شرايين غزة الممزقة: محاولات الانتحار في القطاع المحاصر

الأحد 20 آذار 2016

محمود بشير

أحمد (اسم مستعار)، ثلاثيني غزّي يعمل في إحدى مؤسسات المجتمع المدني القاعدية، ويقطن شقة مستأجرة في حي تلّ الهوى جنوب غربي مدينة غزة، منذ أن تزوج قبل ثلاثة أشهر. لكن ما يبدو من استقرار في حياة أحمد الحالية لا ينسحب على حياته السابقة التي دفعته فيها خلافاته مع أهله وعدم قدرته على الاستقلال عنهم إلى محاولة الانتحار.

قُطّبت جراح أحمد الناتجة عن تمزيق شرايين يديه في إحدى الصيدليات، ولم يُعرض على مستشفى حكومي تفاديًا لإجراءات قانونية قد يتعرض لها. لكن بعد سنوات على تلك المحاولة، بات أحمد يرى أنه كان من المفترض به أن يتوجه إلى طبيب نفسي أو مرشد اجتماعي في حينه، إلا أن وصمة العار المجتمعية أبقته بعيدًا عن ذلك. «أتمنى لو أن هناك من يستطيع الاستماع لي قبل أن يتدخل ويطلق أحكامًا سلبية».

محاولات الانتحار في غزة لم تعد هذه الأيام تتم على أرضية الحمام، بل في شوارع القطاع. ما يجعل الارتفاع المضطرد فيها أقرب إلى احتجاج عنيف على الواقع الاقتصادي والسياسي، وكأن محاولي الانتحار يسعون لإشراك المجتمع في المسؤولية عن حياتهم الشخصية وهدر طاقاتهم، فشهر فبراير الماضي وحده شهد أكثر من 12 محاولة للانتحار، خمسة منهم في أسبوع واحد.

هل يُجرّم المرض؟

يعيش ياسر (23 عامًا) مع عائلة ممتدة بلغ عدد أفرادها 45 فرد في المنزل نفسه، وهو الابن الأكبر لأب يعاني اضطراباتٍ نفسية. بعد أن حاول ياسر الانتحار للمرة الأولى عبر تمزيق شرايين يديه، التحق ببرنامج للعلاج نفسي في مركز لإحدى المؤسسات الأهلية شمالي القطاع.

المحاولة الثانية، كانت عن طريق ابتلاعه مجموعة كبيرة من العقاقير الطبية، وكادت تعرّضه للاحتجاز من قبل المباحث الطبية في مجمع الشفاء الطبي، لكن الأوراق التي أثبتت التحاقه ببرنامج للعلاج النفسي حالت دون التحقيق معه بصفة رسمية وفتح ملف خاص للقضية.

الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة، أيمن البطنيجي، صرح أنه لا يوجد سند قانوني لدى الشرطة بإحالة من يصل إلى المستشفيات إثر محاولة انتحار إلى التحقيق في أمره واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه بناءً على التحقيق، قائلًا «القانون الفلسطيني لا يبيح العقاب على خلفية [محاولة] الانتحار».

لكن نظرة إلى قانون العقوبات الفلسطيني كفيلة بالدفع نحو مساءلة هذا التصريح، حيث تعتبر المادة 225 من قانون العقوبات الفلسطيني لسنة 1936 أن محاولة الانتحار جنحة، كما أن المساعدة على الانتحار والتحريض عليه يعتبر جناية تصل عقوبتها السجن المؤبد.

أحد أعضاء النيابة العامة في القطاع، رفض الكشف عن اسمه، قال أن تعميمًا قد صدر في النيابة العامة في القطاع يحظر حفظ أية قضية تتعلق بالانتحار منذ أغسطس 2013.

مدير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في القطاع جميل سرحان ذكر أن إيقاف الدعوة الجزائية على محاول الانتحار في قطاع غزة يأتي تأكيدًا على أن هذه المحاولات مرتبطة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، وأن الإحصائيات المعبرة عن واقع حالات الانتحار موجودة لدى الشرطة، وصرّح أن الأعداد الحقيقية أكبر مما يُعلن عنه، رغم أن ما يعلن عنه يقارب محاولة انتحار يوميًا. فعام 2014 شهد قرابة 350 محاولة انتحار، بحسب مصادر في مستشفى الشفاء، أكبر مستشفيات غزة.

ودعا البطنيجي جميع العاملين في المجال النفسي والاجتماعي إلى افتتاح مراكز للتداوي النفسي تخفيفًا من الحالة التي وصلت إليها شرائح كبيرة من المجتمع في غزة بين مضطرب ومريضٍ نفسي.

محاولات يائسة

ترى الأخصائية الاجتماعية ألفت المدهون أن بعض الاضطرابات النفسية كالهوس والاكتئاب تؤدي إلى الانتحار، إلا أنها تعتقد أن أسلوب «لفت الانتباه» ينتج عنه جني بعض المنافع. فبعد المحاولة، قد يتلقى محاول الانتحار الدعم والمعونة إذا كانت الأسباب وراء محاولته اقتصادية أو اجتماعية. وتضيف المدهون أن الفرد الذي يحاول الانتحار في القطاع غالبًا ما يكون قادرًا على إنهاء حياته، ولكنه يختار أن يبقى هناك خط للرجوع.

يلجأ الأهالي للمؤسسات المدعومة من الخارج لأنها تساهم في العلاج النفسي لذوي الحاجة، إلا أنها تبقى محدودة التدخل حينما تكون المشكلة متعلقة بالمنظومة الأوسع المحيطة بالفرد.

شدة الصدمات التي تعرض لها المرضى النفسيّون في غزة، بعد 10 سنوات من الحصار الإسرائيلي للقطاع وثلاثة حروب خلّفت وراءها آلاف الضحايا، تستدعي أطباء نفسيين متخصصين لا مُرشدين اجتماعيين، وهي الوظيفة المتوفرة بكثرة في القطاع، والتي لا تخوّل أصحابها تشخيص الأمراض النفسية أو وصف العلاج لها. وحتى منتصف 2014، كان في كل غزة أخصائيّان نفسيان فقط، لجمهور أكبر من مليون ونصف. كما أن قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم 20 لعام 2004 يخلو من أيّة بنود لها علاقة بالصحة النفسية أو تنظم ممارسة مهنة الطبيب أو الإستشاري النفسي.

أما الوصمة المجتمعية التي تخلق الشعور بالحرج لدى المريض من التوجه إلى طبيب نفسي، فتبقى عائقًا واضحًا أمام تردد المرضى على عيادات الطب النفسي، ولكن بعض الحالات تصبح فيها قسوة المرض أعتى من قسوة تلك النظرة المجتمعية للمتردد على عيادة الطبيب النفسي.

وفي ظل ندرة العيادات النفسية وصعوبة الوصول إليها، يلجأ بعض المرضى الغزّيون إلى العلاج الديني (بالقرآن والسنة) الذي يمارسه بعض رجال الدين، رغم محاربة الحكومة في غزة لهذه المراكز العلاجية نظرًا لاستخدام بعض المعالجين السحر والشعوذة في علاج المرضى.

في فبراير من العام 2014، صدر بيان عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بوفاة فتاة تبلغ من العمر 18 عامًا من مدينة رفح أثناء جلسة للعلاج بالقرآن، بعد إجبارها بمساعدة أشقائها على تناول «مواد مذابة في كأس ماء» فقدت الفتاة الوعي بسببها إلى أن وقعت في غيبوبة أدت إلى وفاتها على الفور.

وتعاقب المادة 307 من قانون العقوبات الفلسطيني الذي يحمل الرقم 74 لسنة  1936 كل من يمارس أي نوع من أنواع السحر أو العرافة بالحبس لمدة سنة، ووفق تقديرات للشرطة في غزة يبلغ عدد هؤلاء المشعوذين حوالي 1000 شخص في القطاع، موضحة أنها لا تنفك عن ملاحقتهم وحظر التعامل معهم.  

وكان المرصد «الأورومتوسطي» لحقوق الإنسان، كشف مؤخرًا أن نحو 55% من سكان قطاع غزة البالغ 1.95 مليون نسمة، يعانون من الاكتئاب وأمراض نفسية أخرى، فيما يحتاج أكثر من نصف أطفال القطاع لدعم نفسي.

لا يمكن الحديث عن مستقبل واضح لظاهرة الانتحار في غزة في ظل غياب التسجيل الرسمي الجاد لها؛ وإنما بالإشارة إلى تقرير الأمم المتحدة الذي نُشر مؤخرًا الذي يفيد أن «غزة غير ملائمة للعيش» مطلع العقد القادم، قد لا يكون هناك الكثير من أسباب التفاؤل بالتحسن المنشود في مناحي الحياة في القطاع.