syrian families awaiting reunion

بين الأردن وأوروبا: عائلات سورية بانتظار لم الشمل

بين الأردن وأوروبا: عائلات سورية بانتظار لم الشمل

الثلاثاء 15 آذار 2016

ما أن اطمئنت النساء السوريات على أزواجهن وأبنائهن الذين عبروا البحار إلى القارة الأوروبية بنجاح، حتى بدأن يترقبن موعد لم شمل العائلة التي افترقت حتى إشعارٍ آخرٍ. تختلف تفاصيل المعاملة من حالة إلى أخرى، فتارة تكون سلسةً مؤشرةً على حظ صاحبها الكبير على حد تعبيرهن، وتارةً تدعو إلى فقدان الأمل بالمستقبل الأفضل الذي دفعوا ثمنه مجازفةً كبيرةً وأموالًا مدّخرة وأخرى مستدانة.

تشير الأرقام إلى وصول ألفي شخص يوميًا إلى شواطئ أوروبا، القسم الأعظم منهم هم الهاربون من العنف في سوريا والعراق. بيد أن الترحيب باللاجئين، وتحديدًا في ألمانيا، بدأ يخبو، فقد أقرت السلطات الألمانية حزمة تشريعات تضيّق على اللاجئين، مثل فرض قيود جديدة على لم شمل أسر اللاجئين الحاصلين على ما يسمى بوضع «الحماية الثانوية». وقد يكون تصريح رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد تاسك هو التعبير الأبسط عن الوضع في أوروبا، عندما وجّه رسالة للاجئين قائلًا «لا تأتوا إلى أوروبا. لا تصدقوا المهربين. لا تجازفوا بحياتكم وأموالكم. إنها مجازفة مقابل لا شيء».

لكن التصريح جاء متأخرًا للكثيرين، بمن فيهم أزواج النساء اللواتي قابلناهن، وأخبرننا عن «رحلة الموت» التي أقدم عليها أزواجهن وآثارها على عائلاتهن.

مقابلة معلّقة

بالنسبة لرشا التي تنتظر هي وأبناؤها الثلاثة اللحاق بزوجها في ألمانيا، فإن كل موضوع السفر إلى ألمانيا في كفة، وموعد المقابلة في السفارة الألمانية الذي «دوّخها» في كفة أخرى.

لم يأتِ هذا الموعد بسهولة، فهي تنتظره منذ شهر تشرين الثاني الفائت، ودفعت لمكتب لا تعرف مكان وجوده الفعلي 300 يورو مقابل حجز الموعد بواسطة مجموعة خاصة لمواعيد السفارة الألمانية على تطبيق الواتساب. ورغم أنها غير متأكدة من حجز الموعد بالفعل، فالمبلغ لا يعتبر كبيرًا مقارنة بغيره، فغيرها من المنتظرين دفع ما يصل إلى ألف يورو لأخذ موعد في وقت أقرب.

على الرغم من ذلك، تقول رشا أنها غير متحمسة للسفر، فقد تأقلمت على الحياة في الأردن، تمامًا مثل زوجها الذي لم يكن هو الآخر يريد الذهاب إلى بلاد غير عربية يومًا. بيد أن المعارف والأصدقاء الذين سبقوه واصلوا تشجيعه، ووجد نفسه أمام خيار صعب في ظل تزايد احتياجات عائلته هنا في الأردن وعدم شعوره بالراحة في العمل.

سافر زوجها في شهر آب الفائت، وكان من بين العالقين في محطة القطار في العاصمة الهنغارية بودابست، حيث بقي هناك لمدة خمسة أيام قبل أن يصل أخيرًا إلى ألمانيا لتكون معاملته سهلة بشكل غير متوقع، فحصل على الإقامة خلال شهرين. بيد أنه يشعر بالكآبة حاليًا، بحسب تعبير رشا، لبعده عن عائلته بالدرجة الأولى ولأنه لم يتوقع أن يلحق به أهل رشا من سوريا وتصبح فكرة الاستقرار هناك هي الأرجح.

في شهر كانون الأول الفائت، قرّرت أسرة رشا السفر من سوريا إلى ألمانيا، فذهب والداها، وأختها وزوجها وطفلتاها إلى تركيا، وسارت الأمور على ما يرام، حتى أنها كانت تتابع تفاصيل الرحلة مباشرةً من الصور التي أرسلوها إلى أن جاءت اللحظة التي حاولوا الاتصال بأختها الأخرى ليطلبوا منها الاتصال بخفر السواحل على الفور.

تقول رشا «في هذه اللحظة شعرت أن عائلتي كلها راحت..»، ولكن ما إن مرّت هذه الساعة حتى وصلها خبر وصولهم إلى اليونان بسلام.

تروي رشا التفاصيل بدون خوف، وتتحدث عن نية الكثيرين بالسفر أيضًا غير مكترثين بخطورة الرحلة، فالأمر بكل بساطة هو «يا موتة يا عيشة».

IMG_6907
رشا مع طفليها شهد وورد في عمان. عائلة رشا التي كانت بين سوريا والأردن اجتمعت في ألمانيا، وباتت هي بانتظار الاجتماع بها.
IMG_6939
رشا تظهر على هاتفها المحمول صورة أرسلها لها زوجها بعد وصوله إلى أوروبا.

ذهب الزوج، وذهبت معه بصمته

وصلت عائلة لينا المكونة من زوجها وابنيهما إلى الأردن عام 2012، حيث خرجوا من سوريا قبل أن يتم ابنها الأكبر الثامنة عشر من عمره ويُطلب إلى الخدمة العسكرية. بدأت هي وزوجها بالعمل هنا، ولكنه لم يحتمل تكرار ضبطه من قبل مفتشي وزارة العمل والذهاب إلى المخافر واضطراره للاتصال بمن يأتي لإخراجه منها.

منذ ذلك الحين، بدأت الأمور تسوء بحسب لينا، التي تقول أن زوجها شعر بالعجز لعدم مقدرته على توفير حاجات العائلة، وبدأ ينفّس عن غضبه بافتعال مشاكل مع باقي أفرادها. في عام 2014، استطاعوا العثور على مهرب عن طريق صفحة على الفيسبوك، والتي يحمّل صاحبها عليها فيديوهات تظهر وصول الرحلات التي ينظمها بأمان إلى شواطئ أوروبا، فاتخذوا هذا القرار.

حطت طائرة الزوج في الجزائر، ومنها انتقل إلى تونس، ثم ليبيا، ثم عبَرَ البحر إلى إيطاليا. بحسب رواية لينا، كان زوجها يخطط للذهاب لهولندا، ولكن ما أن وصل إلى إيطاليا حتى تم تجميع الركاب في باص وقيل لهم أنهم ذاهبون إلى مخيم، ليتبين لاحقًا أنهم في قسم للشرطة.

بناءً على نصيحة أحد أقاربه قبل السفر، حاول زوج لينا مقاومة البصمة التي طلب منهم أخذها، والتي تشترط قوانين الاتحاد الأوروبي أخذها لكل لاجئ في بلد الوصول. بيد أن عددًا من رجال الشرطة أحاطوا به وضربوه ليرغموه على وضع أصابعه في المكان المخصص.

عندما وصل أخيرًا إلى هولندا، رُفضت معاملة طلب اللجوء التي قدمها زوج لينا، بحجة وجود بصمة له في بلد أوروبي آخر، فما كان منه إلا أن هرب إلى ألمانيا، حيث رفضت معاملته مرة أخرى. وما بين مواعيد المحاكم التي تبت في المعاملة وتقرر منح الإقامة، أتم ابن لينا الأكبر الثامنة عشرة من عمره وبات يعتبر فردًا مستقلًا عن عائلته لن يدخل في إطار لم الشمل إن كُتب للعائلة أن تحظى بلم الشمل، فلم يكن أمامه إلا البحر وسيلةً للحاق بأبيه.

أما لينا، فلا تزال تحاول العمل هنا، واضطر ابنها الأصغر ذو 16 عامًا إلى ترك المدرسة والعمل ليتعاونا على سداد إيجار سكنهما في عمّان. قد تتلقى العائلة مساعدة لا بأس بها في هذه الظروف من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فلديهم «بصمة عين»، ولكنها مسجلة بعين زوجها.

«لازم يجي هو ويحط عينه.. راح الجوز، وراحت بصمة العين، وراح الحظ كله!».

IMG_6991
تعمل لينا وابنها البالغ من العمر 16 عامًا لتجميع ما يكفي لسداد إيجار المنزل وقضاء حاجات العائلة.

حضر زفاف ابنته على الإنترنت

عندما نصح أقارب زوج شيرين (اسم مستعار) العائلة بالسفر إلى ألمانيا، كانت الظروف المادية للعائلة المكونة من زوجتين وأربع بنات وثلاثة أبناء سيئة للغاية، فلم يجد ما يثنيه عن الأخذ بالنصيحة.

غادر زوج شيرين مدينة إربد في شهر آذار الفائت، واستغرقت رحلته حوالي ثلاثة شهور تمكّن خلالها من الاتصال بعائلته كلما سنحت له الفرصة. عند وصوله إلى ألمانيا، تبيّن أنه يستطيع ضم زوجة واحدة فقط، فاضطرت الزوجة الثانية إلى عبور البحر وحدها وترك ابنها الوحيد منه هنا مع زوجة أبيه إلى حين لم شمل العائلة الكاملة تحت سقفٍ واحدٍ كما كان الحال هنا في مدينة إربد.

لا يشعر زوج شيرين بالراحة في ألمانيا حيث يقيم حاليًا، ويفكّر بزيارة الأردن فور صدور إقامته بل وحتى محاولة إيجاد وسيلة للعودة إليها، على الرغم من أن الفترة التي سبقت سفره شهدت العديد من الحوادث مع مفتشي وزارة العمل، حيث كانوا يضبطونه في معمل ٍللكرتون بمدينة الحسن الصناعية.

فات زوج شيرين الكثير وهو ينتظر الإقامة ولم شمل العائلة، فقد تزوجت ابنته الكبرى واحتفلت ابنته الأخرى بخطوبتها وهو يشاهد المراسم بالصوت والصورة على الإنترنت عندما يكون متاحًا. تقول شيرين أن «نصيبهما» جاء ولا يستطيعان تأجيله.

IMG_6800
تعتني شيرين بأطفالها وطفل زوجها من زوجته الأخرى إلى حين لم شملهم في ألمانيا.
IMG_6848
أحمد (اسم مستعار) يعيش في إربد مع زوجة أبيه منذ أن لحقت أمه بأبيه إلى ألمانيا قبل نحو سنة.

استرداد كرامة مفقودة

مضى على سفر ابن سلمى (اسم مستعار) الذي يبلغ عمره 34 عاماً إلى ألمانيا حوالي عشرة شهور، بعد أن استجاب لنصيحة رفاقه الذين كانوا ينوون السفر معه. بحسب تفسير سلمى، ما كانت هذه الخطوة إلا أملًا في «استرداد كرامة» شعر أنه فقدها هنا في الأردن.

عند دخول مفتشي وزارة العمل إلى صالون الحلاقة الذي يعمل به ابن سلمى، كان يتظاهر بأنه زبون جالس هناك ينتظر موعده على كرسي الحلاقة وليس هو نفسه الحلّاق. وزاد الأمر سوءًا تلك العبارات التي يسارع أي غاضب منه لقولها، فكلهم يذكرونه بأنه لاجئ وأن تسفيره إلى سوريا أمر في غاية السهولة بالنسبة لهم.

تقول سلمى أنه كثيرًا ما كان يعود إلى المنزل كاتمًا دمعته على هذه المهانة، فكان السفر خياره الوحيد لتأمين مستقبل أفضل لابنيه وابنته على الرغم من أن العائلة كانت لا تحبذ الانتقال إلى بلاد غير مسلمة على حد تعبير سلمى.

اصطحب معه ابنه الأكبر ذو الأعوام التسعة حتى يسرّع في إجراءات لم الشمل، وقد حصل على الإقامة مؤخرًا، وها هي العائلة تنتظر موعد المقابلة في السفارة الألمانية. بيد أن الطريق إلى السفارة لا تزال طويلة، مليئةً بالرحلات إلى مكاتب ترجمة الأوراق وإجراءات تصديقها من بيروت، والقلق على تأمين نفقات كل هذه الإجراءات.

ينتظر أحفاد سلمى اللحاق بأبيهم بفارغ الصبر، وقد أخبروا جيرانهم وأبناء مدرستهم بذلك، كما يتوقون إلى اكتشاف العالم الذي يخبره عنهم أخوهم الأكبر المعجب بالشعب الألماني، ويفضله على السوريين والأردنيين معًا. بحسب ما أخبرهم الابن الأكبر، هناك أشخاص غرباء يحتفلون معه بعيد ميلاده حتى لا يشعر بالحزن بسبب بعده عن باقي أفراد عائلته، وليسوا كَمن يهددهم بالتسفير كل يوم.

IMG_6772
ينتظر حفيدا سلمى اللذان يعيشان مع جدتهم وأمهم الاجتماع بأبيهم وأخيهم الأكبر في ألمانيا.