ماذا لو رفضنا كاسترو وأمريكا معًا؟

الإثنين 05 كانون الأول 2016
فيديل كاسترو يلقي خطابًا في هافانا برفقة الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، في ٣ شباط ٢٠٠٦. رويترز.

في واحد من مشاهد مسرحية «غربة» الشهيرة لمحمد الماغوط، تعبر شخصية «الحجّة» عن حيرتها إزاء أحد الوصوليين الذين تسلقوا على ظهر الثورة وأصبحوا ينطقون باسمها، وهم في حقيقتهم مجرد منتفعين يستغلون الثورة لمصالحهم. يحاول أستاذ الضيعة، وهو اشتراكي حالم مؤمن بمبادئ الثورة، إقناع الحجّة بأن ذلك الوصوليّ لا يمثل الثورة الحقة، وأن فساده ليس دلالة على فشل الثورة. تجيب الحجة، وعيناها تدمعان: «عقلي ما عاد جمّع يا ابني. إذا سبّيت بتقولوا عم بتسبّ الثورة».

يطرح هذا المشهد، على بساطته، السؤال ذاته الذي يواجه كثيرًا من المجتمعات والأفراد الذين ينتمون عادة إلى دول الأطراف: هل ثمة مهرب من التفكير الحدّي عبر ثنائيّات صارمة تشكل العالم وفق طرفين متقابلين: إما\أو؟ هل يمكن لنا أن نرفض القمع الداخلي، ونعرّي بؤس بعض السياسات والتقاليد المحلية، وننتقد مجتمعاتنا، دون أن يكون ذلك وقوفًا إلى جانب الآخر، الغربيّ عادة، الإمبريالي، الذي قد يستخدم مقولاتنا ذاتها لتبرير استغلاله واحتلاله وقمعه؟ كيف يمكن لنا الوصول إلى ذلك الخط الفاصل بين الحق في نقد الذات، والوقوع في براثن الاصطفاف إلى جانب المقولات الاستعمارية عن مجتمعات الأطراف؟ هل لنا، باختصار، أن نرفض كاسترو وأمريكا معا؟

يلاحظ المتابع للعديد من مثقفي اليسار، سيما أولئك الذين يعيشون في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، أن فريقا كبيرًا منهم لا يزال يقيم أطروحاته وتحليلاته للعلاقات الدولية والحركات المجتمعية على أساس القرب أو البعد من سياسات ما يسمّى، بتعميم مريح ومتواصل، «الغرب ومواقفه». يصبح العالم هنا معسكرين، وكل من يعادي سياسات الولايات المتحدة ومطامعها وأقاويلها يصبح ثوريًا تقدميًا متحررًا، وتصبح تلك المعاداة بطاقة هوية تبرّئ الدولة التي تتبناها من أية انتقادات قد توجه إلى ما يحصل فيها من خروقات واعتداءات على مواطنيها، أو تضع تلك الانتقادات، في أحسن الأحوال، في مرتبة متأخرة لا يكاد يسمع أثرها.

كنا نظنّ أن شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» قد خبا وانطفأ مع تكشف زيف الأنظمة التي كانت ترفعه وتردده، لكن الأحداث الأخيرة التي عصفت بمنطقتنا أبانت أن عددًا هائلًا من المثقفين التقدميين حول العالم لا يزال يضع هذا الشعار نصب عينيه لحظة محاولة تقديم تأويل ما للصراعات التي نعيشها. كوبا ضد أمريكا. إيران ضد أمريكا. سوريا ضد أمريكا. فنزويلا ضد أمريكا. ألسنا نحن، أيضا، ضد أمريكا؟ نحن معًا، إذن، في مركب واحد يواجه الإمبريالية التوسعية ويقف أمام مخططاتها.

بالتأكيد، ثمة تبسيط كبير في محاولتي تلخيص موقف هؤلاء المثقفين أعلاه، لكنه تبسيط قد لا يكون مخلًا إذ أن خلاصة مواقفهم لا تبتعد كثيرًا عن تلك الصورة الحدية التي رسمتها. وقد يكون الموقف من فيديل كاسترو أحد أشهر هذه الحالات الحدية في القرن العشرين، لكن منطقتنا تحديدًا شهدت عشرات الصور «الكاستروية» المألوفة، وما الموقف مما يجري في سوريا إلا تأكيد أخير وصارخ لهذه الخطابات البلاغية. كيف نفسّر وقوف عدد كبير من يساريي العالم إلى جانب النظام السوري؟ ماذا يعرف هؤلاء المثقفون السارحون في لندن ونيويورك وغيرها عن سوريا أصلًا؟ لا يهم. النظام السوري معاد للإمبريالية. تخرج مظاهرات عدة في بريطانيا ضمن ما يسمى بـ«ائتلاف أوقفوا الحرب» ضد ما يرونه احتمال تدخل أمريكي بريطاني في الحرب السورية. تراهم ممتلئين بالحماس وهم ينددون بما (قد) تفعله أمريكا في سوريا، ويعلنون وقوفهم إلى جانب النظام في وجه الإمبريالية. تفتح فمك، غير مصدّق. أي حرب تلك التي يحتج عليها هؤلاء؟ ماذا عن الحرب الحقيقية الدائرة في سوريا؟ هل يمكن أن نزيح أعيننا عن النزاعات البلاغية وننظر إلى الواقع، ولو للحظات؟

تنسحب الطريقة الثنائية الحدية ذاتها أحيانًا على المجال الفكري كذلك، إذ نشأت اتجاهات ذات نفوذ واسع في الأكاديميا الغربية، متأثرة إلى حد كبير بخطاب نقد الاستشراق لإدوارد سعيد، لتعيد التأكيد على ثنائية «نحن» و«هم». وتكرّس كثير من هذه الاتجاهات جهدها في فضح المقولات الاستعمارية التي نمّطت الآخر وألبسته صورًا دائمة من التخلف والرجعية مقابل الغرب المتقدم المتمدن، لكنها، في مسعاها هذا، كثيرًا ما تغلق الطريق على كثير من محاولات النقد الذاتية التي تنطلق من المجتمعات المحلية لدول الأطراف وما تعيشه من نزاعات ومشاكل حقيقية. تحيق اللعنات والويلات بأية محاولة فكرية جادة في مجتمعنا إن تلاقت، في بعض أفكارها أو اتجاهاتها، مع ما يقوله «الغرب» عنا، وترفع الاتهامات بالاستشراق الذاتي، وتكرار الصور النمطية، وترسيخ كليشيهات الغرب عنا، ضد كل من يحفر في الخطاب الديني أو التقاليد المجتمعية أو الأوضاع السياسية المعاصرة وأسباب بؤسها.

المشكلة الأساسية التي يثيرها هذا الخطاب هو أنه، في سعيه (النبيل في أحيان كثيرة) إلى مقاومة الاستعمار ثقافيا والوقوف إلى جانب السكان المحليين، يتناسى تمامًا أن أولئك السكان المحليين يخضعون لفاعليات معقدة متشابكة لا يمكن ردها كلها إلى الموقف من ذلك الغرب المزعوم. لا أقصد هنا بالطبع التقليل من أهمية الدفاع عن الذات في وجه الآخر المعتدي، ولا أن أنفي حقيقة وجود فئات من مثقفي الأطراف الذين يسعون للاندماج في دول المركز وعواصمه عبر لعب دور ما يسمى بـ «المخبر المحلي»، ذلك المثقف العالم-ثالثي الذي يطوّع معرفته بمجتمعه ومحيطه لخدمة غايات استعمارية. لكن الأكيد أيضًا هو ضرورة رسم حد فاصل بين «المخبر المحلي» وبين «الناقد المحلي»، وهو ما يتجاهله كثير من مثقفي ما بعد الاستعمار، بكل أسف. هل يحق لي أن أتحدث عن الأقليات مثلًا، أو عن أوضاع النساء في بلادنا، أو غيرها من المسائل الشائكة دون أن أقع في حبائل خدمة الآخر الغربي؟ ألا يمكن أن نقول إن الاتهام بتكريس الكليشيهات والصورة النمطية هو، في حد ذاته، كليشيه مبتذل؟

تصدر بعض هذه الاتجاهات من فكرة جوهرية لا يمكن التغاضي عنها، تعتمد أساسًا على مفهوم ميشيل فوكو للسلطة والمعرفة. تعتقد هذه الرؤية أن الأفكار لا تتحرك في فراغ حر، وأن كل موقف فكري هو في النهاية تكريس أو مقاومة لسلطة ما. وبما أن السلطة المهيمنة عالميًا، وهي الولايات المتحدة وحلفاؤها والخطاب الليبرالي عامة، هي سلطة معتدية ظالمة تسعى لنهب خيرات الشعوب، فإن أي موقف فكري متفق مع هذه السلطة المهيمنة – في رأي أصحاب هذه الاتجاهات- هو في النهاية، شاء أم أبى، متحالف معها. وبما أن الهدف الأساسي لشعوبنا هو التحرر من هذه السلطة الغربية المهيمنة، فإن الأولوية للمثقف الحق هو أن ينقد مقولات هذه السلطة ويكشف تناقضاتها الداخلية وعوارها. بمعنى آخر، فإنه ليس ثمة مهرب من السلطة، وكل من يظن أنه إنما يقارع فكرًا بفكر واهم أو متهم.

لا شك بأن قدرًا عاليًا من الصحة النظرية يستوطن هذه الرؤية، لكن تنزيله على أرض الواقع سيقود حتمًا إلى مشكلات عدة لمثقفي الأطراف ومجتمعاتهم. الأمر الأساس الذي تغفله هذه الرؤية هو أنها، في وقوفها ضد السلطة المهيمنة، ستقف، وفق منطقها ذاته، إلى جانب السلطة المحلية القامعة، سياسية كانت أو مجتمعية أو دينية. وبين هاتين السلطتين يضيع الإنسان العادي، وهمومه، ومآسيه، وأحزانه. يقع مثقفو ما بعد الاستعمار، في تركيزهم التام على نقد الغرب وسياساته، في مطب تجاهل مطلق للخروقات الداخلية التي تحدث في بلادنا، ويصلون، في هوسهم بتفكيك ما يرونه منظومة فكرية غربية، إلى اتهام الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان في بلادنا بالتبعية للغرب، دون أن يقدموا أي تصور حقيقي يستطيع عبره المثقف المحلي القيام بدور بناء في المجتمع، منغرس، حقًا، في مشاكل المجتمع وهمومه، دون أن يكون مجرد تكرار ودوران في فضاء الهيمنة الغربية.

ماذا، إذن، لو رفضنا كاسترو وأمريكا معًا؟ ماذا لو قاومنا الديكتاتورية المحلية والهيمنة الغربية في الآن ذاته؟ وإذا كان المثقف المحلي، الذي يفكر في مشاكل مجتمعه الآنية وسبل حلها، قادرًا على إنتاج خطاب ناقد لما يراه هو انتقاصًا من حقوقه وحقوق زملائه في الوطن، فهل يجب عليه أن يمهد لنقده ذلك بنقد المنظومة الغربية وأفاعيلها؟ تصوير المسألة على أنها إما/أو انتقاص حقيقي من قدرة الإنسان على الإبداع الخلاق، وتكريس لعدمية فكرية لا ترى الواقع من منظار تصويبه وتحسينه وصولًا نحو حياة أكثر جمالًا، بل عبر معارك دونكيشوتية تتخيل عدوًا جبارًا متغلغلًا تسعى عبر حياتها كلها إلى دحره، لا لهدف سوى السعي نحو الدحر ذاته. والمقولات النبيلة عن تمكين المحليين من المقاومة وضرورة الإيمان بقدرة الشعوب غير الغربية على فرض وتمثيل ذاتها، وهي التي أسست الصورة الكبرى لإدوارد سعيد ومشروعه، قد انتهت للأسف عند كثير من أتباعه إلى استدخال تام للعجز المحلي أمام الهيمنة الغربية، فلا يبقى سوى أن نقضي العمر ونحن نلاحق هذه الفكرة أو تلك ومدى اقترابها أو ابتعادها عن الغرب. لكن ماذا نحن؟ ماذا نريد؟ ليس ثمة جواب.

قبل بضعة أعوام تعرضت فرقة الراب الفلسطينية «دام» إلى هجوم حاد بسبب أغنية أطلقتها عن جرائم الشرف في المجتمع الفلسطيني. تمحور ذلك النقد حول أن هذه المسألة تغييب للصراع الحقيقي الذي يعيشه الفلسطينيون، وتكريس للصور الاستشراقية عن الرجل العربي، وغيرها من المقولات المألوفة. في ردهم على ذلك الانتقاد، طرحت الفرقة الموقف المبدئي التالي: «حين نكتب الأغاني فإننا لا نجلس لنسأل أنفسنا: ماذا سيكون رأي أمريكا أو إسرائيل بها؟ نحن نفتح النوافذ ونوثق ما نراه. نوثق صراعات جيلنا بهدف خدمة مجتمعاتنا. ونحن على ثقة بأن عملنا السياسي والفني منخرط في السياق الذي نعيشه». تلك هي المسألة، برأيي. أبناء السياق المحلي يرفضون أن يملى عليهم ما يجوز وما لا يجوز الخوض فيه. هم يقولون «لا» لأمريكا وإسرائيل في سياق، و«لا» أخرى لمظاهر مجتمعية رجعية في سياق آخر، ولا يرون بين اللائين تناقضًا.