلك الفجوة بين المهاجر والبلد المستضيفة. 

وزيرة الدولة لشؤون الهجرة واللجوء، أنيت ويدمان-ماوز، عبرت عن أن الحكومة الألمانية تعي بعض هذه الاشكاليات وتحاول تعزيز دور المدارس والمعلمين، إذ قالت «المدارس تعتبر مركز تنافس صارم للاندماج»، وعلى ذلك يجب تدريس المعلمين وتعزيز التنوع الثقافي ما بينهم لمواجهة تبعات صعود اليمين المتطرف في ألمانيا وتزايد خطاب الكراهية إعلاميًا وترهل الخطابات المواجهة له.  

بحسب دراسة لمجلس خبراء المؤسسات الألمانية للاندماج والهجرة (SVR)، فإن غالبية الناس في ألمانيا لا يزالون يقيّمون التعايش بين المواطنين والمهاجرين بشكل إيجابي، وذلك عكس ما كان متوقعًا من تدهور للمزاج العام في ألمانيا. لكن لا يمكننا بأي شكل أن نسند هذه الإيجابية إلى دورات التوجيه الألمانية أو خطاب الاندماج العربي أو الألماني، إنما إلى ما يمارسه المهاجرون واللاجئون من متابعة حياتهم بشكل طبيعي ومحاولتهم خلق فرص حقيقية للحياة في البلاد الجديدة، ليس حبًا بها، إنما استمرارًا لفعل الحياة.