زراعة الرمان في «جديتّا»: مهنة عائلية تصارع الجفاف وتفتّت الملكيّة

زراعة الرمان في «جديتّا»: مهنة عائلية تصارع الجفاف وتفتّت الملكيّة

الثلاثاء 14 تشرين الثاني 2017

تصوير معاوية باجس

دونم ونصف في «وادي جديتا»، هو فقط ما وصل إلى محمد بني ملحم (65 سنة) من الـ15 دونمًا، هي مساحة الكَرْم الذي كان يملكه جده في خمسينات القرن الماضي، وقُسّم بعد وفاته بين أولاده، ثم أعيد تقسيمه بين الأحفاد: هو وأخوته. لهذا لم يستطع أن يفعل ما فعله جده: أن يؤسس عائلة يعتاش وإياها من ناتج الأرض في القرية الواقعة بين محافظتي إربد وعجلون، ففعل ما فعله عشرات الآلاف من أبناء جيله الذين عاصروا تفتت الملكيات الزراعية: تحوّل إلى الوظيفة، فالتحق عام 1970 بالجيش، عندما كان في الثامنة عشرة، وخدم فيه 22 سنة، تزوج خلالها من ابنة عمه فضيّة التي تصغره بعامين، وأنجب سبعة أبناء وبنات، أصغرهم الآن في الثامنة والعشرين.

وإلى أن تقاعد العام 1992، كان العمل في الأرض نشاطًا يمارس على هامش الوظيفة، بعد ساعات الدوام وفي الإجازات، ويدر عائدًا اقتصاديًّا يساعد، إلى جانب الراتب، في إعالة العائلة، التي شارك جميع أفرادها، وفي مختلف مراحل أعمارهم، في العمل في البستان، بخاصة في المواسم. كما هو الحال في هذا الوقت من السنة، الذي «يطيح» فيه الرمان. لكنه ومنذ التقاعد تفرّغ للعناية ببستان الرمان، المكوّن من قطعتي الأرض الخاصتين به وبأخيه أحمد.

جديتا، التي تقع بين الغور والجبل، تتميز بحسب أمين سر جمعية جديتا التعاونية، عبد المجيد الخطاطبة، بجو مثاليّ لزراعة الرمان، الذي يبدأ موسمه بداية أيلول (سبتمبر)، وينتهي أواخر كانون الأول (ديسمبر). وينقسم إلى سبعة أصناف رئيسية هي: المَلّيسي، والخْضاري الصْفاري، والحْماري، والزَعروري، والشْواشي، والشْواشي الحلو ودَمّ الزَّغلول. وهي أنواع تختلف في ما بينها بالحجم واللون والحلاوة وكمية العصير وحجم البذور ودرجة قساوتها. ولكل واحد منها وقت نضج محدد خلال الموسم. وأجود هذه الأنواع، بحسبه، هو «المَلّيسي» الذي يتميز بحلاوته، وغناه بالعصير، وصغر بذوره وطراوتها. وفق الخطاطبة، هناك في القرية، حاليا 650 دونم تقريبًا مزروعة بالرمان، وتنتج الشجرة في المتوسط ما بين 150-200 كيلو في الموسم. هذه الزراعة تمارس أساسًا بوصفها نشاطًا عائليًّا، انحسر، كما يقول، بشكل واضح، خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، بسبب تفتت الملكية، وشح المياه، والتحول إلى الوظائف.

تشكو عائلة بني ملحم فعلًا من شح المياه. يقول وسام، الابن الأكبر، إن الرقعة الزراعية تأثرت كثيرًا خلال العشرين سنة الأخيرة، بعد تحويل قسم كبير من مياه الينابيع التي كانت تسقي البساتين إلى مياه شرب لعجلون، «قَبِل كانت المي 12 إنش، صارت بعد التحويل 4 إنش. وهذا معناه إنه في المتوسط كل دونم بيشرب مي نص ساعة كل 14 يوم». ورغم أن «دور» الماء يوزع بالعدل بين البساتين، كما يقول، لكن بعد المسافة بينها وبين مصدر المياه، وطول المسافة التي تقطعها المياه لتصل الأراضي البعيدة يقلل إلى حدّ كبير من الكمية التي تصل إلى كل بستان: «إحنا قريبين من الميّ. بس البساتين البعيدة كثير منها خرب». يقول إن الحال تغيّر كثيرا بعد سحب المياه، فخفّت الخضرة، وأثّر هذا حتى على الحياة البرية. فقلت أعداد الطيور بشكل كبير، وجفّ سيل ماء كان موجودًا في المنطقة، قبل حوالي 20 سنة، وكان فيه سمك.

واجه أبو وسام تفتت الملكية هذا ضمن حد أدنى، فإضافة إلى احتفاظه بشراكته مع أخيه، «تضمّن» أرضًا أخرى في المنطقة، وهذا رفع المساحة التي يعمل فيها إلى خمسة دونمات: «المثل بقول كَرْم الشراكة خراب، بس أنا وأخوي سوّينا العكس؛ كَرْم الشراكة عمار لما يكون بين عُقّال».

في هذه المرحلة من حياة العائلة، فإن العمل الأساسي يقع على المتفرغين، وهم الآن أبو وأم وسام، الابنة زهاء، ووسام، الذي يقيم في عمان، حيث يعمل منذ 17 سنة في قسم الكوي والغسيل في إحدى المستشفيات، لكنّه يحرص على تجميع إجازاته السنوية، وأيام العطل الرسمية التي يختار «المناوبة» فيها، ويتفرغ، كل عام، لشهر ونصف، يعاون فيها عائلته خلال الموسم الذي يبيت معظم لياليه مع والده في البستان.

يقسّم العمل في العادة بين الرجال والنساء، فيتولى الرجال تسلّق الشجر والقطف والتعبئة وحمل الصناديق والتسويق، في حين تتولى النساء بشكل أساسي الصناعات القائمة على الرمان، مثل الدبس والمربى والخل وتجفيف القشر الذي يباع للعطارين، إضافة إلى «التوز» وهي الكلمة الفلاحية المرادفة لـ«التلقف»، حيث تقف المرأة أسفل الشجرة وتتلقف ثمرة الرمان من الذي يقطفها حتى لا تقع على الأرض، ذلك أن ثمار الرمان كما تقول فضيّة «حساسة»، وتتشقق بسهولة لدى ملامستها الأرض. أما إذا لم يكن هناك من «يتوز»، فإن من يقطف يستخدم سلة من «القُصّيب» مبطنة بالنايلون حتى لا تنجرح القشرة. والقطاف يجب أن يبدأ، كل يوم، بعد أن تُشرق الشمس بفترة كافية لأن «يطير الندى» عن الثمار، لأن قطفها نديّة يجعل الثمرة عرضة للتشقق.

ارتاحت فضيّة بعد أن كبر الأولاد والبنات وحملوا عبء المهام الشاقة، لكنها قبل ذلك، كانت تتلقف في كل موسم بيديها العاريتين ما كان يصل إلى طنين أو ثلاثة أطنان من ثمار الرمان الذي يصل وزن الكثير منها إلى نصف كيلو للثمرة الواحدة.

موسم الرمان، بالنسبة لعائلة بني ملحم، هو أكثر من مصدر غذاء ورافد مساند للدخل. إنه، كما يؤكدون، وسيلة لتعميق علاقاتهم العائلية، عندما ينخرط الجميع: الأب والأم والأبناء والأحفاد وأبناء العمومة، في العمل، وأيضا في الترفيه الذي يأتي على هامش هذا العمل. لقد جرت العادة أن ينام الرجال طيلة الموسم في معرّش في البستان جُهّز بالحد الأدنى من وسائل العيش. لكن بقية أفراد العائلة، يأتون، كما تقول، فضيّة، غالبًا لـ«يتعلّلوا» [يسهروا] في هذا المعرّش. ويلفت أبو وسام إلى أن علاقته بزوجته، بالتحديد، تعمّقت كثيرا في الفترة التي تلت تقاعده، ففي هذه السنوات تفرّغت، تقريبًا، معه للبستان، وكانت تنزل معه بشكل يومي: «هي دايمًا معي، شغلنا مع بعض، فطورنا مع بعض، وشاينا مع بعض».

يتولى وسام حمل صناديق الرمان بـ«البكب» إلى أصحاب محلات فواكه في منطقة الصويفية، متعاقدين مع العائلة منذ سنوات، وهي طريقة في التسويق تحقق هامش ربح أكبر ممّا لو وُرّدت الثمار إلى السوق المركزي. ذلك أن أحد الأسباب الأساسية لضعف العائد الاقتصادي للرمان، والتحوّل عن زراعته، كما يقول الخطاطبة، يعود إلى تعدد الوسطاء؛ فما نسبته 50 إلى 60% من المبلغ المتحصّل من بيع الرمان، يذهب ثمن عبوات وأجور نقل، ومبالغ يتقاضاها السماسرة. هذا من دون أن يكون المزارع قد احتسب أجرة اليد العاملة التي تكون في الغالب مجانية لأنها من بين أفراد العائلة.

لكن الوضع، من هذه الناحية، بحسب الخطاطبة، تحسّن إلى حد كبير خلال السنوات القليلة الماضية، بفضل أمرين: التوسع في تصنيع منتجات الرمان، مثل الدبس والخل والمربى وزيت البذور والقشور المجففة، بشكل تجاري. والأمر الثاني هو التوسع في تسويق هذه المنتجات والرمان نفسه، في معارض يبيع فيها المزارعون إنتاجهم للمستهلكين مباشرة. والمسؤول عن هذا التحسن بشكل رئيسي، كما يقول الخطاطبة، هو المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي (NCARE)، التابع لوزارة الزراعة، الذي بدأ من العام 2008 تقريبًا، من خلال الجمعيات التعاونية، بإقامة دورات لمزارعي الرمان، تعرّفهم بالأساليب الحديثة في العناية بأشجار الرمان، وتصنيع منتجاتها.

بالنسبة لعائلة أبو وسام، فإن الدبس هو المنتج الوحيد الذي تصنعه بشكل تجاري، وإن بدؤوا هذه السنة، بعد أن التحقت زهاء ببعض هذه الدورات، بصناعة مربى الرمان بشكل محدود، وتجفيف بذور الرمان وبيعها بغرض استخراج الزيت، إضافة إلى تجفيف القشور وبيعها كي تستخدم في الدباغة وبعض الوصفات الطبية الشعبية.

زهاء، التي أنهت توجيهي خياطة العام 1992، لكنها لم تعمل في المهنة، هي من يتولى مع والدتها مهمة عمل الدبس، بمعاونةٍ أحيانا من أبيها وأخيها وسام. وتبدأ العملية بفرط الرمان بواسطة ضربه بعصا، يغسل بعدها ويطحن في خلاط، ثم يصفّى من البذور بواسطة قطعة شاش، ويوضع أخيرًا على الغاز ليغلي حتى يتبخر معظم مائه. علمًا بأنه قبل استخدام الخلاط، كانت عملية العصر تتم باليد، وبدل الغاز، كان الدبس يطبخ على الحطب.

وفق زهاء فإن كمية الرمان اللازمة لعمل كيلو من الدبس، والمدة التي يستغرقها على النار، يحدّدها نوع الرمان من ناحية درجة حموضته وغناه بالعصير. لكن إجمالًا، يحتاج إنتاج كيلو من الدبس إلى ما بين 12-15 كيلو من ثمار الرمان، التي تحتاج في المتوسط إلى أربع ساعات من الفرط، تليها أربع ساعات أخرى من الطبخ. ويباع كيلو الدبس ما بين 7-10 دنانير. وتفاوت السعر يحدده بالدرجة الأولى مكان البيع وحجم الكمية المطلوبة. فالأسعار تكون دائمًا أقل عندما يكون الشراء من أرض المزرعة، أو عندما تكون الكميات المطلوبة كبيرة.

وآلية البيع هذه تنطبق أيضا على الثمار، التي تخزن في غرفة خاصة في البستان، مفروزة بحسب الحجم إلى ثلاث درجات، ويتراوح سعر الكيلو ما بين دينار ودينارين ونصف من أرض المزرعة. وبهذا المعنى فإن بيع الرمّان ثمارًا أكثر جدوى، اقتصاديًا، بما لا يقاس، كما تقول زهاء، لكن العائلة، مع ذلك حريصة على صناعة الدبس، أولًا لأنها وسيلة لتصريف الثمار التي لا يمكن تسويقها، كتلك التي تشققت، أو ضربتها الشمس فتغير لونها وطعمها. وسبب آخر، هو للحفاظ على زبائن الرمان، الذي يطلبون دائمًا معه الدبس.

يبدأ أبو وسام «الدوام اليومي» في البستان ابتداءً من شهر آذار (مارس)، عندما يبدأ التقليم والتسميد إضافة إلى «التعشيب»، أي إزالة الأعشاب الضارة، العملية التي تتكرر ثلاث مرات خلال الموسم. ويقول إنه، في الماضي، كانت أشجار البستان خليطًا من أنواع مختلفة من الرمان، لكنها جميعها الآن من«المَلّيسي»، الذي يحتاج إلى مناخ بالغ الاعتدال، لا يتجاوز أربع ساعات أو خمس ساعات من التعرض للشمس. وهذا ما يجعل زراعته في الأردن محدودة جدًّا مقارنة بالأنواع الأخرى. ولأن المنطقة التي يقع فيها بستان العائلة، في وادي جديتا، تتمتع بهذا المناخ، كان أول ما فعله عندما تقاعد هو أن خلع كل الأنواع الأخرى، وزرعه بدلًا منها. يؤكد أبو وسام، أنه يعرف الشجرات واحدة واحدة. أو، على الأقل، هو يميّز الشجرات التي زرعها هو، وتلك التي وعى عليها طفلًا أيام جده ووالده، وهذه الأخيرة هي الشجرات التي لها «قُرْمِيّة»، أي لها جذع قديم مقطوع. فشجرة الرمان، كما يقول، معمّرة، تجاوز عمر بعضها في البستان الثمانين عامًا. وللحفاظ على تجدّد «شباب» البستان، فإن جزءًا أساسيًّا من العمل هو رعاية الجذوع الجديدة التي تنبت بملاصقة الجذع القديم، وعندما يأتي أوانه ليموت ويُقطع، يكون «أولاده» قد اشتدوا وأثمروا.