«راح البيت»: قصص منكوبي الجوفة

ناصر الحاج يقف على أنقاض منزله المنهار في جبل الجوفة في عمّان. تصوير حسام دعنة.

«راح البيت»: قصص منكوبي الجوفة

الإثنين 06 شباط 2017

تبيت عشرات العائلات من جبل الجوفة خارج بيوتها منذ أكثر من عشرة أيامٍ، بعد أن انهارت بناية سكنية في الجبل الواقع شرقيّ العاصمة عصر الخميس، 19 كانون الثاني الفائت، لتليها بنايتان مجاورتان صبيحة يوم الجمعة التالي.

بحسب تقارير غطّت حادثة الانهيار، أخلت الأجهزة المعنية حوالي 52 عائلةً، أي ما مجموعه 326 فردًا من البيوت التي انهارت وتلك التي تواجه الخطر ذاته خوفًا على سلامة السكّان. وبينما لا تزال أسباب الانهيار غير معلنةٍ رسميًا، يلوم السكّان الذين التقتهم حبر أمانة عمان الكبرى وسلطة المياه اللتين لم تعملا على صيانة شبكة الصرف الصحي منذ مدّها في أوائل الثمانينيات، وتركتا بيوتهم تغرق في مياه الصرف الصحي حتى وصلت إلى أساسات الأبنية، بينما يقول مسؤولون في الأمانة أن البناء تم بطريقةٍ عشوائيةٍ دون الالتزام بأحكام وتشريعات الأبنية.

التقت حبر بعض هذه العائلات في الشقق الفندقية التي استأجرتها لهم وزارة التنمية الاجتماعية حتى السادس من شباط الجاري، وتحدّثت أيضًا مع آخرين عند موقع الانهيار يرفضون مغادرته إلى حين إزالة الأنقاض وإعادة بناء البيوت.

مشاهد من جبل الجوفة، شرق عمّان، تظهر بعض المباني المنهارة والمخلاة.

رضا جبر

عندما انتقلت المسنّة رضا جبر إلى الجوفة، سكنت وزوجها في موقع أولى البنايات المنهارة في بيت «طين وزينكو» قبل أن تبدأ العائلة بتعمير البيت في أواخر السبعينيات من القرن الفائت.

تقول رضا أن بناء البيت لم يكُن سهلًا، فقد استنفد قدرات العائلة المادية والبدنية. كان زوجها عاملًا في أمانة عمّان، ويتقاضى، حينها، راتبًا لا يتجاوز 150 دينارًا، ويدّخر جزءًا منه للبناء، ويستدينون «من هان ومن هان لمّن جمعناهم.. وهيّو راح البيت».

تستذكر رضا أنها كانت تقف وحدها تشرف على عمّال البناء وتطعم وتسقي، وتحمل «والله زي الزلام»، حتى أُنجز هذا البيت الذي آواها هي وزوجها وأبناؤها السبعة وبناتها الاثنتين. بعد أن كبر أبناؤها، الذين أكملوا جميعهم تعليمهم الجامعي لإصرارها على تعليمهم حتى في ظل ضيق ذات اليد، واصلت العائلة بناء الطوابق العلوية، وهو ما تؤكد أنه تم بـ«رخصة، مش يعني هيلمة!».

لطالما اشتكى سكّان البناية من الصرف الصحيّ، وكان الوضع سيئًا إلى حد لا يُطاق، حتى أن مياه الصرف الصحي كانت تملأ مطبخ أحد أبنائها من دون أن يتحرّك أحد لصيانتها، وهو برأيها ما قاد لانهيار البيت. أُبلغت رضا أن عليها وعائلتها إخلاء الشقّة الفندقية بحلول يوم السادس من شباط الجاري، ولكنها لا تنفك تسأل: «طب.. وين نروح؟ عنا ختيار مش قادر يقوم، ما صدقت وصّلته لهون!».

رضا جبر في الشقة الفندقية التي تبيت فيها مؤقتًا بعد انهيار بيتها، والكرسي المتحرك الذي يستخدمه زوجها.

ناصر الحاج

يرفض ناصر الحاج، وهو ابن رضا جبر، المبيت في الشقق الفندقية، ويصرّ على النوم في مخزن يملكه ابن عمه مقابل البناية المنهارة، ليبقى ساهرًا على حماية ممتلكات العائلات التي لا تزال تحت الأنقاض منذ حادثة الانهيار.

يقول ناصر، الأب لـ«خمس بنات متزوجات وثلاث ولاد»، المتقاعد من أمانة عمّان، إن هناك سيارة أمن متواجدة في الموقع، ولكن هناك «أكثر من مدخل.. وإحنا ما بدنا حد ينزل لا سمح الله يقع عليه إشي». بيد أنه هو ذاته غامر، على حد تعبيره، ونزل يبحث بين الأنقاض على الأوراق الرسمية التي تثبت أن بناية العائلة مرخصة، ولها مخطط هندسي، وطابو وإذن إشغال، ليردّ على من يزعم أنها بلا رخص.

وُلد ناصر عام 1966 في بيت يقع في موقع البناية نفسه، ويستذكر أن عائلته بدأت ببناء الطابق الأرضي منها، ثم جاء مندوبون عن المؤسسة العامة للإسكان والتطوير الحضري فاشتروا المتر بـ21 دينارًا وأخذوا «طابو من دائرة الأراضي». بعد زواجه، أقام ناصر في أحد طوابق البناية، وظل يعيش فيها هو وزوجته وأبناؤه الثلاثة حتى انهيارها قبل أسابيع.

منزل ناصر المنهار.

بحسب وصف ناصر، لم يلاحظ أحد اقتراب انهيار البناية إلا قبل انهيارها بساعتين، حيث «كان في إشي بيتكتك وبيرمي تراب. في مهندس ابن خالي هون ساكن في المنطقة، إجا وإجا معه متعهد بناء، قالوا هذا البيت بده يقع».

لم تصمد البناية بعد تلك اللحظة أكثر من ساعتين. يقول ناصر: «كرم من رب العباد ما إجت بالليل (..) لو إجت بالليل ما حد بيعرف». الخطوة العاجلة التي يجب اتخاذها الآن برأيه هي إزالة الأنقاض التي لا تزال مكانها منذ الحادثة، إذ قيل لهم أن الأمانة تخشى انهيار الشارع إن حاولت الآليات الدخول إليه، ولكنّه يعي أن الحل سيستغرق وقتًا طويلًا من الناحية الواقعية، فيقول: «أنا من البداية حكيت لهم مشوارنا طويل (..) كنت موظف بالأمانة وعارف شو الآليات وشو الإجراءات (..) مشوارنا طويل!».

تمام جبر

عندما تزوّجت تمام جبر، وهي أخت رضا، انتقلت إلى بيت «زينكو» في الموقع نفسه. كان زوجها يعمل في بداية حياتهما معًا في جهاز الشرطة، قبل أن ينتقل إلى العمل في قطاع الإنشاءات.

في هذه الأثناء، كان زوجها أيضًا يدرس اللغة الإنجليزية، ثم درس المحاماة في جامعة بيروت بالانتساب، فـ«بقى يدرس هان ويروح يقدّم امتحانات». انتقلت العائلة إلى عُمان في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حيث عمل زوج تمام مدرّسًا للغة الإنجليزية هناك، وبدآ معًا مشوار الادخار وتعمير البيت.

تقول تمام، وهي أم لخمسة أبناء وثلاث بنات، إنهم كانوا يزورون عمّان بين الحين والآخر، ويرسلون ما يدّخرون لشقيق زوجها الذي كان يشرف على البناء في الجوفة، فكان هذا البيت خلاصة «غربتنا في عُمان». بنت العائلة الطوابق العلوية واحدًا تلو الآخر لتأوي الأبناء والبنات الذين تزوجوا واستقلوا مع عائلاتهم فيها.

بحسب تمام، اضطرت العائلة إلى إخراج ابنتها التي كانت تسكن في «الطابق التحتاني» بسبب الصرف الصحي، ولم يتمكنوا من تأجير ذاك الطابق بعدها للسبب ذاته، لكن لم يخيّل لهم إطلاقًا أن البيت سينهار بالكامل.

عند مغادرة منزلها، لم تأخذ تمام معها شيئًا سوى أوراق ابنها الذي يحتاج إلى غسيل الكلى، ودفتر العائلة والهوية، وهي، أيضًا، لا تعلم أين ستذهب بعد إخلاء الشقق الفندقية، والأنقاض ما زالت على حالها.

تمام (يمين) مع شقيقتها رضا في شقة فندية تقيم فيها منذ انهيار بيتها.

هيثم رمضان

عاد هيثم رمضان، وهو من أبناء تمام جبر، من عُمان إلى الأردن في عام 1989 ليكمل دراسته بعد أن اجتاز امتحان الثانوية العامة بنجاح، ولا يزال يعمل حتى هذا اليوم مدرّسًا للغة الإنجليزية في مدرسة حكومية في جبل الجوفة.

عام 1997، تزوّج هيثم وسكن الطابق الأرضي من العمارة، وظل يسكن تلك الشقة مع زوجته وأبنائه الستة وبناته الأربع، وأصغرهن لم تكمل عامها الأول بعد. يقول هيثم أنه استيقظ متأخرًا يوم انهيار بناية خالته، وسمع صوتًا مدويًا، فأرسل ابنه الوحيد الذي كان معه حينها في المنزل ليستفسر عن مصدر الصوت.

ما هي إلا دقائق حتى بدأت عملية الإخلاء، ومن حسن حظه أن زوجته وبقية أبنائه وبناته كانوا جميعًا في زيارة لدى عائلة زوجته، ولكنه تسلّم مهمة إخراج بقية أفراد العائلة والأطفال من العمارة. لم يأخذ هيثم من البيت سوى «الشنتة الدبلوماسية وشنتة اللابتوب، يعني هي اللي أقدر أحملها».

«وقعت دارنا صباح الجمعة»، يقول هيثم. «كانوا بدهم يحطّونا في مدارس وجمعيات، بس بصيرش زلام ونسوان مع بعض (..) بعدين جابولنا الشقق الفندقية هاي».

عند مراجعتهم لوزارة التنمية الاجتماعية لمناقشة الحلول لمشكلتهم، يقول هيثم إنهم قالوا له «إنتو عارفين موازنة البلد وما في مصاري».

هيثم (يسار)، ومعه خاله وابن خالته.

أيوب وفدوى آدم

لجأ أيوب آدم وزوجته فدوى وابنهما من إقليم دارفور بالسودان إلى الأردن قبل سنة ونصف، وأقاما منذ سنة تقريبًا في شقة مستأجرة في ثالث البنايات المنهارة.

تتقاضى العائلة راتبًا شهريًا من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالكاد يكفي لمستلزمات المعيشة والإيجار، على حد قولهم. يقول آدم، الذي يبلغ من العمر 32 عامًا، إنه يعاني من أمراض، ولكنه يخرج أحيانًا للبحث عن أعمال يومية، فيوفّق في إيجاد عمل أحيانًا، ويخيب ظنه في أحيان أخرى.

لم يكُن آدم في المنزل عند الإخلاء، فكانت زوجته ذات الواحد والعشرين عامًا وطفلهما وحدهما في الشقة عندما جاء الدفاع المدني وطلب منها إخلاء المنزل فورًا. تقول فدوى أنها لم تأخذ شيئًا من المنزل سوى الأوراق الثبوتية وجوازات السفر، «طلعنا بس بعباياتنا.. فقدنا أغراض سنة ونص».

فدوى وأيوب وابنهما.

تغييرات كثيرة ستطرأ على حياة تلك العائلات اليومية، خصوصًا وأن الفصل الدراسي الثاني لأطفالهم سيبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة، وهم ما زالوا يبحثون عن شقة للإيجار بمبلغ لا يتجاوز 150 دينارًا شهريًا، التي رصدتها لهم الحكومة، ليسكنوا فيها بشكل مؤقت بعد إخلاء الشقق الفندقية بحلول الثلاثاء القادم.

بحسب ناصر الحاج، كثيرون من أصحاب الشقق التي وجدوها رفضوا تأجير عائلات كبيرة بهذا العدد من الأفراد، بينما وصل الإيجار في أخرى إلى 250-300 دينارًا للشهر الواحد. تستقبل العائلات كل يوم أخبار جديدة عن مشكلتهم، لكن الأنقاض لا تزال تراوح مكانها.