تدوينة

كيف يستجيب الناس لتراجع الخدمات العامة: زبالة حارتنا نموذجًا

الخميس 18 أيار 2017

بقلم نداء خميس

في كل مرة أخرج فيها من منزلي في إربد، وأرى أكياس القمامة في الشارع مكوّمة أمام البيوت، وعلى الجزر الوسطية وأطراف المساحات الخالية في الحيّ، لا أفكر بالمشهد بوصفه مؤشرًا على تراجع خدمة النظافة في المدينة فقط، بل بوصفه أيضًا مثالًا على الطريقة التي يستجيب فيها الناس إزاء تراجع الخدمات العامة؛ استجابة لا تكبح جماح التردي قدر ما تكرّسه.

تتوزع في الحي الذي أسكنه حاويات القمامة، بحيث لايحتاج أبعدها عن أي منزل أكثر من خمس دقائق مشيًا، لكن لا أحد، باستثناء الساكنين حولها، يستخدمها، بل يضع الناس عوضا عن ذلك أكياس قمامتهم أمام بيوتهم.

لم يكن هذا يسبب مشاكل حقيقية قبل ست سنوات، لأن عامل نظافة كان يمر ثلاث مرات في الأسبوع، ويحمل إلى عربته الأكياس، ويتولى مهمّة نقلها إلى الحاويات القريبة، لتأتي بعدها كابسة النفايات وتفرّغها. لهذا لم يكن يتراكم في العادة أمام كل منزل أكثر من كيسين أو ثلاثة.

صحيح أنه كان يحدث أن يستيقظ الناس ليجدوا القطط قد نبشت هذه الأكياس ونثرت محتوياتها على الشارع، لكن هذا كان يُعالج، إذ كان العامل بعد أن يحمّل الأكياس في عربته يكنس القمامة المنثورة. وهو أمرٌ لم يكن بالطبع من واجباته، لكنه «العشم» الذي طوّرته سنوات من العلاقة الودية مع السكان الذين كانوا يستعينون به بعد ساعات دوامه في أعمال إضافية مدفوعة الأجر، مثل إزالة الأعشاب اليابسة من الحدائق والنكش حول الأشجار وتنظيف أسطح البيوت بداية كل شتاء استعدادًا لتجميع مياه الأمطار. وبسبب هذه العلاقة، كان العامل يمر في الصباحات، فتضع له ربات البيوت زجاجات الماء وأكواب الشاي على الأسوار، ويعطينه الملابس التي لم يعد أحد يحتاجها. ويدسّ الرجال في يده في الأعياد بعض النقود عيدية.

ثم غيرت البلدية النظام، فبدلًا من عامل النظافة عربته، تعاقدت البلدية مع «قلاب» يأتي مرة كل أسبوع، ويقف أمام البيوت، ليقفز عامل متعلق بمؤخرة القلاب ويحمل الأكياس من أمام البيوت ويطوّح بها إلى الصندوق. كان واضحًا أن الهدف تقليل النفقات، إذ يغني القلاب، الذي يغطي بسهولة وسرعة شبكة من الأحياء، عن فريق من عمال النظافة الموزعين على الحارات.

إنها حالة نموذجية من حالات الاستجابة الشعبية تجاه إساءة السلطة توظيف الموارد العامة. لا في النظافة وحدها، بل في التعليم والصحة والمياه وغيرها من خدمات.

لكن المدة بين جولات جمع القمامة طالت كثيرًا، وهذا عنى أنه بدلًا من تجمّع كيسين أو ثلاثة أكياس في أسوأ الأحوال، صار هناك تلال صغيرة من أكياس القمامة أمام مداخل البيوت. وزادت القطط الأمر سوءًا، وصارت ربات البيوت مضطرات للخروج، مرة بعد مرة، لجمع القمامة المنثورة وإعادة تعبئتها في الأكياس مجددًا، ليس فقط لأنه لم يكن بالإمكان التغاضي عنها لأسبوع، لكن لأن عامل القلاّب، الذي كان ينزل خطفًا ليحمل الأكياس -ولم يكن معروفا حتى إن كان هو نفسه الذي كان يأتي كل مرة- كان يأخذ الأكياس ويترك النفايات المنثورة خلفه.

هذا لم يدفع السكان إلى تغيير نظامهم وحمل قمامتهم إلى الحاويات بأنفسهم؛ هذه الحاويات التي فاضت على أي حال بنفايات القاطنين حولها بسبب تباعد جولات تفريغها. عوضًا عن ذلك، طوّر السكان طريقة جنّبتهم «مقارعة» القطط. ففي الحي المكوّن من بيوت مستقلة تتوزع بينها قطع أراض ما زالت خلاء، صار السكان يضعون زبالتهم على أطراف هذه القطع. أما في الشوارع التي لم يعد فيها أراض خلاء، صاروا يضعون القمامة على الجزر الوسطية حول أعمدة الإنارة. وبمرور الوقت، ومن دون تفاهمات مُعلنة، تعارف الجميع على مواقع محددة لوضع القمامة، بعيدة (بالعدل) عن بيوت الجميع. وهكذا أصبح في الحي عدة «مكبات» صغيرة للقمامة.

لقد كان هذا حلًا عمليًا مثاليًا للجميع. فقد واصلت القمامة تراكمها، لكن بعيدًا عن بوابات البيوت، ولأنها كانت كذلك، فإن أحدًا لم يعد يُتعب نفسه ليذهب ويكنسها عندما تنثرها القطط. ولم يكن عامل القلاب، كما سبق القول، يفعل ذلك هو أيضًا، وهكذا صارت نقاط تجميع القمامة هذه مكاره صحية على مدار أيام الشهر، بما فيها تلك الأيام التي تُجمع فيها القمامة.

صحيح أنها مكاره بعيدة نسبيًا عن مداخل البيوت، لكن النوافذ تطل عليها. ووقت العصر، بعد أن ينهي الأطفال واجباتهم المدرسية، يخرجون للعب حولها، ونسيم المساء العليل يمرّ بها فيختلط بالجزئيات الدقيقة العفنة لفضلات الطعام وفوط الرضع، ويحملها إلى السكان الجالسين في شرفاتهم، فيتنفسونها وهم يناقشون تردي خدمات البلدية، ويتساءلون للمرة المليون عن المكان الذي تذهب إليه الضرائب التي يدفعونها، ويشكون للمرة المليون من «الفساد» و«النهب» وعشرات الموظفين الزائدين عن الحاجة، الذين عيّنهم «المحاسيب» في البلدية، وتستنزف رواتبهم ميزانيتها.

التفسير القريب لهذه الكوميديا السوداء هو أن الناس أكسل من أن يمشوا عشر دقائق ذهابًا وإيابًا إلى الحاوية، لكنني اعتقدت دومًا أنه نوع من «الاحتجاج المشوّه»؛ احتجاج منحرف المسار، لا يذهب إلى الجهة المفترض أن يذهب إليها، بل يرتد إلى المحتج نفسه في فعل تدمير ذاتي.

لقد حصل الناس لسنوات طويلة على خدمة نظافة جيدة نسبيًا، كانت تشمل رفاهية حمل أكياس قمامتهم إلى الحاويات. وبالنسبة إليهم كان هذا حقّا مكتسبًا دفعوا مقابله ضرائب. والآن لم يعودوا يتلقون هذه الخدمة بالفعالية التي اعتادوا عليها، رغم أنهم ما يزالون يدفعون ثمنها. أو هم في الحقيقة، مع ارتفاع الضرائب وتفريخها، صاروا يدفعون لها ثمنًا أعلى. يشعر هؤلاء الآن بالاستغلال، ويعتقدون أن أي جهد ذاتي يبذلونه لتعويض قصور الخدمة العامة المقدمة إليهم هو بالنسبة إليهم تعميق لهذا الاستغلال.

إنها حالة نموذجية من حالات الاستجابة الشعبية تجاه إساءة السلطة توظيف الموارد العامة. لا في النظافة وحدها، بل في التعليم والصحة والمياه وغيرها من خدمات. الناس الذين يعتقدون أن أموال ضرائبهم لا تعود عليهم بخدمات مناسبة، لا يفعلون ما يجب أن يفعلوه؛ لا ينخرطون في فعل احتجاج حقيقي، فلا ينظمون أنفسهم لتشكيل جماعة ضغط على مُقدم الخدمة، تراقبه وتحاسبه وتجعله يدفع ثمن تقصيره، بل يكتفون بدلًا من ذلك بتبادل الشكاوى فيما بينهم، ويطوّرون في الأثناء آليات فردية للتعامل مع سوء الخدمة، لا تعوّضهم عن نقصها، بل تزيد على المدى الطويل وضعهم سوءًا.