توجيهي الدورة الواحدة: قصة أكبر من الامتحان

طلاب يحتجون على نظام الدورة الواحدة لامتحان التوجيهي، في آذار 2019. تصوير دانة جبريل.

توجيهي الدورة الواحدة: قصة أكبر من الامتحان

الإثنين 08 نيسان 2019

في السابع من آذار الماضي، جاء راشد العنزي من مدرسته في الموقر ليشارك في اعتصام أمام وزارة التربية والتعليم في عمّان، هاتفًا ضد عقد امتحان الثانوية العامة مرة واحدة في نهاية السنة الدراسية بدلًا من مرتين سنويًا، في دورة شتوية وأخرى صيفية، وهو النظام الذي استمر 16 عامًا.

راشد طالب في الصف الأول الثانوي، وسبق له أن شارك أبناء صفه الاعتصام أمام مديرية التربية والتعليم في الموقر، وعندما لم يشعر بالاستجابة حضر لعمان، مثله في ذلك عشرات الطلبة من الصفين الأول والثاني الثانوي، المحتجين على قرار الوزارة الذي سيبدأ تنفيذه هذا العام، بعد ثلاث سنوات على إقراره من قبل مجلس التربية. يوم الاعتصام في الموقر، خرج من المديرية مسؤول لا يعرفه راشد، قال للطلبة إنه يتعهد بنقل وجهات نظرهم للجهات المسؤولة وفتح باب النقاش معهم لاحقًا.

اعتصام آذار أمام الوزارة كان الأخير حسب ما يعرف راشد ضد إجراء امتحان التوجيهي في دورة واحدة، في انتظار تنفيذ ذلك الوعد. منذ ذلك، وبالتحديد خلال الأشهر الماضية، احتج طلبة وأهاليهم على القرار. أما الوزارة، فأصدرت عدة تصريحات وعقدت لقاءات لتوضيح قرارها وإيجابياته على الطلبة، كما وصفه عدة وزراء تربية وتعليم سابقين.

يخاف الطلبة من امتحان الدورة الواحدة لأنه يعني دراسة كل المقررات مرة واحدة، كما يتحدثون في هذا التقرير، كما أنه يحرمهم فرصة خوض تجربة لتقييم مستواهم كما كان يحصل في نظام الدورتين. ويتهمون التربية بتجربة نظام جديد عليهم هدفه تخفيض نفقات الامتحان، برأيهم. في حين تُطمئِن في الوزارة الطلبة، مؤكدة تقليل عدد المواد المقررة وتقليل الحشو فيها، وتطالبهم بالنظر لميزات امتحان الدورة الواحدة بصفته يخفف عليهم وعلى عائلاتهم التعرض للضغط مرتين.

في منتصف نيسان الجاري، تبدأ إجازة طلبة الثانوية العامة التي تستمر لشهرين قبل عقد الامتحان، التي يعوّل عليها الطلبة في مراجعة المواد. يتوقف هذا التقرير عند جاهزية واستعداد الطلبة للامتحان بموجب النظام الجديد، وأسباب اعتماد هذا النظام.

مطالب الطلبة ومخاوفهم

بحسب النظام الجديد، سيمتحن طلبة الثانوية العامة ابتداءً من العام الدراسي الحالي لمرة واحدة في السنة في جميع المباحث، تعقد في حزيران، للتخصصات العلمي والأدبي والصناعي والفندقي والزراعي والاقتصاد المنزلي، ومن لا يستكمل متطلبات النجاح يحق له التقدم في دورة تكميلية في آب.

يأتي هذا بعد أن كان الطلبة يمتحنون في بعض المباحث لمرة واحدة، إما على الفصل الشتوي أو الفصل الصيفي، ويمتحنون في مواد أخرى على فصلين، أي في جزئين، لا سيما بعض مواد تخصصهم الأساسية، كالرياضيات بالنسبة للعلمي، واللغة العربية التخصص للفرع الأدبي. فمثلًا، كان طلبة العلمي في السابق يدرسون منهاج الكيمياء كاملًا في الفصل الأول، ويمتحنون فيه في شهر كانون الأول، ثم يدرسون منهاج الفيزياء كاملًا في الفصل الثاني ويمتحنون فيه في حزيران. أما الآن، فأصبح الطلبة يدرسون الكيمياء والفيزياء على امتداد الفصلين، ويمتحنون في المادتين مرة واحدة في حزيران.

شارك في الاعتصامات التي حدثت منذ بداية العام الدراسي الحالي طلبة من جيلين: مواليد 2001، الذين يحضرون لتقديم امتحان الثانوية العامة في الصيف، ومواليد 2002، وهم طلبة الصف الأول الثانوي.

يطالب المعتصمون من طلبة التوجيهي بضرورة مراعاة الفوارق الزمنية بين الأوراق الامتحانية في الدورة الصيفية، بعد أن أصبح أمر تقديم الامتحان لمرة واحدة واقعًا لا محالة. كما أرادوا باعتصامهم مؤازرة الدفعة اللاحقة كما يقول الطالب عبد الله أبو حامد، «عشان ما يصير فيهم زينا». أما المعتصمون من طلبة الأول الثانوي، فلهم هدف واحد هو تراجع الوزارة عن قرارها والعودة لدورتين.

وزارة التربية والتعليم أعلنت في أكثر من مرة بأن لا رجعة عن القرار، بعد أن أعلنت أيضًا عن تقليل عدد المباحث المطلوبة للامتحان واختصار بعض الأجزاء في المناهج، وعقد دورة امتحانات تكميلية للطلبة غير مستكملي متطلبات النجاح قبل بدء القبول الجامعي.

عندما كان وزيرًا للتربية والتعليم عام 2018، قال رئيس الوزراء عمر الرزاز في معرض تقديمه إيجابيات امتحان الدورة الواحدة إن «الهدف من هذا التحول أن الامتحان وسيلة وليس هدفًا بحد ذاته، وعلى الطالب أن يقضي جل السنة الدراسية في فهم المادة والتعمق بها وليس في أخذ الامتحانات»، إلا أن حديث الرزاز يبتعد عن الواقع بحسب معلمي بعض المباحث الثانوية، وهم يصفون واقع الطلبة.

«إحنا هلا بمرحلة إنه التوجيهي يمرّ، وبمرحلة إنه الطالب يجيب معدل وينجز هاي السنة، وبس»، تقول والدة طالبة التوجيهي نور، مختصرة ما يشعر به الكثير من الطلبة تجاه التوجيهي، فهم يسعون للنجاح ونيل العلامات فقط، بحسبها. وطريقهم إلى ذلك كان أقصر عبر نظام الفصلين الذي يساعدهم على دراسة المواد في الفصل الأول وتقديمها ووضعها جانبًا، أو نسيانها كما عبّر عدد منهم، للبدء في دراسة الفصل الثاني. النظام الجديد بالنسبة لنور قد يعني اختصار «العذاب» من مرتين لمرة واحدة، إلا أنها عندما تفكر بكمّ المواد التي تراكمت لدراستها تعود لتفضل الدورتين.

يقول عمر حمادة، الطالب في مدرسة في الرصيفة، إنه لم يدرس شيئًا من مواد الفصل الأول منذ بداية العام في انتظار «عطلة الشهرين» التي تبدأ منتصف نيسان الحالي، وتنتهي في منتصف حزيران وهو موعد امتحانات الثانوية. تقول والدته إن ابنها «شايف الأمور سهلة. بقول بهالشهر ونص اللي بدي أعطل فيهم بدي أحط كل المواد مرة وحدة وأقعد أحفظ».

الاعتماد على العطلة يتكرر عند عبد الله أبو حامد، طالب التوجيهي في الفرع العلمي، الذي يقول إنه يتكل على العطلة قبل الامتحانات كي يستعد ويراجع الفصلين الأول والثاني معًا. إلا أن هذه العطلة التي يعوّل عليها عبد الله هي ذاتها مصدر قلق نور، التي تخشى التعب والملل. «لو قدمت فصلين كان أنا هلّأ خلصت (..) بس هيك بدك ترجعي للمادة الأولى. الواحد بزهق. خايفة من فكرة أنسى وما ألحق، وبنفس الوقت أتعب بالآخر وأبطل أدرس»، تقول نور.

في المقابل، يؤيد أنس فيصل، طالب الصف الأول الثانوي، نظام الدورة الواحدة، لكنه جاء لاعتصام في السابع من آذار ليستمع لآراء زملائه الطلبة رغم عدم اتفاقه معهم. إذ يقول أنس إن النظام الجديد سيساعد على تخفيض أعداد المواد وكمياتها، بعد أن اختصرت الوزارة بعض الدروس في المناهج وقللّت المباحث، وفي المقابل، زاد الوقت الممنوح للدراسة. «لو بتقرأي الدرس كل يوم بس قراءة إجباري بفوت على مخك».

ليس الطلبة وحدهم من أبدوا اعتراضات على الدورة الواحدة. حيث تقول منى إبراهيم، مدرسة مادة اللغة العربية – مهارات الاتصال، واصفةً واقع طلبة الثانوية الذين تدرسهم منذ 10 سنوات: «طالبنا مش مُعد يتحمل يدرس كمّ. إله 11 سنة بدرسش (..) بيجي بالتوجيهي بده يعوض». ترى منى أن امتحان الدورة الواحدة يفيد في تدريب الطلبة على التعامل مع كتاب دراسي كامل وهم على أبواب التخرج من المرحلة الثانوية، لكن الطلبة برأيها «ضعاف» ولا يتحملون هذا الكم من الدراسة بعد سنوات من الترفيع التلقائي.

وتصف منى عمل معلمي التوجيهي مع الطلبة «بالاستثنائي»، فهم يحضرون أوراق عمل وحصص إضافية ومراجعات. «المعلم بنزل بثقله (..) إحنا مش بندّرس، إحنا بنحفّظ. [المعلم] بده يفتح روسهم عشان يدخّل المعلومة. كيف بتكوني بتجمعي بشغلة بس عشان تعّدي خطوة أو مرحلة؟ إحنا هيك بنشتغل». لذا، كان نظام الدورتين يساعد منى على تقسيم المواد.

إلى جانب زخم المواد، يقول محمود درويش، معلم الرياضيات في مدرسة فراس العجلوني في عمّان، إن نظام الفصل الواحد يزيد من فرص الخلط بين محتوى الفصل الأول والثاني، تحديدًا في مادته. ففي الفصل الأول يتعلم الطلبة التفاضل، وفي الفصل الثاني يتعلمون التكامل، وهما عمليتان متعاكستان. يعقب على ذلك نواف العجارمة، مدير دائرة الامتحانات في وزارة التربية والتعليم، بأن عقد جلستين لامتحان الرياضيات بينهما فارق زمني يساعد الطلبة على تجنب الخلط في الدراسة.

مؤخرًا، أعلنت الوزارة جدول امتحانات الثانوية العامة، كما أعلنت جدول امتحانات الدورة التكميلية التي ستبدأ بعد إعلان نتائج الثانوية العامة بفترة قصيرة، ليتمكن الطلبة من الالتحاق بالجامعات دون الانتظار لفصل دراسي كامل، بحسب وزير التربية والتعليم، وليد المعاني.

فاخر دعاس، منسق الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة «ذبحتونا»، وصف جدول الامتحان بأنه أحد الكوارث التي سببها قرار الدورة الواحدة، نظرًا لقلة الفوارق الزمنية بين الامتحانات التي تم تكثيف مدة انعقادها كي يتاح المجال لعقد الدورة التكميلية، بحسبه، وهو الإجراء الذي اتخذته الوزارة «لترقيع» قرار عقد الامتحان لدورة واحدة بعد تصاعد الاحتجاجات، كما يقول.

خطوة أولى نحو إصلاح التعليم؟

في وصفه لطلبة الرياضيات في الفرع العلمي، يقول المعلم درويش إن الطالب في نظام الفصلين كان يدرس الفصل الأول لثلاثة أشهر ثم يختم المادة ويمتحن بها، ثم ينساها، ويبدأ في الفصل الثاني. تلك الآلية فرضها نظام التوجيهي الذي أصبح «عبارة عن تفريغ للي إنت حفظته. بدك تعالج المشكلة؟ عالج الامتحان نفسه بالأول (..) إنت ما غيرت على المنهاج، ما غيرت أسلوب امتحانك، فالتزم باللي تعوّد عليه الطالب».

قرار الدورة الواحدة لم يأتِ من فراغ، حسبما يقول وزير التربية والتعليم السابق محمد ذنيبات، بل جاء ضمن الإطار العام لخطة إصلاح التعليم لعام 2013.

يؤكد العجارمة، إن الوزارة لا تنظر لنظامي الفصل والفصلين باعتبارهما الإجراء الوحيد للتطوير، فهي إلى جانب ذلك تعمل على تطوير شكل الامتحان وحوسبته واختصار عدد المباحث واختصار الحشو في المناهج، سعيًا لـ«تطوير شامل وجوهري». كما يقول إن اختصار الوزارة للحشو في المناهج وصل لـ20% من المقررات الأصلية. تم ذلك بإشراف نقابة المعلمين، بحسب الناطق باسمها أحمد الحجايا، الذي كان مبعوث النقابة خلال عملية الاختصار، معتبرًا إياها تكثيفًا للمناهج.

رغم أن الطالب أنس والمدرّسة منى يصفان الاختصارات بالإيجابية، إلا إن معلم الرياضيات درويش يقول إن التربية اختصرت بعضًا من الكتب لاحتواء احتجاجات الطلبة، فمثلًا اختصرت وحدة الاحتمالات في الثانوية العامة وجعلتها للمطالعة فقط. «طالب توجيهي بده يقرأ للمطالعة فقط بالتوجيهي؟ وبده يتخرج من المدرسة ما بعرف إشي عن الاحتمالات؟»، يسأل درويش.

إلى جانب الاختصار، تقول الوزارة، في معرض تعداد إيجابيات النظام الجديد، إن الطالب سيتقدم للامتحان في ثمانية مباحث دراسية، تحسب منها سبعة في المجموع العام، حيث يمتحن الطالب في خمسة مباحث إجبارية ويختار ثلاثة أخرى من المتطلبات التخصصية الاختيارية وتحسب منها أعلى علامتان. بالتالي، سيمنح الطلبة فرصة الاختيار بما يتناسب مع ميولهم ورغباتهم في الدراسات الجامعية، ويخفف عليهم الضغط والعبء النفسي، بحسب الوزارة.

وتتطلب بعض التخصصات الجامعية الامتحان في مواد معينة. فمثلًا، على طلبة التوجيهي الراغبين بالالتحاق بالحقل الطبي والصحي دراسة مباحث الفيزياء والكيمياء والعلوم الحياتية والامتحان بها. بينما على الراغبين في دراسة الهندسة اختيار ثلاثة مباحث من بين الفيزياء والكيمياء والعلوم الحياتية وعلوم الأرض، شريطة أن تكون الفيزياء واحدة منها، بحسب فيديو توضيحي نشرته وزارة التربية والتعليم.

لكن تطبيق ذلك على الأرض، بحسب الطالب عبد الله أبو حامد، لم يكن بالصورة التي ترسمها الوزارة. فالطلبة لم يحصلوا على مساحة كافية ومعلومات تساعدهم في اختيار المباحث أو التفكير في التخصصات التي يرغبون بها في الجامعة، في رأيه.

يستغرب دعاس أن يبدأ تطوير وإصلاح التعليم من الثانوية العامة نزولًا للسنوات الأخرى، بدلًا من العكس، فيما يسأل درويش عن الخطة الاستراتيجية والدراسات التي تستند عليها الوزارة في قرارها وصولًا لتطوير شامل لمرحلة الثانوية العامة.

أما نقابة المعلمين، فتقف مع منح امتحان الدورة الواحدة فرصته للتجربة، كما يقول الحجايا، الذي يرى أن التربية تسير وفق خطة نحو تطوير الثانوية العامة، وعلى رأسها حوسبة الامتحانات بما سيسهل التقدم بها مستقبلًا.

بحسب العجارمة، يقوم تصور الحوسبة على أن يتقدم الطالب للامتحان العام في أي وقت يشاء في السنة الدراسة عندما ينتهي من دراسة كامل المبحث الدراسي. ولأجل ذلك تقوم الوزارة حاليًا تطوير بنك للأسئلة ورسم خطط لتطوير الأمور التقنية، وهو ما يرى الحجايا أنه لو نجح سيحقق تطورًا كبيرًا على مستوى الامتحان.

في خطتها الاستراتيجية للأعوام 2018-2022، تقول وزارة التربية والتعليم إنها اتخذت خطوات لإصلاح التوجيهي بسبب معدلات النجاح المنخفضة المتكررة. إذ تقول الخطة إنه لن يتم تصنيف التوجيهي بعد الآن امتحانًا للنجاح والفشل، وبدلًا من ذلك سيسمح للطالب بالتقدم للجامعات إن حصّل 40% من مجموع العلامات. وتتوقع الخطة أن تكون في نهايتها قد طوّرت شهادة إتمام التعليم الثانوي كشرط لإنهاء المدرسة الثانوية، وأن يتم تطوير امتحان الثانوية العامة بشكل منفضل ليصبح شرطًا للقبول التنافسي في الجامعات. ولا تأتي الخطة على ذكر نظام الدورة الواحدة.

قرار معلّق منذ سنوات

تعود قصة قرار امتحان الدورة الواحدة كما تقول وزارة التربية والتعليم إلى مؤتمر التطوير التربوي الذي عقد عام 2015، وخرج بعدة توصيات منها عقد الامتحان لمرة واحدة ابتداءً من عام 2017-2016، تليها توصية للجامعات بتطبيق نظام امتحانات القبول.

أقرّ مجلس التربية والتعليم هذه التوصية في نهاية عام 2015 لكنه لم يحدد موعدًا للتطبيق. حينها، أشار الوزير الذنيبات إلى أن الوزارة تحتاج أشهرًا للإعداد لتنفيذ القرار، وهو ما تلاه احتجاجات طلابية. وعام 2016، صدر نظام جديد لامتحان الثانوية العامة، نصّ على جعل الامتحان لمرة واحدة منذ تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، لتعود الاحتجاجات مجددًا.

في بداية 2017 عُدّل النظام وأرجأ تنفيذ القرار وربط بقرار من مجلس الوزراء. وفي آذار 2018، أعلن الوزير الرزاز حينها عن مضي الوزارة في نظام الدورة الواحدة، إضافة إلى تغييرات أخرى على علامات النجاح وآلية احتساب المعدّل. بعدها بأشهر، أقيلت حكومة هاني الملقي وعيّن الرزاز رئيسًا للوزراء، وأوكلت مهمة تنفيذ القرار للوزير الجديد عزمي محافظة، الذي استقال بعد أحداث البحر الميت.

إلا أن توصيات مؤتمر التطوير التربوي سبقتها توصيات صدرت عن برنامج التطوير التربوي نحو اقتصاد المعرفة «إيرفكي» (ERfKE) الذي بدأ تطبيقه في الأردن عام 2003، واشتمل تقريره السنوي الصادر عام 2013 على توصية عقد الثانوية العامة مرة واحدة سنويًا لتخفيض كلف الامتحان من جهة، وحتى يستطيع الطلبة اختيارات المسارات الأكاديمية والمهنية من جهة أخرى. لاحقًا، عززت عدة تقارير متلاحقة صادرة عن البنك الدولي حول حالة التعليم في الأردن توصيات تقرير «إيرفكي» في ما يتعلق بامتحان الدورة الواحدة.

تتخوف حملة ذبحتونا من أن يكون تطبيق قرار الدورة الواحدة بابًا لقرارات أخرى. إذ قالت الحملة، في بيان عام 2015، إن تنفيذ توصية مؤتمر تطوير التعليم فيما يتعلق الدورة الواحدة مقدمة لتنفيذ التوصية التالية التي تحدثت عن إقرار امتحان قبول جامعي، ما يجعل الثانوية العامة غير محددة لنوع القبول الجامعي.

فبموجب الخطة المطروحة لتطوير امتحان الثانوية العامة، يقول وجيه عويس، وزير التربية والتعليم سابقًا والعضو السابق في لجنة تطوير التوجيهي، إن الطلبة مقبلون على نظام السنة التحضيرية في الجامعات، وهي السنة التي ستحدد قبول الطلبة في التخصصات الجامعية بدلًا من اعتماد ذلك على نتيجة الثانوية العامة فقط. وعليه، فإن الأهالي سيدركون لاحقًا أن ما يبدونه من تخوفات حول تحصيل أبنائهم في الثانوية العامة سيصبح غير مجدٍ، لأنه سيكون على الطالب أن يتفوق في السنة التحضيرية وليس في امتحان الثانوية، بحسب عويس.

وزير التربية والتعليم الحالي، وليد المعاني، تطرق لقضية القبول الجامعي قائلًا إن بعض التخصصات لا تفتح أبوابها في الدورة الشتوية كالطب والهندسة، أي أن كل الطلبة يتنافسون في الدورة الصيفية، لذا فجعل الامتحان لدورة واحدة ينظم ذلك. رغم أن المعاني نفسه عندما كان وزيرًا للتربية والتعليم عام 2009 كان صاحب توجه لتقسيم الامتحان لأربعة فصول واتباع برنامج الحزم، بحيث يبدأ التوجيهي عمليًا في الصف الأول الثانوي.

تخفيض نفقات؟

إلا أن الطلبة الرافضين للقرار وعائلاتهم يتهمون وزارة التربية والتعليم بالسعي لتخفيض النفقات عبر اختصار عدد مرات عقد امتحان الثانوية العامة.

في العام الجاري، ستدفع الحكومة نحو 17 مليون دينار لإجراء امتحان الثانوية مرة واحدة، وهو المبلغ ذاته الذي دفعته الحكومة العام الماضي عندما عقدت الامتحان على دورتين، يذهب نحو 95% منه أجورًا للعاملين في الامتحان.

ورغم أن هذه الأرقام لا تظهر فرقًا في كلفة الامتحان بين الدورة والدورتين، إلًا وزير التربية والتعليم السابق محمد الذنيبات تحدث مرارًا عن ضرورة تخفيض نفقات التوجيهي. ونجح الذنيبات في تخفيض النفقات ما بين عامي 2014 و2015 بنحو ثمانية ملايين دينار عبر تقليل أعداد المراقبين والقاعات الصفية ومكافآت الكوادر المشرفة على الامتحان. وفي المقابل، ارتفعت الرسوم التي يدفعها الطلبة للاشتراك في الامتحان من تسعة ملايين دينار عام 2014 إلى 13 مليون دينار متوقعة هذا العام.

إلا أن الذنيبات استمر في الحديث عن تخفيض نفقات الثانوية العامة كمبرر لجعل الامتحان في دورة واحدة بدلًا من دورتين، إلى جانب توفير الوقت الذي تنفقه الوزارة على إجراء الامتحان. إذ أن «عقد الامتحان على دورتين يحتاج في كل عام إلى ما يزيد عن أربعة أشهر ونصف ما بين استقبال طلبات الاشتراك في الامتحان وإعداد الأسئلة وعقد الامتحان وتصحيح أوراقه»، بحسب تصريح الذنيبات عام 2015. وهو ما يتفق معه الحجايا، قائلًا إن اختصار الوقت المطلوب لعقد الامتحان يتيح للوزارة فرصة لمراجعة وتطوير استراتيجياتها.

في ورقة نشرها نهاية عام 2018، فصّل العجارمة 13 مبررًا إضافيًا لعقد الامتحان مرة واحدة، منها تخفيف عبء الامتحان على الطلبة وعلى أجهزة الدولة المختلفة «التي تنشغل لتهيئة أجواء عقد الامتحان»، والتخفيف من جهود الوزارة المبذولة طوال العام الدراسي وتوجيهها في خدمة نواحي أخرى، وضرورة التطوير في «ضوء المستجدات العالمية في ما يخص التقويم» والاطلاع على أنظمة دول متقدمة، إضافة إلى نجاح نظام السنة الواحدة الذي عملت به الوزارة سابقًا، ونجاحه في «دول شقيقة وصديقة»، وأخيرًا لأن الدورة الشتوية تأتي في ظروف جوية قاسية يتعذر معها أحيانًا عقد الامتحان أو وصول الطلبة للقاعات.

يقول الحجايا إنه لا مانع من تخفيض كلفة الامتحان طالما أن ذلك لا يمس جودة التعليم ولا يأتي على حساب الطلبة، وهو الضرر الذي يرى دعّاس أنه سيحدث. بينما يرى درويش أن الوزارة تتلاعب بمصير جيل بأكمله لقاء خمسة ملايين دينار يمكن أن توفّرها.

التطوير بالتجربة والخطأ؟

خلال اعتصامهم، رفع الطلبة يافطة كتبوا عليها «لسنا حقل تجارب». ردًا على تلك المخاوف، يعلق العجارمة بأن مبدأ التجربة غير مرفوض، إذ يقول إن كل خطوة يتم اتخاذها خاضعة للتجربة والتعديل، فكل الاختبارات تخضع للتطوير في كل دول العالم، بحسبه.

إلا أن معلم الرياضيات درويش متيقن من أن التربية ستتراجع عن القرار في السنوات المقبلة بعد أن يثبت فشله، بحسبه. بينما يتخوف دعاس من أن تسهّل وزارة التربية والتعليم أسئلة الامتحانات لهذه الدورة وتتساهل في تصحيحها، كي تثبت نجاح قرارها وتكسبه التأييد، وهو ما يصفه بالتلاعب في قيم التعلم.

يقول خالد العنزي، والد الطالب راشد، إنه من الصعب عليه تكوين رأي حول قضية الدورة الواحدة في ظل عدم وجود خطة واضحة للتربية نحو تطوير الامتحان، وعدم وجود دراسة واضحة أعلنتها التربية توضح أسباب اتخاذها للقرار، برأيه. أما والدة نور، فعبّرت عن خشيتها من أن تكون ابنتها ودفعتها ضحية تجربة ما.