يوم أسقطنا ال التعريف: رسالة في انهيارات المعنى

الخميس 03 كانون الأول 2015

بقلم طارق خميس

(نشرت هذه المادة في مدونة الكاتب)

 أكتب لك وأنت تقف على عتبة العشرينيات من العمر فيما أنا أستعد لمغادرتها، ولو تخيلناها كبيت نسكنه وفرضنا أنّ ثمّة حوارًا سيجري بين المغادرين والداخلين لهذه العشرينيات، فإنّه غالبًا سيكون حديثًا عن بيت أخر، لذلك لا فائدة تُرجى من الحديث عن شبابيك البيت أو جدرانه لأنها غالبًا لم تعد هي، كما أنّه لا فائدة من التعامل مع الكلام كخريطة طريق لأنه ضد الخريطة بعد أن خَبَر مَكر الطريق؛ لكن ثمة نقاشات أُطلقت حول مواقد البيت أو في قلبها ولعلنا نتشارك الحديث عنها في هذه الرسائل.

التساؤل عن المعنى؟

يبدو يا صديقي سؤال المعنى أمّ الأسئلة، سؤال لا يكفي أنّ نجيب عليه مرّة واحدة، ليس فقط لأن معاني الأشياء تتغير؛ بل لأنه لا يكف عن طرح نفسه عليك كلما جاوبته أكثر، تقول: إنّ معنى ما أقوم به يكمن في «كذا» لكن هذا «الكذا» ما معناه؟ وباستمرار الإحالات إلى الما بعد تفلت منك الدلالة النهائية للأشياء، وتجد نفسك عاجزًا عن الإمساك بجملةٍ واحدةٍ تدفعك للعمل أو الاستمرار.

إنك تعلم أنّ الأمر لم يكن كذلك فيما مضى، لقد كنا نملك معنىً لكل شيء في يوم ما، إنّ أعمالنا من أكثرها تواضعًا إلى أشدها خطرًا كانت محاطة بالمعنى؛ من دخول الحمام بالقدم اليسرى وحتى الموت، كل شيء يكتسب معناه من اقتراحٍ مسبق حسمه الدين أو تكفّلت به «الأيديولوجيا الممتلئة». أذكر أنني عندما كنت أعلّق مجلة الحائط في المسجد، كان يفرحني تجمّع الناس حولها للقراءة، ولكنّ هذا نادرًا ما كان يحدث، ومع ذلك كنت استمر في تجديد موادها أسبوعيًا لأنني أعلم أنه إن لم يقرأها الناس، فإن الملائكة ستفعل، وستخبر الله.

يبدو يا صديقي سؤال المعنى أمّ الأسئلة، سؤال لا يكفي أنّ نجيب عليه مرّة واحدة، ليس فقط لأن معاني الأشياء تتغير؛ بل لأنه لا يكف عن طرح نفسه عليك كلما جاوبته أكثر

كنا نستخدم «ال» التعريف بكل ثقة، نلحقها بالأشياء التي نحبها وبالأشياء التي نكرهها بكل بساطة، نقول إنّ هذه «الحقيقة» وهذا «الشر» وهذا «الطريق» وهذا «الضلال». معاركنا، والتي كنا مستعدين أن نُتبعها حياتنا بأكملها، كانت صراعًا يتكىء على «ال» التعريف، والباقي تفاصيل.

لقد كان التاريخ، بما يعنيه من تدفق كبير، في متناول يدنا، أصغر حصاة نلقيها فيه لها قيمة ما. وكنا نطلق على المعرفة والقراءة اسم «العلم»، وهي كلمة تتصل بتراث ضخم من الذين تعاطوا المعرفة كممارسة تعبديّة، داخل مشروع أكبر يسبغ المعاني على الأشياء كلها. لاحقًا صرنا نسمي ما نقوم به «ثقافة» وهي كلمة مشبوهة، تحيل لنقاشات لا تنتهي عن المثقفين ودورهم وعلاقتهم بالسلطة، ونبغي بها وجه أشياء كثيرة لا نعرف ملامحها على وجه الدقة.

ولكن، هل هذا حنينٌ لماضي البراءة الذي يصفه بدقة صلاح عبد الصبور في قصيدته «أحلام الفارس القديم» حين يقول:

أُعطيكَ ما أعطتنيَ الدنيا من التجريب والمهارة

لقاءَ يومٍ واحدٍ من البكارة.

إنّ الأمر يشبه اعتراضنا على المشي؛ وكأنه كان بمستطاعنا أن نبقى محمولين بين ذراعي آبائنا، طالما انطلق التساؤل عن الأشياء؛ فإنّ العودة للحظة ما قبل السؤال هي حنين طفولي يفيد تمارين الاسترخاء، لكنه لا يصلح مع تمارين الفكر.

الأيديولوجيا الممتلئة تفكير مريح لاشك، لكنه تفكير كَفّ عن ممارسة وظيفته، إنها تمنح كل الأشياء معنى ولكنها تنسى أن تمنحك أنت بذاتك معنى، لا تكتسب قيمتك الذاتية إلا بمقادر انخراطك في منظومتها الخاصة للإجابات، لكنّ المعنى الكامن خلف وجودك أنت بالذات يبدو هشًا؛ لأنه لا يقوم بشروط حياته من داخله. إنّ مسألة وجودك الخاص هي مسألة غير مطروحة في أفق الأيديولوجيات الممتلئة حيث جرى ترتيب كل شيء قبل ولادتك وعليك استهلاك ما هو متاح في حدود قدرتك.

ألا يُعدّ ذلك لقاءً بالعدمية في حديقتها الخلفية؟ يبدو الأمر كما لو أنّه إذا لم يكن من معنى شامل وكبير فإنّ لا شيء يمكنه أن يكتسب معنى، وهنا وجه الاتفاق مع العدمية، حيث لا شيء فيما يبدو أمامك يصلح لأن تعقد معه صفقة ذات معنى؛ لأنّ المعاني في الخارج وما علينا سوى استضافتها بدلًا من اكتشافها.

هل سقطت «ال» التعريف؟

ولكن هل الخروج من أفق محُمّل بالإجابات إلى أفق مفتوح على الأسئلة، كان كفيلًا بتحررنا من الجاهز نحو اكتشاف أفقنا الخاص؟

الذي حدث هو أننا بتنا نتحدث بدون «ال» التعريف هذا صحيح؛ وأخذنا نتحدث، دون أن ندري، بقوة «ال» التعريف لكن منزوعة العزاء، لقد استغرقنا وقتٌ لنكتشف أنّ حتى أشد العلوم والمعارف تحررًا من الدين؛ هي سلفيّات أقلّ شيوعًا، وما دام الأمر كذلك فما الذي يجعل سلفيةً ما متفوقة على سلفية أخرى؟ هل الأمر أنّ لكل زمن سلفيته؟ وإن كانت نصوص الدين والأيديولوجيا الممتلئة تليق بعصر قد مضى فإنّ العلم الحديث هو الأيدولوجيا الممتلئة لهذا العصر. إننا نؤمن بالعلم لدرجة أننا نأخذه كما كنا نأخذ الحديث من الرواة . هل فحص أحدنا بنفسه الأحافير التي تدعم «التطور»، على سبيل المثال، نحن لم نفعل ذلك بأنفسنا بالطبع، لكننا صدقناها لأنها نُقلت عن «جمع يؤمن تواطؤهم على كذب».

وخذ الفلسفة كمثال آخر: هل تفكيرنا الفلسفي دفع بنفسه خارج ما خطته اليونان من أسئلة وطريقة إجابة؟ إن الفلاسفة يعودون لأرسطو أكثر مما يفعل السلفي مع الحديث النبوي.

حتى أشد العلوم والمعارف تحررًا من الدين؛ هي سلفيّات أقلّ شيوعًا، وما دام الأمر كذلك فما الذي يجعل سلفيةً ما متفوقة على سلفية أخرى؟

هناك فروق جوهرية بين هذه «العودات» هذا صحيح، لكنها في المحصلة عودات وليست قفزًا للأمام لأفق من حرية التفكير بدون أقواس. إنها ليست ولوجًا لنقطة هناك في العمق الإنساني جرى تخيلها سابقًا لتبرر تحررنا مما سبق، وكأن هذا القرن قام ببيعنا كؤوسًا جديدة لذات الخمر القديم. حتى المعارضات داخل حقل التفكير محكومة بأفق نفي ما هو معروض عليها، فلكي تقول أن هذه الفكرة خاطئة تحتاج لسوق البراهين على ادعائك وهي براهين تشتق من داخل اللغة الفلسفية نفسها، ثم تجد نفسك متخذًا لموقع داخل الفلسفة بلغة اقترحتها عليك مسبقًا، وبذلك جرى تحديد أفق معارضتك مع ادعاء لا بأس به من التجديد، ولعلي أعود إلى ذلك باستفاضة في الرسائل القادمة.

ويبقى السؤال: هل ثمة اقتراح بتفضيل عودة على أخرى؟ بالطبع لا أملك هكذا إجابة. ولكن خلال سعينا لتركيب المعنى ربما سنلاحظ أنه ليس ثمة تحرر من التلفّت إلى الخلف ولكنّ التحرر من أيديولوجية ثنائية الوراء والأمام هدف ما أقوله هنا، إنّ الزمن في هذا الاقتراح يبدو لك أفقيّ الصيغة –لا عموديًا– لوالتفكير فيه هو جزء من وجودك ذاته في هذا العالم، جزء من خيارات أخرى ليس من ضمنها الوفاء للمعرفة نفسها، وكأنّك تمارس العبور نحو داخلك هناك حيث قتالك عن جوهر لا تعرف عنه شيئًا لكنك تعرفه حقّ المعرفة، وتنطلق في الخارج نحو أعداء تعرفهم بوضوح وأصدقاء تكتسبهم أو تخسرهم باستمرار، وبموازاة كل ذلك تبني معرفتك كما تشحذ سيفك؛ من مواجهات تعرفها لمواجهات تجهلها. إنّها في أحسن أحوالها أدوات لرؤية الوجود، كيف هكذا فجأة تحوّلت للوجود نفسه؟

فتنة التساؤل

ما الذي تعد به هذه المراسلات؟ واحدة من تقليعات هذا العصر «كليشيه» يجري ترداده من دون أيما فحص وهو أن الأسئلة أهم من الإجابات، دعني أوافق على ذلك جزئيًا؛ ولكن لنتخيل أنّ صديقًا لك يطرح بيأس سؤالًا عن المعنى وهو الآن يُمسك بسكين حاد ويفصله عن شرايين معصمه مُدّة جملة واحدة، بالطبع لن تكون هذه الجملة سؤالًا آخرًا، ينسحب هذا على مجمل مشكلاتنا السياسية والاجتماعية: كيف علينا هزيمة عدونا؟ كيف يمكن تأمين مأوى لتلك العائلة التي لم تعد تملك بيتًا؟ وهكذا. دعنا نقل أنّ هذه الأسئلة أهم من الإجابات عليها وانظر أيُّ نكتة لا تُضحك ستنتج عن ذلك.

ولكن مع كل هذا ليس في المراسلات هذه ما يرقى لجواب أو يكتفي بسؤال، ربما لأنّ الإجابات تشتق من التجربة اليومية نفسها لا من الكلمات، أو ربما لأنّ هذه المراسلات انطلقت بما يشبه السؤال عن الأحوال والفضفضة عن حقبة خلت. لا أدري على وجه الدقة، ولكنّك تعرف أنّني لو دقّقت في الكلمات أكثر فلن أقوم بكتابتها.