مجزرة في جزيرة «هادئة»: قصص ست من ضحايا هجوم نيوزيلندا

تصميم بيان حبيب.

مجزرة في جزيرة «هادئة»: قصص ست من ضحايا هجوم نيوزيلندا

الثلاثاء 19 آذار 2019

ظهر الجمعة 15 آذار، كان المئات يهمّون بأداء صلاة الجمعة في مسجد النور في مدينة كرايست-تشيرش في نيوزيلندا، ولعلها كانت أحدى أول صلوات الجمعة في العالم ذلك اليوم، في تلك المدينة القصيّة شرقًا، التي تسبق توقيت عمّان بإحدى عشرة ساعة. كان المصلون مزيجًا من مسلمين نيوزيلنديين وآخرين مقيمين أو لاجئين، للكثير منهم صلات وعائلات في المنطقة العربية. من بين هؤلاء، كان هنالك أربعة مواطنين أردنيين، هم كامل درويش، وعبد الفتاح قاسم، وعطا عليان، وعلي المدني، ولاجئان سوريان هما أب وابنه، لجآ مع أسرتهم إلى الأردن قبل أن يهاجروا إلى نيوزيلندا، هما خالد وحمزة الحاج مصطفى.

هؤلاء الستة كانوا من بين الضحايا الخمسين حين دخل مسلح معادٍ للمسلمين والمهاجرين مسجد النور وفتح النار على المصلين، ناقلًا الهجوم في بث مباشر على فيسبوك، قبل أن ينتقل إلى مسجد لينوود القريب ويكمل هجومه هناك.

ما زالت تفاصيل الهجوم ونتائجه تتكشف، مع تطور حالة الجرحى الذين يقارب عددهم الأربعين، والمضي بمحاكمة المنفذ، الأسترالي برينتون تارنت. كما لم تُسلم بعد معظم الجثامين للأهالي ليدفنوها، فيما تُحضّر السلطات النيوزيلندية لإقامة مراسم دفن رسمية خلال الأسبوع الحالي.

هذه قصص هؤلاء الضحايا الستة، الذين سكنوا هم أو عائلاتهم في الأردن في مراحل مختلفة، واستقروا في نيوزيلندا آملين بناء حياتهم هناك.

ريم المصري وعمر فارس

كان كامل ينتظر إجازته نهاية كل أسبوعين ليزور أخاه زهير في مدينة كرايست-تشيرش التي تبعد ساعتين عن المزرعة التي يعمل فيها منذ خمسة أشهر. ليس هناك مساجد في القرية التي كان كامل يُقيم فيها، لذا حرص في إجازته على أن يستغل وجود المساجد في كرايست-تشيرش لحضور صلاة الجمعة. آخر هذه الصلوات كانت في مسجد النور الذي استشهد فيه يوم الجمعة الماضي.

كان كامل (38 سنة) يقيم في السعودية منذ سنوات حين تقدم بطلب تأشيرة لزيارة نيوزيلندا، وحصل عليها بسهولة. فانتقل إلى هناك قبل ستة أشهر، وفي غضون شهر من وصوله، وجد عملًا في مزرعة أبقار، واستصدر تصريح عمل مكنه من المُضي بمُعاملات استقدام زوجته، رنا، وأطفاله الثلاثة محمد (8 سنوات) ولين (ست سنوات) وأحمد (خمس سنوات)، «بس الموت سبق»، بحسب رنا.

«إجمالًا، الحياة مريحة والراتب منيح»، هكذا كان كامل يصف لزوجته رنا حياته في نيوزيلندا التي كان يريد أن يعيشها مع عائلته. «كانت فكرته نأمّن الأولاد في المستقبل إذا حصلوا على الجنسيات»، تقول رنا.

في الساعة الثالثة من فجر الجمعة، اتصل كامل بزوجته رنا، وبوالدته. تقول رنا: «نحكي ألو ألو، وما في صوت»، كانت تلك مكالمته وهو يتلفّظ أنفاسه الأخيرة. لكن لم تتأكد العائلة في الأردن أو أخوه في نيوزيلندا من خبر مقتل كامل إلا يوم السبت الساعة الثانية عشرة ظهرًا بتوقيت عمان. فمن جهة، لم تصدر الحكومة النيوزيلندية قوائم رسمية لأسماء من قضوا في المسجد ومُنعت العائلات من الدخول للمستشفيات في كرايست-تشيرش، حسب مقابلة تلفزيونية مع أخيه، زهير. ومن جهة أخرى، لم تستطع وزارة الخارجية الأردنية التأكيد على اسم كامل لأن كل المعلومات التي كان تردها عن المصابين كانت عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحسب رنا.

لم يتخيل أحد من أقرباء كامل أن يحدث مثل هذا الهجوم في بلد بهدوء نيوزيلندا. «بده إياها بس للبيض. بدوش يدخّل لا المسلمين ولا العرب»، تعلق إحدى قريبات كامل قاصدةً مُرتكب المجزرة، وتضيف: «طب ما إنت من برة جاي، إنت من وين؟»، بالإشارة إلى أصوله الأوروبية بوصفه أستراليًا من غير السكان الأصليين.

حصل كامل على بكالوريوس في الرياضة البدنية من جامعة بغداد. لكن بسبب الحرب الأمريكية على العراق، اضطر للرجوع إلى الأردن قبل أن يحصل على شهادة الماجستير التي كان قد قطع سنتين في دراستها. عمل مُعلم رياضة في مدرسة حكومية لخمس سنوات، قرر خلالها الالتحاق بدبلوم في الرسم المعماري، مما مكنه من زيادة دخله الشهري عندما حصل على عمل إضافي مسائي في مكتب هندسي بين 2007 و2013.

«كان مُكافح، بده يحوّش ويتزوج»، يقول تيسير حماد مدير المكتب الهندسي الذي عمل فيه كامل. «أنا أروّح من المكتب ومرّات يظله متأخر. كنت أركن عليه إنه يشتغل بدون ما حدا يتابعه». انتقل كامل إلى السعودية للعمل بشهادة الرسم المعماري، بعد سنة من زواجه من رنا، إلى أن أفلست الشركة التي كانت توظفه وسرحت موظفيها بعد خمس سنوات. تقول رنا إن الجميع شجع كامل على الهجرة حينها. «رجعوا صحابه قبله، قبل سنتين ثلاث، ولقاهم قاعدين. فلما شافهم قاعدين حكى خلص فش مجال».

«كامل كان إنسان رائع جدًا. الكل يحبه»، تقول زوجة عمه. «يعني لدرجة أنه وهو بنيوزيلندا كان يضله يحكي مع إمه ويقوللها: بدك ياني أرجع برجع. إحكيلي ارجع برجع».

وبحسب رنا، سيُدفن كامل في نيوزيلندا، نظرًا إلى أن إجراءات إعادة جثمانه إلى الأردن قد تستغرق وقتًا قد يصل إلى عشرين يومًا، حسبما أُبلغت العائلة من مصادر رسمية في نيوزيلندا. فيما سافرت رنا وحماتها اليوم الثلاثاء إلى نيوزيلندا لمتابعة إجراءات الدفن.

دانة جبريل

عام 1999، تجمّع تسعة أشقاء وشقيقات مع والدتهم في عمّان، في عرس ابن شقيقهم الأكبر عطا. كان ذلك الاجتماع الأول بعد سنوات طويلة من غربة فرّقت إخوة ولدوا وتعلموا في قرية عرّابة في جنين، قبل أن يتوزعوا بين الأردن والإمارات والسعودية والضفة الغربية، وكانت تلك المرة الأخيرة التي يتجمعون فيها في مكان واحد.

في ذلك اللقاء، اقترح عبد الفتاح على أخوته أن يلتقطوا صورة جماعية لهم مع والدتهم. تروي رابعة، شقيقة عبد الفتاح، وهي تذكر المرة الأخيرة التي جمعت عبد الفتاح بأمه قبل أن تتوفى الوالدة عام 2013، خلال تواجد ابنها في نيوزيلندا، حيث سيُقتل بعد ست سنوات، في الهجوم على مسجد النور في كرايست-تشيرش.

أنهى عبد الفتاح قاسم، أبو دانا، تعليمه الثانوي في قريته عرّابة. وانتقل للأردن عام 1977، ثم ذهب لكندا لدراسة هندسة الكمبيوتر، ثم عاد للأردن فالكويت ثم إلى السعودية، إلى أن استقر في نيوزيلندا عام 2005، بعد حصوله على الهجرة برفقة زوجته سهام وبناته الثلاث.

هناك، عمل عبد الفتاح في الترجمة الفورية، وعملت سهام في التدريس، وبدأ الانخراط مع الجاليات العربية والمسلمة هناك في زياراتهم وأنشطتهم، فتعرّف على عائلة محمد عليان، التي توفي ابنها عطا في الهجوم أيضًا، وتعمقّت علاقته مع أبناء الجالية حتى أصبح أمين سر الجمعية الإسلامية في نيوزيلندا لعدة سنوات.

في مسجد النور، ظل عبد الفتاح ومحمد عليان يصليان الجمعة منذ سنوات. فذلك الجامع هو واحد من اثنين في كرايست-تشيرش، أسسته عائلة عليان بعد جمع التبرعات ليكون الأول في تلك المدينة.

عام 2009، تزوجت ربى، ابنة شقيق عبد الفتاح، من فراس عليان، ليكتشفا بعد زواجهما أن عميهما عبد الفتاح ومحمد عليان أصدقاء منذ سنوات في نيوزيلندا، فازدادت اللقاءات والروابط بين العائلتين في عمّان.

زار عبد الفتاح وزوجته عائلاتهم في الأردن عدة مرات منذ استقرارهم في نيوزيلندا، خلالها كبر أبناء أخوته، وازدادت روابط العلاقات قوة بينهم وبين عمهم الأصغر، الذي كانوا يلجأون له لتخليصهم من المشاكل التي يقعون بها، أو لطلب النصيحة والمساعدة، كما تقول ربى، واصفةً شخصيته بالمرحة «والمزّيحة»، كما تقول، إضافة لكونه حنونًا وسريع التأثر. «ع طول بصيروا عيونه ملانات دموع»، تقول رابعة، شقيقته الكبرى.

صباح الجمعة، شاهد عطا، شقيق عبد الفتاح، خبر عملية نيوزيلندا على إحدى المحطات التلفزيونية، فراح يجري اتصالاته مع بقية أفراد عائلته للسؤال عن شقيقه.

تقول ربى إنها تعرفت على عمها عبر الفيديو الذي بثّه منفذ العملية على الفيسبوك، عندما شاهدته وسمعت صوته. لكنها وشقيقها محمد لم يقولا شيئًا لأفراد العائلة حول ظهور عبد الفتاح في الفيديو.

مساء السبت، أكدّت وزارة الخارجية الأردنية خبر وفاة عبد الفتاح لعائلته في الأردن، قبل أن تتأكد من الخبر زوجة عبد الفتاح وبناته اللواتي كن لا زلن يبحثن عنه، مع عدم السماح لهن بالتعرف على هويات المتوفين داخل المستشفى.

تنقل ربى عن زوجة عمها أن المستشفى كان مليئًا بالناس، ولم يسمح للأهالي الذين لم يعرفوا مصير أبنائهم بمعرفة هويات المتوفين أو التعرف على الجثث مجهولة الهوية. شاهدت ربى مقطعًا لشيخ مسجد النور يقول فيه إنه شاهد «أبو دانا» في المسجد بين المتوفين، واستمر في ذكر كنيته دون أن يعرف الشيخ اسمه. بعد نحو يومين، تعرّف الشيخ على المتوفين في المستشفى وأعلن أسماءهم.

انتقدت ربى ومحمد إجراءات السلطات النيوزيلندية في تعاملها مع الحادثة، سواء خلال تنفيذ الهجوم أو بعدها. إذ تقول ربى ردة الفعل الأمنية كانت بطيئة، وتشير كذلك إلى أن أهالي الضحايا لم يتمكنوا من معرفة مصائر أبنائهم لمدة طويلة. يعيد محمد السبب في ذلك إلى تفاجؤ السلطات في نيوزيلندا بمثل هذا الهجوم، وهي دولة «الشرطي ما بمشي بسلاح فيها قد ما هي هادية»، كما يقول محمد.

تقول رابعة أنها لطالما سمعت عن تعرض المسلمين في دول غربية لاعتداءات بناء على الدين، لكن «الواحد بتأثرش غير بالقصة اللي إله، (..) هاي بدها تضل في قلب الواحد طول حياته لحتى يموت».

قبل مقتله بثلاث سنوات، اشترى عبد الفتاح مزرعة كبيرة في مقاطعة كرايست-تشيرش، تقدّر بـ45 دونمًا. زرع فيها الزيتون والخوخ وغيرها من الأشجار، إلى جانب تربية الأغنام والأبقار وغيرها من الحيوانات في المزرعة التي اهتم بها كثيرًا. وعندما جاء عبد الفتاح في زيارته الأخيرة الى الأردن، اشترى بعض ثمار الخضروات غير الموجودة في نيوزيلندا وأخذها معه، مقررًا أن يقضي بقية حياته هناك.

لذا، قررت زوجة عبد الفتاح وبناته أن يُدفن في نيوزيلندا، ليبقى قريبًا من مزرعته التي أحبها. «كان عايش فيها مبسوط جدًا، ولا يزهق»، تقول رابعة.

دانة جبريل

حاول خالد الحاج مصطفى (42 عامًا) إقناع أخوته مرارًا بمرافقته في هجرته إلى نيوزيلندا، لكنهم رفضوا، كلٌ لسببه. فخالد وأشقاؤه علي وعامر ووالدهم خرجوا من سوريا إلى الأردن لاجئين عام 2012. فيما ظلت في مدينتهم الكسوة، في ريف دمشق، شقيقاتهم الثلاث، وكذلك شقيقهم عامر الذي كان في زيارة إلى أشقائه في الأردن حين وصلهم خبر مقتل خالد وابنه حمزة (16 عامًا) في الهجوم على مسجد النور.

خالد، الذي كان الأخ الأكبر بين أربعة أشقاء وثلاث شقيقات، جاء مع والده إلى الأردن عام 2012 لاجئيْن، وسكنا بيادر وادي السير في عمّان، ليتتابع في القدوم الأخوة الآخرون، وتتبعهم والدتهم.

عائلة الحاج مصطفى، ذات الأصول الشركسية، كانت تعمل في سياسة وتربية وبيطرة الخيول في سوريا، واستمرت في العمل في المجال نفسه في الأردن بعد اللجوء. بعدما توفي أبو خالد عام 2014، عادت الأم لسوريا لتعيش لدى بناتها عام 2016، في حين كان علي وعامر وخالد يوسّعون أعمالهم في تربية الخيول والبيطرة في نوادي فروسية في الأردن.

قبل عام، وصل خالد اتصالٌ من جهة معنية بشؤون الهجرة، وتتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أخبرته أن لديه فرصة الهجرة إلى نيوزيلندا. فقدّم أوراقه ونال القبول، ليغادر قبل ثمانية أشهر برفقة زوجته سلوى وأبنائه الثلاثة، حمزة وزيد وزينة.

«بتقدر تروح وتيجي وين بدك»، يقول علي حول أسباب هجرة أخيه، إذ كانت الهجرة بالنسبة لخالد بوابة السفر والانتقال لأي مكان في الدنيا. فبعد خمس سنوات، كان سيحصل على الجنسية النيوزيلندية، أي على جواز سفر يمكنّه من الانتقال لأماكن أخرى.

استمر خالد في العمل في سياسة الخيل وتربيتها في كرايست-تشيرش. وفي اتصالاته مع العائلة كان يقول إنه سعيدٌ هناك، يعيش مرتاحًا والحياة هادئة.

تحدث الأخوة مع بعضهم لآخر مرة في الساعة الحادية عشرة مساء الخميس الماضي بتوقيت عمّان. كان عامر وعلي وأحمد يستعدون للنوم، وكان خالد يستعد للخروج مع ابنيه حمزة وزيد لتأدية صلاة الجمعة في مسجد النور، إذ كانت الساعة نحو الحادية عشرة صباح الجمعة بتوقيت كرايست-تشيرش. بعدها بساعات، استيقظ الأخوة الثلاثة على اتصالات تخبرهم بالعملية.

«ماما عم بقوصوا علينا في الجامع»، قال حمزة في اتصال مع والدته سلوى خلال إطلاق النار، ثم لم تعد الأم تسمع سوى أصوات أنفاسٍ، ثم صوت زيد وهو ينادي على أخيه. بعدها بثوانٍ، حمل رجل غريب الهاتف وتحدث للأم طالبًا منها أن تحتسب ابنها شهيدًا.

وصل العائلة خبر وفاة خالد في الساعات الأولى بعد الهجوم، لأنه كان يحمل إثباتًا للشخصية. فأُبلغت زوجته وعرف أخوته الذين أبلغوا أمهم المقيمة في سوريا. كما أُبلغت سلوى بإصابة زيد برصاصتين في قدمه ورصاصة ثالثة في البطن، لكنها لم تُبلّغ رسميًا بشيء عن حمزة، باستثناء ما سمعته في اتصال حمزة.

ينقل علي عن سلوى أنها ظلت لا تعرف شيئًا رسميًا عن حمزة بعد الحادثة بنحو يوم ونصف. «تخيلي جوزها بالثلاجة وزيد مصاب، وهي ماسكة صورة حمزة وبتلف فيها بالشوارع بتدور عليه»، يقول علي، دون أن يكون للعائلة أي قريب هناك للمساعدة، باستثناء معارف تعرفوا عليهم بعد وصولهم لنيوزيلندا قبل ثمانية أشهر.

حمزة ووالده. الصورة بإذن من العائلة.

يوم الجمعة، استدعت وزارة الخارجية الأردنية العائلة، لكن بعد أن عرف موظفو الوزارة إن العائلة سورية وتحمل وثيقة لجوء، اعتذروا منهم لعدم امتلاكهم صلاحيات قانونية بالإعلان والمتابعة. «كانوا لطيفين جدًا، بس قانونيًا ما بقدروا يعملوا شي»، يقول عمر، ابن عمّ خالد، الذي رافق أولاد عمومته للخارجية.

لم تتلقَ العائلة أي اتصالات من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أو أي جهات رسمية أخرى منذ الحادثة لغاية الآن. لكنهم عرفوا مساء السبت بوفاة حمزة عندما قرأ شيخ في مسجد النور بنيوزيلندا قائمة أسماء من استشهدوا في العملية، وتناقل الناس مقطع الفيديو ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكان اسم حمزة الاسم الأخير في القائمة. فتأكدت العائلة في سوريا والأردن من وفاته، وأبلغوا أمه التي كانت حينها في المستشفى إلى جانب زيد، بعد استخراج إحدى الرصاصات من قدمه، فيما لا تزال فيها الرصاصة الثانية التي أخبرها الأطباء أن استخراجها قد يؤذي قدمه للأبد.

«خلينا نجرب»، قال خالد لأخوته عندما حصل على الهجرة إلى نيوزيلندا. «قلناله اتوكل على الله، شوف شو بصير معك» يقول علي. بعد ثمانية أشهر في نيوزيلندا، بقي من عائلة خالد زوجته وزيد المصاب وطفلتهم زينة، ولا يعرفون حتى الآن ما الخطوة القادمة لهم.

ريم المصري وعمر فارس

«ما حدا تفانى في ترباية ابنه مثل ما أم عطا تفانت في ترباية ابنها»، تقول نداء قنديل، وهي صديقة مقربة من عائلة عطا عليان (33 سنة) الذي استشهد في هجوم كرايست-تشيرش، بعد أن ذهب لصلاة الجمعة مع والده محمد الذي أصيب بثلاث رصاصات، وما زال يتلقى العلاج.

عاشت نداء في نيوزيلندا بجوار عائلة عليان لأربع سنوات قبل أن تعود للأردن، وعرفت عطا منذ أن كان طفلًا يبلغ الثانية عشرة، وكان الأكبر بين ثلاثة أشقاء هم، إلى جانبه، حنين وعبد الله. في ذلك الوقت، كان محمد عليّان يعمل على تأسيس مدرسة إسلامية في كرايست-تشيرش. وحين حدث الهجوم، كان محمد يعمل على تأسيس مدرسة إسلامية في مدينة دنيدن جنوب نيوزيلندا، ويتنقل بينها وبين كرايست-تشيرش، لكنه في ذلك الأسبوع كان في زيارة لابنه. «أنا ما بعتبرهم كعيلة من الناس العاديين»، تقول ندا مثنيةً على سلوك عائلة عليان وعلاقاتها بمحيطها.

وُلد عطا في الكويت، وانتقل أهله بعدها بفترة إلى الولايات المتحدة، لينتهي بهم الحال بعد بضع سنين في نيوزيلندا. هناك، كان أحمد عبيد أول أصدقاء عطا عندما وصل مع أهله إلى نيوزيلندا. «كان عمره 11 سنة وأنا عمري 10»، فالتحقا بالمدرسة نفسها، وتخرّجا سويًّا منها، ومن ثم من الجامعة نفسها كذلك، جامعة كانتربري، حيث درس عطا علم الحاسوب.

عمل عطا بعد التخرّج في مجال التصميم وفقًا لأحمد، صديق طفولته، وتحديدًا في تصميم تجربة المستخدم في شركة للأمان الرقمي، ثم أطلق مشروعه الخاص. إلا أن أهم إنجازاته كان تأسيس شركة متخصصة بتطوير تطبيقات للويندوز، وتعاملت مع شركته شركات مثل مايكروسوفت وأرامكس. كما عمل عطا لفترة في مجال التدريب على التصميم، وأقيمت إحدى تدريباته في الأردن. وقد صنفته مجلة نيوزيلندية كأحد أهم قادة التغيير التكنولوجي والرقميّ في نيوزيلندا لعامي 2017 و2018.

وفقًا لعبيد، فإن من يعرف عطا يعلم أنه متعدّد المواهب والاهتمامات. فقد شغل مركز الحارس الأساسي لمنتخب نيوزيلندا لكرة قدم الصالات، بالتزامن مع إدارة شركته. وحصل على جائزة لاعب العام من اتحاد كرة القدم عام 2014. كما كان عضوًا في فريقٍ يمارس لعبة «كاونتر سترايك» بشكل احترافي، وكان أحد أهم الأفرقة في منطقة أستراليا ونيوزيلندا.

عام 2015، تزوج عطا بفرح، التي كانت نداء حلقة الوصل بينه وبينها، إذ كانت صديقة والدتها. «لما أنا دليت صاحبتي على عطا، كانت قلقانة [إنه] بدي أودي بنتي على نيوزيلندا (..) ولما شافوا عطا عرفوا قديش بستاهل، وسبحان الله».

«كانوا التنين بحبوا نفس الأشياء بطريقة غريبة، بحبوا يساعدوا الناس وروحانيين، كتير بينهم أشياء مشتركة»، تقول نداء. وقبل سنتين، رُزق عطا وفرح بآية.

عطا مع زوجته فرح وابنتهما آية، عن صفحة حملة لدعم العائلة. 

بعد الهجوم، أطلق إلياس بلّة، أحد زملاء عطا، حملة لدعم زوجته فرح وابنته آية، التي لم يتجاوز عمرها العامين، في حياتهم القادمة. ونعى عطا الاتحاد الدولي لكرة القدم، واتحاد كرة القدم في نيوزيلندا، بالإضافة لعدد كبير من الناس الذين عرفوه في حياتهم من خلال نشاطاته المتعددة؛ مدرّبون سابقون، ومتدرّبون سابقون لديه، زملاؤه في فريق كاونتر سترايك وفريق كرة قدم الصالات في الجامعة، بالإضافة لرفاقه من لاعبين ومدرّبين في منتخب نيوزيلندا. إذ كتب جوش مارجِتس، زميل عطا السابق في المنتخب: «لقد كان عطا رجلًا عظيمًا ومحبوبًا من الجميع في الفريق وفي مجتمع محبّي اللعبة ككلّ. لا توجد كلمات تصف شعورنا الحالي. لقد أصبحت قلوبنا فارغة بخسارة هذا الشخص العظيم والزميل الطيّب. سوف نشتاق له كثيرًا».

دانة جبريل

بعد نهاية دوامه المدرسي يوم الجمعة الماضي، كان لدى سامي (16 عامًا) مهمة ما في مدرسته، عطّلته عن الانضمام لوالده في صلاة الجمعة لذلك اليوم، كاسرًا بذلك قاعدة مستمرة منذ سنوات، بأن يرافق سامي والده علي (65 عامًا) في كل جمعة إلى مسجد النور، ويصليا في زاوية محددة من المسجد، بعد أن يكون عليّ قد ترك هاتفه ومحفظته في المنزل ليُبعد أي مشتتات في صلاته، كما تقول زوجته نهى لعائلته.

تلك الجمعة، ذهب علي لوحده للمسجد، جلس في زاوية مختلفة، وأصابته رصاصة في ظهره وهو ساجدٌ، بحسب عدي ابن أخيه، الذي تحدث لحبر عبر الهاتف من قرية زعترة في بيت لحم، واصفًا ما شاهدته العائلة في الفيديو الذي بثه المنفذ على الفيسبوك أثناء تنفيذه العملية.

لا يزال سامي في حالة نفسية سيئة جدًا، كما يقول ابن عمه، إذ لم يتوقف عن البكاء في أول اتصال هاتفي مع أولاد عمه في زعترة بعد ثلاثة أيام على الحادثة. سامي هو الابن الأصغر لوالديه، بعد ثلاثة أخوات هنّ مها وميس ولبنى، رُزق بهنّ علي ونهى بعد زواج بدأ عام 1985، أي قُبيل أن يغادر عليّ الأردن ليعمل في الإمارات.

أنهى علي دراسته الثانوية في بيت لحم، ثم انتقل للأردن عام 1978، قبل أن يذهب إلى بغداد ليدرس هندسة الاتصالات في إحدى جامعاتها، ثم يعود للعمل مدرسًا في كلية البوليتكنك في الأردن، ثم يغادر مجددًا إلى الإمارات عام 1986.

عمل عليّ في الإمارات لنحو 12 عامًا، أنجب خلالها بناته الثلاث، وحصل على الهجرة إلى نيوزيلندا عام 1998، فسافر لها ولم يعد بعدها حتى للزيارة، كما يقول عدي ابن شقيقه.

لطالما أرّقت الحروب علي، فخرج من فلسطين يبحث عن بعض الاستقرار والهدوء، الذي لم يجده في الأردن حينها، كما لم يجد المساواة بين الوافد والمواطن في الخليج، فذهب إلى نيوزيلندا، كما يروي عديّ. «اللي عرفته إنه عمي راح على نيوزيلندا ليعيش بهدوء (..) كان يحكيلي بتضل غريب في نظر الخليجيين»، أما في نيوزيلندا، «ما حدا بسألك إنت من وين»، ينقل عدّي عن عمه.

استمر علي في حثّ أولاد أخوته على الالتحاق به في نيوزيلندا، خاصة كلما أرسلوا له فيديوهات أو صور للشهداء أو الاعتقالات في الضفة. «رسالته إلنا تعالوا إنتو عندي عيشوا بهدوء» يقول عدي، «طلع فش بلد آمن علينا وين ما نروح».

قبل عشرة أيام على الحادثة، وصلت مها، الابنة الكبرى لعلي، إلى زعترة، قرية والدها، لتتعرف عليها للمرة الأولى. زارت مها أماكن عدة في الضفة، وكانت تستعد لرحلة تزور فيها القدس ومدنًا في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948. فذهبت مساء الخميس إلى منزل خالها في القدس كي تنطلق في رحلتها صباح الجمعة.

فجر الجمعة استيقظ أحمد، شقيق عليّ ووالد عدي، لتأدية صلاة الفجر، فشاهد أخبار ما حصل في نيوزيلندا. وفي الساعة السابعة صباحًا، استقبلت العائلة اتصالًا من زوج ميس يقول لهم إن عليّ كان في المسجد الذي شهد الهجوم، وأن عليهم البقاء إلى جانب مها حتى يتبين مصير والدها، فعادت مها إلى بيت لحم. «شوي شوي تا عرفنا يوم السبت إنه مستشهد»، يقول عدي.

عرف أخوة علي باستشهاد شقيقهم في الوقت الذي كانت مها تعبر فيه معبر الكرامة باتجاه الأردن للسفر إلى نيوزيلندا. «حكت إذا ابوي ميت فأبوي شهيد، إذا عايش بدي أسافر أشوفه»، يقول عدي. لكن مها عرفت بُعيد ذلك من والدتها أن والدها قد توفي.

ما بين الهجوم ومعرفة مصير عليّ، مضى قرابة يومين. يقول عدي إن المسجد أغلق، ومنعت السلطات الأهالي من رؤية الجرحى أو المتوفين غير معروفي الهوية في المسجد أو المستشفى، إلى أن سمحوا لشيخ الجامع بالتعرف على الجثامين بعد الحادثة بيومين، فتأكدت العائلة من استشهاد علي.

يقول عدي إن الخارجية الأردنية تواصلت مع قريب بعيد للعائلة في الأردن، أبلغته بأنها جاهزة لأي تعاون، وأن الأردن سيتكفل بإحضار الجثمان إن رغبت العائلة لدفنه في الأردن، وهو ما كانت تفضله العائلة، ولولا أن الإجراءات في نيوزيلندا تعطّل على العائلات استلام الجثامين وتؤخر الدفن.

يقول عدي إن تأخر الدفن يغضب عائلته كثيرًا، تحديدًا مع عدم السماح لعائلته برؤية جثمانه. «أهلي انجنوا لما حكولهم إنه لسه ما شفناه»، ولغاية صباح اليوم الثلاثاء، لم تتمكن نهى، زوجة علي، وبناته وابنه من رؤية جثمانه أو استلامه للدفن. «إكرام الميت دفنه، ليش بستنوا لحد الحين؟»، يسأل عدي، مجيبًا نفسه بأن ذلك يحدث لأن الحادثة «أكبر من نيوزيلندا. صدمة، مش زينا، إحنا متعودين».

كان علي الأخ الأصغر بين خمسة أخوة ذكور. أكبر أخوته هو التسعيني محمد، الذي تلقبه العائلة بالشيخ. كثيرًا ما اتصل «الشيخ» بعليّ يطلب منه العودة لفلسطين، وأن يراه قبل أن يموت أحدهما، فآخر لقاء كان بين الشقيقين كان عام 1978، عندما غادر علي بيت لحم إلى الأردن. كان علي يسأل دومًا عن محمد بشكل استثنائي، فهو الذي علمه ورباه وصرف عليه في صباه. «عمي الشيخ كان يتصل على عمي علي يحكيله أنا دفنت أخوي اللي أصغر مني وبدي أشوفك»، يقول عديّ عمّا حدث بعد وفاة عمّه الآخر، موسى.

العودة إلى فلسطين لم تكن إحدى خيارات علي، الذي تحدث عن احتمالية عودته للاستقرار في الأردن بعد أن ينهي سامي دراسته الثانوية هذا العام. كان يخبر أشقاءه بأنه يرغب في الاطمئنان على دراسة سامي أولًا، ثم يعود للأردن ليكون قريبًا من عائلته.