كيف تمت يمننة النسوية وكيف يمكن تصويبها

تصوير: جويل فيليب.

كيف تمت يمننة النسوية وكيف يمكن تصويبها

الخميس 08 آذار 2018

(هذا المقال ترجمة لجزء من مقدمة عدد خاص من دورية New Formations الصادرة عن دار Lawrence and Wishart للنشر، العدد 91 ربيع/ صيف 2017. تمت الترجمة بإذن من الكاتبتين والناشر).

في السنوات الأخيرة الماضية، شهدنا موجة جديدة مُربكة. فبعد فترة طويلة كانت فيها قلة من النساء البارزات على استعداد بالمجاهرة بصلتهنّ بالنسوية، فجأةً -أو هكذا بدا- أعلنت العديد من النساء المعروفات عن أنفسهن كنسويات، الواحدة تلو الأخرى: من ديبورا سبار الرئيسة السابقة لكلية بارنارد، مرورًا بتيريزا ماي رئيسة وزراء المملكة المتحدة الحالية، وموسيقيات مشهورات عالميًّا مثل مايلي سايرس وبيونسيه، وصولًا لشعبويين يمينيين أمثال مارين لو بين في فرنسا[1]. بالطبع، كانت حملة هيلاري كلنتون للرئاسة عام 2016 مدعومة بقوة من قِبل مؤسسات نسوية ليبرالية، وجسدت إحدى أبرز لحظات أجندة نسوية صاعدة في الولايات المتحدة لاقت صدى على امتداد العالم الغربي. وبغض النظر عن هزيمتها في النهاية، إلا أن كلنتون كانت أول امرأة تُرشح للرئاسة من قِبل حزب قومي كبير في تاريخ الولايات المتحدة. بدا أن النسوية صارت مشروعة أخيرًا في المخيلة الشعبية بشكل لم يسبق لها عهد به.

مع ذلك، لم تكن تلك التصريحات بالنسوية الطريقة الوحيدة التي بدأ عبرها انتشار خطاب نسوي متجدد. فمنذ عام 2012 -في العالم الناطق بالإنجليزية كما في الغرب إجمالًا- حدث ما يكاد يكون انفجار نقاشٍ نسوي في الإعلام الدارج (الماينستريم) والشعبي؛ من الكتب الأفضل مبيعًا عالميًّا، مرورًا بمقالات مقروءة بشكل واسع في الإعلام المطبوع الدارج، وصولًا إلى برامج تلفزيونية مشهورة. كانت تلك النقاشات، التي أُطّرتْ على أنها «مستوحاة من النسوية»، متنوعةً ومثيرة للجدل في بعض الأحيان، وتضمنت على سبيل المثال كيف أن تكنولوجيات تجميد البويضة قد تغيُّر الحديث البائد عن ساعة المرأة البيولوجية، وما إذا كانت ثقافة «التزبيط» (hook-up) المنتشرة بين النساء الجامعيات وفي حرم الكليات يجب أن تُعتبر جزءًا من الإرث التحرري للنسوية أم لا[2].

إحدى المجالات الأشد تأثيرًا في بث هذه النسوية الشعبية كان شكلًا جديدًا للمانيفستو النسوي. هناك مثالان على هذا الشكل الجديد – كتاب البروفيسورة السابقة في جامعة برنستون آن-ماري سلاتر «لماذا لا تزال النساء عاجزات عن نيل كل شيء»، والكتاب الأفضل مبيعًا الخاص بمديرة عمليات فيسبوك شيرل ساندبيرغ «اتكئي*: النساء، والعمل، والرغبة في القيادة» (2013) – قد يعدان بداية الموجة التي صارت النساء المتنفذات فيها «يعلنَّ» عن أنفسهن كنسويات. في الوقت ذاته، وفّر هذان المثالان منطلقًا لإعادة تنشيط سجالات نسوية في العالم الأنجلو-أمريكي، [تمحورتْ] في الغالب حول سؤال لماذا لا تزال نساء الطبقة الوسطى المتعلمات جيدًا تصارعن من أجل بناء مسيرة مهنية وتربية الأطفال في آن واحد. في المقابل، أفرز نجاح تلك المانيفستوهات مؤخرًا طفرة في نشر السير الذاتية التي تأخذ شكل نصائح، وأدلّة موجهة للنساء لمساعدة أنفسهن على «نيل كل شيء». في السنتين الأخيرتين فقط، ظهر في المشهد الأدبي الأميركي كتاب المذيعة في قناة فوكس ميغان كيلي «الرضا بالكثير»، وكتاب إيفانكا ترمب «النساء اللواتي يعملن»، وكتاب آن-ماري سلاتر «أعمال غير منجزة»، ليصبحوا بسرعة من الأفضل مبيعًا، ويبيعوا ملايين النسخ.

بدلًا من مصطلحات المساواة في الحقوق، والتحرير، والعدالة الاجتماعية، ظهرت بتسارع مفردات نسوية جديدة، تضمنت أفكارًا من مثل السعادة، والمسؤولية، والاتكاء.

في هذا العدد الهائل من الكتب والمقالات المستوحاة من النسوية، هنالك بعدان لافتان على نحو خاص نرى أنهما بحاجة لتفصيل مفاهيمي. الأول، هو أن معظم هذه النصوص، بشكل أو بآخر، عززت فكرة التوازن ما بين العمل والعائلة كهدف نسوي تقدّمي. طُبع «التوازن» في المخيلة الاجتماعية على أنه خيرٌ ثقافي، ليساعد بذلك على توليد نموذج جديد للمرأة المتحررة: امرأة محترفة قادرة على الموازنة ما بين مسيرة مهنية ناجحة وحياة عائلية هانئة[3]. والثاني، هو أن الانتشار الواسع للسعي نحو التوازن قد ترافق مع اختفاء مصطلحات أساسية كانت في السابق جزءًا لا يتجزأ من النقاشات النسوية العامة، بالتحديد [مصطلحات مثل] المساواة في الحقوق، والتحرير، والعدالة الاجتماعية. بدلًا من هذه المصطلحات، ظهرت بتسارع مفردات نسوية جديدة، تضمنت أفكارًا من مثل السعادة، والمسؤولية، والاتكاء[أ].

في الوقت نفسه في أوروبا، تبنّت أحزاب قومية يمينية، مثل الجبهة الوطنية الفرنسية، وحزب الحرية الهولندي، والعصبة الإيطالية الشمالية، المساواةَ الجندرية وانتفعتْ منها لدعم أجندة عنصرية ومعادية للمهاجرين. علاوة على ذلك، خلال الألفينات، أطلقتْ مجموعة من النسويات المشهورات عالميًّا ونساء [يعملنَ] في مؤسسات المساواة الجندرية الرسمية (أو من يُعرفن بالفيموقراط)، الشرارةَ الأولى لجبهة نسوية غير متجانسة معادية للإسلام، تُظهر الذكورية والأبوية على أنها مجالات يحتكرها تقريبًا الآخر المسلم[ب]. على المرء أن يفكر فقط بالفيلسوفة النسوية الفرنسية إليزابيث بادَنتير، ووزيرة المساواة الجندرية نجاة بلقاسم، والسياسية النسوية الهولندية إيان حِرسي، وأيقونة الموجة النسوية الثانية سيسكا دريسلهويس، أو «النسوية الموسمية» الإيطالية أوريانا فالاتشي[4]، اللواتي أدَنَّ جميعهن المجتمعات الإسلامية على أنها ذكورية بشكل استثنائي، مقارنات إياها بدول غربية تُقدَّم على أنها في موضع متفوق من ناحية العلاقات الجندرية[5].

في سياق هذا المشهد المعاصر بالتحديد، يأتي هذا العدد الخاص [من الدورية] ليسائل ما يبدو أنه «يمننة للنسوية» (righting feminism). لقد ظهرت إلى السطح توليفة مركّبة أصبح معها كونك نسوية ليس فقط علامةً على الفخر ومصدرًا لرأسمال ثقافي، بل أن المشروع النسوي بات يربط باطّراد بأجندات غير تحررية، مثل النيوليبرالية والسياسات اليمينية الزينوفوبية**. لكن بالنسبة لنا، فإن «يمننة النسوية» توحي بتحديد مفرط للمعنى، فالمصطلح (righting feminism) لا يشير إلى الانعطافة اليمينية للنسوية فقط، بل أيضًا إلى الطريقة التي وُظّفتْ فيها لغة الحقوق، حقوق المرأة بالتحديد، لأهدافٍ غير تحررية. من ناحية أخرى، فإن هذه الفكرة تتضمن أيضًا، وبشكل جوهري، رغبة وطموحًا سياسيًّا لـ«تصويب» النسوية، أي جعلها «صائبة» مرة أخرى عن طريق استعادة إمكاناتها التحررية.

السجال

كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ كيف نفسّر التداخل ما بين النسوية والنيوليبرالية أو السياسات اليمينية؟ قبل ما يقارب عقد من الزمن، بدأت نسويات أكاديميات بتحديد ومُساءلة الترابط المحيِّر ما بين القضايا النسوية والنيوليبرالية والمحافِظة الجديدة، وحتى اليمينية. على سبيل المثال، سألتْ هِسْتر آيزنستاين، في مقالتها الاستشرافية عام 2005، السؤال المثير حول إن كانت النسوية قد دخلت علاقةً خطرة مع الرأسمالية. وتساءلت بالتحديد إن كانت حركة النساء قد يسّرتْ حقًا نمو وانتشار العولمة الشركاتية[6]. حلّلتْ آيزنستاين ثلاثة تطورات بعينها اعتبرتها محورية في «يمننة» النسوية: دمج النساء داخل [نظام] العمل المأجور الذي فسّر تركيز الموجة النسوية الثانية على العمل كهدف أساسي لتحرر النساء؛ وتركيز الشركات العالمية ووكالات التنمية المتزايد على المرأة في الدول النامية على أنها مفتاح الخروج من الفقر؛ وتوظيف الحكومات الأمريكية المحافظة للأفكار النسوية في حربها على الإرهاب التي استهلت الموجة اللاحقة من تجنيد الأحزاب اليمينية لـ«المساواة الجندرية» ضد المسلمين والمهاجرين على امتداد العالم الغربي. استنتجت آيزنستاين، في ضوء التطورات الثلاثة تلك كلها، أن النسوية في تجسّدها في القرن الواحد والعشرين صارت خادمة للرأسمالية.

أخذت نانسي فريزر تلك المحاججة وأعادت صياغتها في مداخلتها الشهيرة عام 2009 في مجلة «نيو ليفت ريفيو». تعيد مقالة فريزر، المبنية جزئيا على [عمل] آيزنستاين، بناءَ تاريخ الموجة النسوية الثانية، مفترضةً أن النيوليبرالية لم تحتوِ النسوية ببساطة، بل أن هنالك «تآلفًا انتقائيًا مبطنًا ما بين النسوية والنيوليبرالية»[7]. تؤكد فريزر أن تحصيل الموجة النسوية الثانية لامتيازات عظمى في مجال الاعتراف (المطالب الهوياتية على سبيل المثال) على حساب مجال إعادة التوزيع (العدالة الاقتصادية مثلًا) كان مسؤولًا عن التقارب ما بين النسوية الحديثة والرأسمالية النيوليبرالية. بعبارة أخرى، فإن التحليلات الاقتصادية السابقة، تحديدًا من قبل النسويات الما بعد بنيويات، عززت اندفاع المرحلة النيوليبرالية من الرأسمالية. بالتالي، فإن الدمج الحالي بين النسوية والنيوليبرالية يُفهم على أنه نتيجة لكون الموجة النسوية الثانية قد رفضت، بقصر نظر، أن تتمسك بالنقد المادي. ليس من المفاجئ أن مداخلة فريزر المستفزة أثارت العديد من الردود، كثير منها انتقدت إسناد فريزر للملامة[8] [للنسوية]. في الوقت نفسه، فهمت العديد من النسويات أن رفع شعار النسوية لم يعد كافيًا لاعتبار حركة أو موقف ما تحرريًا أو تقدميًا.

تابعت الباحثات النسويات السجال في تلك المسائل، موجّهاتٍ اهتمامهن حديثًا نحو التساؤل حول ما يمكن أن تجنيه العقلانية النيوليبرالية – بكلمات ويندي براون – من استخدام ثيمات نسوية. تقترح أنجيلا مكروبي أن الأعراف النيوليبرالية الجديدة للحياة التي تطمح لها الطبقة الوسطى في المملكة المتحدة تُوجَّه حاليًا نحو النساء لأنهن في النهاية يُعتبرن المسؤولات عن ضمان تماسك حياة العائلة[9]. نتيجةً لاستحكام النيوليبرالية في بريطانيا بالتزامن مع التصفية المستمرة للبرامج الاجتماعية، فإن العائلة حاليًا، وفقًا لمكروبي، باتت تعد «بزنسًا» صغيرًا بحاجة للإدارة، بينما يعد الأطفال رأسمال بشري. أدى ذلك بالمقابل إلى «ترييد» الحياة المنزلية [من ريادة] وجعلها مسؤولية [خاصة]، ومن ثم منح مكانة أشد مهنيةً للأمهات ربات المنازل بدوام كامل. اقترحتْ مؤلفات أخريات أننا نشهد الآن صعود نيوليبرالية نسوية[10]، أو نَبْرلة (neoliberalisation) النسوية[11]، التي تجسدها الطريقة التي تبنّت فيها شركات عالمية ثيمات نسوية، مستثمرةً في النساء من أجل استعمار أسواق جديدة جنوبيّ العالم.

خلال الألفينات، أطلقتْ مجموعة من النسويات المشهورات عالميًّا ونساء يعملنَ في مؤسسات المساواة الجندرية الرسمية الشرارةَ الأولى لجبهة نسوية غير متجانسة معادية للإسلام، تُظهر الذكورية والأبوية على أنها مجالات يحتكرها تقريبًا الآخر المسلم.

من منظور مختلف قليلًا، تساءلت بعض الباحثات عمّا يمكن أن تجنيه القوى السياسية اليمينية، والمحافظة الجديدة، أّو المعادية للاجئين، من تبني النسوية. صكت فارس مصطلح «الفيمو-قومية» لتصف [أولًا] محاولات أحزاب اليمين في غرب أوروبا والنيوليبراليين لتعزيز سياسات عنصرية وزينوفوبية عن طريق الترويج للمساواة الجندرية، و[ثانيًا] انخراط العديد من النسويات المعروفات والفيموقراط في التأطير الحالي للإسلام (باسم حقوق المرأة) كدينٍ وثقافة كارهة للنساء في جوهرها. بالتالي، بالنسبة لفارس، فإن ارتباط النسوية مع سياسات رجعية بحاجة لأن يُفهم على أنه عَرَضٌ لذهنية عنصرية غربية تصوَّر المرء غير الأوروبي على أنه أدنى مرتبةً من حيث الجوهر[ج]، بالإضافة إلى أنه تعبير عن ترتيبات اقتصادٍ سياسي محددة. في الولايات المتحدة، وصفتْ إليزابيث بيرنستين صعود «النسوية الاعتقالية» على أنه نتيجة اندماج بين استبدال النسويات المعاديات للاتجار الجنسي*** العدالةَ الجندرية بالعدالة الجرمية من جهة، وتوظيف المسيحيين المحافظين لخطاب صديق للنسوية لمعاداة العمالة الجنسية من جهة أخرى[12]. وفقًا لبيرنستين، فإن التوافق ما بين النسوية والمجموعات الدينية المحافظة على موضوع أن العمالة الجنسية هي «عبودية هذا الزمن» كان ممكنًا بسبب حدوث تحولين في كلا المعسكرين: «التحول النسوي من التركيز على الرجال الأشرار داخل المنزل إلى التركيز على الرجال الأشرار خارجه، وتحول الجيل الجديد من المسيحيين الإنجيليين من التركيز على النساء غير اللائقات جنسيًا (مثلما تخبرنا مآخذهم السابقة على الإجهاض) إلى التركيز على الرجال الخطرين جنسيًّا».

شددت تلك التحليلات المختلفة على أن يمننة النسوية صارت ظاهرة عالمية، رغم تأكيدها على خصوصية السياقات التي تحدث فيها هذه اليمننة ولاحتميتها. لقد أصبح الارتباط المنتشر باطراد ما بين الثيمات النسوية والسردياتٍ المعادية للتحرر بعمق، مدعاةً للقلق بالنسبة لعددٍ متزايد من الباحثات والباحثين – النسويات بالتحديد – وفي بالمقابل، فقد حفّزتنا هذه المسألة على البحث عن الأسباب المتجذرة [لذلك الارتباط] فيما نحن نتتبع ملامح وتداعيات تلك التطورات الكبيرة. لقد هال بعض النسويات كيف تم التفريط بالنسوية لدرجة أنهن تساءلن إن كان هنالك حاجة للتخلي عن اللفظ برمّته[13]، بينما تصرّ نسويات أخريات على الضرورة الملحّة لاستعادة الجذور التحررية للمشروع النسوي، وفي الوقت نفسه، إظهار النسوية الزائفة على حقيقتها[14]. أكدت باحثات من أمثال إليزابيث بروغُل ولِنْ سيغال على الحاجة لمواجهة التعددية المتأصلة في النسوية، ومواجهة تداخل النسوية الحتمي مع نماذج سياسية أخرى، مثل الاشتراكية والليبرالية[15]. شجعتْ أنجيلا ديفز، وتشينزيا أروزا، وتيثي باتاتشاريا وبقية النسويات الداعمات لإضراب النساء في الثامن من آذار/مارس عام 2017، النساء على رفض «نسوية الاتكاء» على اعتبارها نسويةً للواحد بالمئة، وشجعتهن على العمل في المقابل من أجل نسوية عالمية حقيقية تمثل الـ99 بالمئة وصراعها من أجل العدالة الاجتماعية[16]. تقدم جوديث بتلر أيضًا بديلًا آخرًا، بانية على مفهوم الهشاشة (precariousness) الذي يصف وضعية اجتماعية واقتصادية عابرة للمطالب الهوياتية. يمكّننا مفهوم الهشاشة، بالنسبة لبتلر، من التفكير بسياسات تحالفية تحاول تحدي الأدوات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية التي تنتج التوزيع غير المتكافئ للهشاشة في المقام الأول[17].

مع ذلك، يساعد هذا العرض، الموجز والمجتزأ كما تقتضي الحاجة، على إظهار حيوية السجال الذي ولّده تداخل النسوية مع مشاريع غير-تحررية في السنوات الأخيرة. في الواقع، فإن يمننة النسوية ساعدت على توليد حوار نسوي نشط، محفّزة، أو ربما ملهمة، محاولات من قبل نسويات من مختلف التيارات لاستعادة وإعادة توجيه النسوية نحو رؤية مصاغة حديثًا للعدالة الاجتماعية؛ رؤية تحمل في طياتها وعد «الثورة الأطول». بالتالي فإن «تصويب النسوية»، يشير إلى الطرق المحتملة لكتابة، أو إعادة كتابة، النسوية في هذا العصر النيوليبرالي والسلطوي.

احتواءات، وتداخلات، وتوظيفات؟

كما يطرح القسم السابق، فإن العقد الفائت شهد وفرة من المداخلات؛ مقالات ونقاشات تحاول تفسير الرابط الغريب بين النسوية والسياسات اليمينية والنيوليبرالية. إلا أنه بينما كتبت العديد من الباحثات عن «احتواء» أو «توظيف» الرأسمالية النيوليبرالية والأجندات القومية اليمينية للنسوية، فإننا نقترح أن هذه المفاهيم لوحدها لا يمكنها تصوير التفاعلات المعقدة والمركبة ما بين النيوليبرالية، والسياسات اليمينية مع النسوية، أو الطرق التي تنتج بها النساء أنفسهن معجمًا ورموزًا جديدة، أبلغ وصف لها بأنها تنويع جديد على النسوية، إما بما يتعلق بـ«النسوية العنصرية للغرب» أو «النسوية النيوليبرالية»[18]. من أجل فهم أعمق لهذه التداخلات، فإننا نعتقد أننا بحاجة إلى مجموعة متنوعة من الأطر المفاهيمية.

من جهة، عند الحديث عن التداخل ما بين النسوية والسياسات اليمينية الزينوفوبية، فإن النسويات والفيموقراط – أمثال بادانتير في فرنسا أو هيرسي علي في هولندا، أو مختلف الفيموقراط في العديد من دول أوروبا اللواتي دعمن حظر النقاب وغيره من الإجراءات «التحررية» إزاء النساء المسلمات – اللواتي تقاربت حججهن مع الأحزاب القومية اليمينية في الحملات المعادية للإسلام، لا يمكن القول ببساطة إنهن «استُخدمن كأداة» من قِبل هذه الأحزاب. بعبارة أخرى، رغم أن التكتلات السياسية اليمينية قد استولت بانتهازية على النسوية – باعتبارها الفكرة العامة لتحرير النساء من الأبوية – في صراعها ضد الآخَر الذكر المسلم وغير الأوروبي، فإن هؤلاء النسويات والفيموقراط اللواتي دعمن علنًا سياسات تضطهد ممارسات المسلمين الدينية والاجتماعية باسم العدالة الجندرية لا يمكن اعتبارهن فاعلات سياسيات ساذجات. بدلًا من ذلك، يجب اعتبارهن ذواتًا سياسية تستوحي مواقفها المعادية للإسلام من نماذج نظرية محددة، وتحرك هذه المواقف أهدافٌ ودوافع ثابتة. لقد وضحنا في مكان آخر كيف أن بعض النسويات ومؤسسات المساواة الجندرية الرسمية قد دعمن وانخرطن في إنفاذ برامج تدّعي المساعدة في تحرير النساء المهاجرات والمسلمات، بينما هي تحصرهن في العمل في قطاع الرعاية الصحية والمنازل مقابل أجور منخفضة جدًا[19]. بالتالي، فإننا نشهد تناقضًا عميقًا يتمثل في حث النسويات والفيموقراط للنساء المسلمات والمهاجرات غير الغربيات على تحرير أنفسهن، بينما تُوَجهنَهنّ نحو المجال الذي حاولت الحركة النسوية تاريخيًا تحرير النساء منه (وظائف منزلية هشة [غير ثابتة] وبأجور منخفضة). هذا التناقض لم ينتج عن كون النسويات والفيموقراط قد «استُخدمن» من قبل سياسات تمييزية وزينوفوبية، وإنما عن تاريخ مركّب عمل فيه المنظور الغربي العنصري، الذي تقاطع مع التزوير والوصم التاريخيين لإعادة الإنتاج الاجتماعي في ظل الرأسمالية، على تشكيل النسويات والفيموقراط أنفسهن. بعبارة أخرى، فإن تبني العديد من النسويات الأوروبيات (غالبًا بشكل لا واعٍ) لسلوك متمركز غربيًا نحو نساء جنوب العالم قد أدى إلى تكريس ما يُزعم أنه رجعية النساء غير الأوروبيات ووضعهن غير المتحرر، كما قادهن كذلك للتعامي (أو الصمت) عن حقيقة أن الحال انتهى بالنساء غير الغربيات لتأدية كل الأعمال داخل ما يسمى باقتصاد إعادة الإنتاج الاجتماعي الذي سلعته النيوليبرالية وساهمت في تحويله إلى أنشطة مُعنصَرة (ومُؤنثة) بشدة.

ارتباط النسوية مع سياسات رجعية بحاجة لأن يُفهم على أنه عَرَضٌ لذهنية عنصرية غربية تصوَّر المرء غير الأوروبي على أنه أدنى مرتبةً من حيث الجوهر

من جهة أخرى، بالنسبة للتداخل ما بين النسوية والنيوليبرالية، فإنه لا يمكن اختزال هذا التداخل بالقول إن الرأسمالية النيوليبرالية ببساطة دمجت اللغة النسوية من أجل تعزيز تراكم رأس المال، وأن هذا الدمج يسّره تخلي النسويات عن النقد المادي. فالنيوليبرالية كعقلانية سياسية قد احتلت المزيد والمزيد من مجالات حياتنا، مشكّلةً الطريقة التي نفكر، ونتصرف، ونشتهي بها. كنظام مهيمن للقيم والحقائق، فإن العقلانية النيوليبرالية تعرّف وتعيد تشكيل جميع عناصر المجتمع في نموذج بزنس معاصر تكمن الأمولة (financialisation) في صميمه، منتجةً بالتالي تنويعًا جديدًا على النسوية.

ومع ذلك، بينما يمكن ببساطة أن تُعتبر النسوية النيوليبرالية مجرّد مجالٍ آخرَ احتلّته النيوليبراليّة، فإننا نحاجج بأنها في الوقت ذاته تخدم أغراض ثقافيّة بعينها ودون غيرها. أولًا، من خلال توظيف النسوية النيوليبرالية للخطاب الليبرالي وإفراغها له من معناها في الوقت ذاته، فإنها تقتل قدرة النسوية الليبرالية السائدة على الإشارة إلى التناقضات البنيوية داخل الديمقراطية الليبرالية (وإعلانها للحقوق العالمية والمساواة). وبهذه الطريقة، فإن النسوية النيوليبرالية تُرسّخ العقلية النيوليبرالية بقوّة، وكذلك المنطق الإمبريالي الغربي. إلا أن ما يدعو للخوف أكثر، هو أن هذا النوع من النسوية يساعد على إنتاج نوع محدد من الذات النسوية. فباستخدام مصطلحات ليبرالية محورية، مثل المساواة، والفرص، والاختيار الحر، في وقت يتمّ فيه تفريغ هذه المصطلحات واستبدال محتواها، تخلق النسوية النيوليبرالية ذاتًا نسوية ليست فردانية فحسب وإنما ريادية، بمعنى أنها مُوجهة نحو تحقيق أقصى استفادة من مواردها من خلال التخطيط المتواصل، والمبادرة الشخصية، والابتكار. وبالتالي، تُقدَّم الحلول الفردية الإبداعية على أنها نسوية وتقدمية، حيث يصير ضبط التوازن السليم ما بين الأسرة والعمل المهمة الرئيسية. بالتالي، فإنّه لا يُعترف باللامساواة بين الرجال والنساء إلا ليتم التنصل منه [لاحقًا]، في حين تعاد صياغة سؤال العدالة الاجتماعية بتعابير شخصية مفتتة.

ثانيًا، ولعلّه الأهم، فإننا نحاجج أن النيوليبرالية قد «تحتاج» النسوية حتى تحلّ – على الأقل مؤقتًا – واحدة من توتراتها الداخلية فيما يتعلق بالجندر. فباعتبارها نظاما اقتصاديًّا، تعتمد النيوليبرالية على التكاثر [أي إعادة الإنتاج الاجتماعي] وأعمال الرعاية حتى تعيد إنتاج رأس المال البشري وتحافظ عليه. ومن ناحية أخرى، باعتبارها عقلانية سياسية – وعلى عكس الليبرالية – فإنه ليس للنيوليبرالية معجم قادر على الاعتراف بالتكاثر وأعمال الرعاية، ناهيك عن تقديرها. كل شيء، حتى خيالنا السياسي، يُختزل إلى حسابات ربح وخسارة. وهذا لا يرجع فقط إلى أن البشر يتمّ تحويلهم بصورة متزايدة إلى رأس مال بشري عمومي (حيث يتم التنصل من الجندر على الأقل ظاهريًا)، بل أيضًا لأنّ تقسيم المجالات العامة والخاصة – وهو ما يرتكز إليه الفكر الليبرالي والتقسيم الجنسي التقليدي للعمل – يتآكل مع تحوّل كل شيء إلى رأس مالٍ ومع تسلل عقلانية السوق إلى جميع مجالات الحياة، بما في ذلك أكثرها خصوصية.

بالتالي، فإن النسوية النيوليبرالية تشتغل، على الأقل في الوقت الحالي، كخطوة للوراء نحو تحول النساء المتعلمات والصاعدات في السلّم الاجتماعي إلى رأسمال بشري عمومي. من خلال الإبقاء على التكاثر كجزء من المسار المعياري الذي تطمح له النساء، وموضعة التوازن كإطار معياري وغاية نهائية لهذا التكاثر، فإن النسوية النيوليبرالية تساعد، بعكس التوقعات، على تكريس كون مسؤولية التكاثر تقع مباشرة على عاتق المرأة. بما أن النساء الملوّنات، والفقيرات، والمهاجرات، يعملن في معظم الأحيان كعاملات رعاية غير معتَرفٍ بهنّ، يمَكِّنَّ النساء المهنيات من السعي نحو «التوازن» في حياتهن، فإن النسوية النيوليبرالية تساعد على إنتاج وشرعنة استغلال تلك الذات الأنثوية «الأخرى» بينما تستأصل في الوقت نفسه تلك المفردات التي يمكن استخدامها من أجل مساءلة التفاوتات البنيوية المهولة. بالتالي، لا تتخلى النسوية النيوليبرالية فقط عن معظم النساء بتقسيمها للذات الأنثوية، بل تساعد أيضًا على خلق أشكال جديدة مقوّاة من الاستغلال الجندري ذي الأساس العنصري والطبقي، الذي يشكّل أكثر فأكثر البنية التحتية غير المرئية، والضرورية رغم ذلك، لنظامنا النيوليبرالي.

ختامًا، رغم أن صعود النسوية العنصرية الغربية والنسوية النيوليبرالية يعد ظاهرة متنوعة، يجدر تحليلها ضمن السياقات المحددة التي وقعت بها، إلا أننا نحاجج أنه بإيلاء الاهتمام للذوات المحددة التي تشملها هذه الأشكال من النسوية وللمعجم التي تستوحيه، باستطاعتنا تكوين فهم أساسي للطرق التي أدت بالنسوية، كوعد تحرري، للتداخل مع آخريها «الأعداء» بأشكال مختلفة. ونعتقد أنه من الضروري تحليل تلك الاصطفافات ليس فقط بتناول تمظهراتها الملموسة، بل أيضًا بمحاولة فهم التاريخ الأطول، والمسارات، والعقلانيات التي يسّرت حدوثها.

  • الهوامش والمراجع

    *مجاز يعبّر حرفيًا عن الاتكاء أو الانحناء على المكتب والعمل بجدّ لتحصيل مردود مادي وتطور في مجال العمل للنساء.

    **رُهاب الأجانب.

    ***حملة لتمرير قانون يسمح للمواطنين الأمريكيين بمقاضاة المواقع الإلكترونية التي تنشر محتوى متعلق بالاتجار الجنسي، والذي يعرَّف على أنه الاتجار بالبشر لغايات جنسية.

     [1]قالت لو بين، في معرض سؤالها إن كانت تعرّف نفسها كنسوية، أنها تستطيع اعتبار نفسها كذلك لدرجة أنها تدافع عن حقوق النساء المهدّدة من قِبل الإسلام. F. Scrinzi, A new French National Front، يُنشر قريبًا. [منشور هنا].

    [2]انظر:

    Angela McRobbie, ‘Notes on the Perfect’, Australian Feminist Studies, 30.83, 2015, pp3-20; Catherine Rottenberg, ‘Neoliberal Feminism and the Future of Human Capital’ Signs 42.2, 2017, pp329-348; Rosalind Gill and Shani Orgad ‘The Confidence Cult[ure]’, Australian Feminist Studies, 30.86, 2015, pp324- 344.

    [3] Catherine Rottenberg, ‘Happiness and the liberal imagination: How superwoman became balanced’, Feminist Studies, 40.1, 2014, pp144-169.

    [4]لم تعرّف أوريانا فالاتشي نفسها كنسوية، بالرغم من أنها كانت تنتمي للنسوية الليبرالية بسبب دعمها لنضالات الإجهاض والطلاق في السبعينيات.

    [5] Sara R. Farris, In the Name of Women’s RightsThe Rise of Femonationalism, Durham, Duke University Press 2017. Hereafter In the Name of Women’s Rights.

    [6] Hester Eisenstein, ‘A Dangerous Liaison? Feminism and Corporate Globalization’, Science and Society, 69(3), pp487-518, p488.

    [7] Nancy Fraser, ‘Feminism, Capitalism and the Cunning of History’, New Left Review, 56, 2009, pp97-117.

    [8] انظر

    Nanette Funk, ‘Contra Fraser on Feminism and Neoliberalism’, Hypatia, 28(1), 2013, pp179-196; Brenna Bhandar and Denise Ferreira Da Silva, ‘White Feminist Fatigue Syndrome’, Critical Legal Thinking, 2013 (available at: http:// criticallegalthinking. com/2013/10/21/ white-feministfatigue-syndrome/); Özlem Aslan and Zeynep Gambetti, ‘Provincializing Fraser’s History: Feminism and Neoliberalism Revisited’, History of the Present, 1(1), 2011, pp130-147.

    [9]انظر

    Angela McRobbie, ‘Feminism, the Family and the New ‘Mediated’ Maternalism’, New Formations, 80-81, 2013, pp119-137

    [10] Catherine Rottenberg, ‘The Rise of Neoliberal Feminism’, Cultural Studies 28, 2014, pp418-437.

    [11] Elizabeth Prügl, ‘Neoliberalising feminism’, International Feminist Journal of Politics, 20, 4, (2015), 614-631, p622.

    [12] Elizabeth Bernstein, Temporarily Yours: Intimacy, Authenticity, and the Commerce of Sex, Chicago, University of Chicago Press, 2007.

    [13] Nina Power, One Dimensional Woman, Ropley, Zero Books 2009.

    [14] Angela McRobbie, The Aftermath of Feminism: Gender, Culture and Social Change, London, Sage 2009.

    [15] ‘Neoliberalising Feminism’. Lynne Segal, Making Trouble, London, Verso 2017.

    [16] انظر المقالة في هذا الرابط.

    [17] Judith Butler, Notes Toward a Peformative Theory of Assembly, Cambridge, Harvard University Press 2015.

    [18] انظر على سبيل المثال:

    Liz Fekete, ‘Enlightened Fundamentalism? Immigration, Feminism and the Right’. Race & Class, 48, 2006, pp1-22.

    [19] انظر أيضا

    Katherine M. Kirk and Semin Suvarieriol, ‘Emancipating Migrant Women? Gendered Civic Integration in The Netherlands’, Social Politics, 21(2), pp241-260.

     

    [أ]المساواة في الحقوق، والتحرير، والعدالة الاجتماعية. بدلًا من هذه المصطلحات، ظهرت بتسارع مفردات نسوية جديدة، تضمنت أفكارًا من مثل السعادة، والمسؤولية، والاتكاء.

    [ب]خلال الألفينات، أطلقتْ مجموعة من النسويات المشهورات عالميًّا ونساء [يعملنَ] في مؤسسات المساواة الجندرية الرسمية (أو من يُعرفن بالفيموقراط)، الشرارةَ الأولى لجبهة نسوية غير متجانسة معادية للإسلام، تُظهر الذكورية والأبوية على أنها مجالات يحتكرها تقريبًا الآخر المسلم.

     [ج]ارتباط النسوية مع سياسات رجعية بحاجة لأن يُفهم على أنه عَرَضٌ لذهنية عنصرية غربية تصوَّر المرء غير الأوروبي على أنه أدنى مرتبةً من حيث الجوهر