رمزية الهلال عبر التاريخ

الثلاثاء 21 تموز 2015

بالرغم من التواجد اللافت للهلال في الفضاء العام المعماري والزخرفي في البلاد المسلمة، يجهل الكثيرون الرموز المتعلقة بالهلال وبتاريخ تبنّيه كرمز «إسلامي» وقومي أحيانًا. فالرموز عادة تعتمد دون التنقيب في أصولها ومبررات استخدامها، إذ أن التصور الشعبي للهلال هو ببساطة دليل دخول الشهر الهجري أو انتهائه، وبالتأكيد أهم تلك الشهور شهر رمضان الذي ينتظر هلاله ملايين المسلمين. ولكن الحقيقة أن دلالة ورمزية الهلال تتجاوز مسألة إعلان دخول رمضان أو العيد إلى تاريخ طويل من الأساطير والروايات الشعبية والمتداولة في منطقة المشرق وما حولها.

 mesopotamia  mesopotamis

الهلال في ميسوبوتاميا

نتيجة لتمحور ديانات ما بين النهرين حول العلاقة بين الإنتاج الزراعي والرزنامة الفلكية، أخذ القمر أهمية كبيرة كساعة لمعرفة الوقت والتاريخ وبداية الموسم ومستويات الماء من مد وجزر وفيضان. وتطورت العلاقة من مجرد التزامن والمتابعة إلى ارتباط القمر بالإله السين الذي انتشرت عبادته في بلاد ما بين النهرين كإله الموت والحياة، ففي القمر يجتمع الظلال والنور والخصب والفيضان. ومع تحول المركز الثقافي لتلك المنطقة من بابل الى سوريا، انتشرت عبادة إله القمر الى كل من مصر واليونان وتركيا والجزيرة العربية، طبعًا في كل من البلاد المذكورة تحولت الرموز بحسب الثقافة المحلية.

ByzantineGod  Seen

crescent  crescent0

مثلًا في اليونان كان إله القمر أرتيمس، وسين في سيناء سين، أمّا في اليمن فكان «ود الودود» وهو إله القمر وكبير الآلهة في معبد حضرموت. ومع التمازج الثقافي الكبير الذي رافق انتشار ثقافة الهلنستية من القسطنطينية إلى الجزيرة العربية تمازجت الرموز الدينية وارتبط إله القمر بالإله عشتار وبرمزها النجمة الثمانية. فالتلاقي الفلكي عادة كان يعني موعد حدث هام على الأرض ترقبه الجميع، أو التزاوج ما بين القمر والنجمة الذكر والأنثى والأقطاب المتناقضة.

السلطة السياسية والرمز

تتلقف السلطة السياسية الرموز بسرعة، فهي المدخل الأول لربط الوعي الشعبي بحس مشترك مع السلطة السياسية ورجالاتها. ولذلك تلجأ السلطة إلى استعارة تلك الرموز من المعابد والأدوات الدينية واستخدامها في الأعلام والعملة المتدوالة والعمارة بشكل عام، وبالأخص العمارة الرسمية المرتبطة بالسلطة. والهلال حاله حال العديد من الرموز استخدم في سياق التسويق للسلطة أيضًا، ففي بابل مثلًا افتتح الملك البابلي الأخير نابونيدوس (555 – 539 ق.م) معبدًا للإله سين إله القمر واقترن به فنجد أن كل التماثيل والرسومات التي تجسد الملك نابونيد تصوّره وهو يعبد الإله سين.

crescent2  crescent3  Screen Shot 2015-07-19 at 7.46.01 PM

لاحقا في العام 667 قبل الميلاد اعتمدت مدينة بيزنطا في الامبراطورية الرومانية الهلال الأبيض على خلفية حمراء  في العلم الرسمي والعملة، كرمز للدولة ولتعظيم الإلهة أرتيمس. ومع التحول الى المسيحية وتغير اسم المدينة الى القسطنطينية في العام 330 بعد الميلاد، أضاف الامبراطور قسطنطين النجمة البيضاء السداسية إلى العلم لترمز إلى السيدة العذراء، ونلاحظ الشبه الكبير ما بين العلم التركي اليوم وعلم القسطنطينية آن ذلك.

الهلال إسلاميًا

يعتقد الكثيرون بأن ارتباط الهلال بالمسجد والمئذنة ذو أصل إسلامي، إلا أن ذلك غير صحيح أبدًا، بل إن هناك فتاوى متعددة بحرمة أو عدم ضرورة الهلال والرموز للمسجد. فالعناصر الحالية المرتبطة بالمسجد كالمئذنة والهلال هي مجرد موروثات ثقافية اكتسبها تصميم المسجد من المباني المحلية التي أثرت عليه كالمعابد والكنائس العديدة والتي تحوّلت إلى مساجد، كالمسجد الأموي في دمشق، وهو أول مسجد موجود أقيمت له مئذنة وقد كانت برجًا للجرس. ولم يبنى في فترة حياة الرسول مئذنة بل كان بلال بن رباح الحبشي (مؤذن الرسول) يؤذن من أسطح المباني المجاورة لمسجد الرسول. ويقال بأن عثمان بن عفان أضاف مصطبة صغيرة للأذان لاحقًا.

لا يوجد أية إثباتات حاسمة على أصل الهلال في ثقافتنا، لكن وجوده بشكل كبير وملفت هو مدعاة للدراسة، فالهلال يختلف بالشكل والحجم، فأحيانا نجده يتجه إلى الأعلى مما يذكر بالإله سين، وأحيانا يكون مائلا مما يذكر بالقمر أو بأرتيمس. ويعتقد بأن العثمانيين هم أكثر من استخدم الهلال وفي تلك الحالة قد يكون علم القسطنطينية مصدرا ممكنًا للهلال، ومما يدعم هذه النظرية ثبوت أن أول من أدخل الهلال على المسجد النبوي هو العثمانيين في التوسعة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي، مما يدفع إلى الاعتقاد بأن ارتباط الهلال بالدولة العثمانية هو السبب وراء ارتباط الهلال بالإسلام، بالأخص كون العثمانيين هم من تفاعل بشكل مباشر مع أوروبا وباسم الإسلام، فتبنى العقل الأوروبي الهلال كرمز للإسلام، وطبعا في عالم من الثقافة المتقاربة تقبل المسلمين أنفسهم الهلال كرمز للإسلام عوضا عن الدولة العثمانية أو الديانات المشرقية القديمة. في جميع الأحوال من الواضح بأن الهلال هو رمز لم يفارق المشرق يومًا ويبدو أنه سيبقى في المشرق مادام ملازما للعديد من العناصر الثقافية المشرقية المترابطة.